شِلِن

ابرا 1

1

       زنَّ ذكر النحل شِلِن بأنين خافت داخل المعتقل، متألماً من جناحه المكسور، وعندما جاهد نفسه كي ينهض سقط وضرب رأسه بالأرض، فسرى الوجع داخل كل شبر من جسمه الممزق. حاول رفقاءه داخل الزنزانة مساعدته، لكنه رفض وفضل أن يكون مستلقياً على بلاطة الأرض الباردة، وبعد مضي وقت طويل، حين ترقرقت عيناه بالدموع، هتف: نوارة.

      كانت زنزانة المعتقل معتمة، بالكاد تجعل المرء يرى الوجوه العابسة من حوله، وجدرانها المتجمدة تركت جميع أسرى النحل تسعل وترتجف. لقد عرف شلن منذ أن أحضر إليها أنها إحدى سجون بيت العنكبوت السرية، لكنه لم يكن يتخيل قط كل هذا الكم من التعذيب الذي مر به، أغمض عينيه وبدأت تراوده الهلاويس والحمى،  يداه وساقاه مقيدان بسلاسل الخيوط الثقيلة، وفوق ظهره تنزف آثار الهاراوات والعصي. لكن كل ذلك لم يهمه، فقط الذكرى الحلوى لوجه نوارة وابتسامتها، وكخدر لذيذ، صارعته الهذيانات الأخيرة، وأغمى عليه.

2

        حضرت النحلة نوارة متعبة من صف جمع الرحيق لليوم الرابع دون أن تحصل على شيء، رغم أنها وقفت في الطابور لعدة ساعات. كانت الأوضاع قد تأزمت في بلاد خلايا النحل، حيث ارتفعت الأسعار ولم يعد العسل الذي ينتجونه يسد رمق الأطفال الجياع، وزوجها شلن الأستاذ في المدرسة الابتدائية لم تكن ماهيته تكفي لنصف الشهر، وبات يتوجب عليه أن يعمل بعد الدوام كجوكي تُكتك حتى يتمكن من دفع الإجار.

      تذكرت نوارة بأسى أيامها الماضية، حين كانت زهور الرحيق في كل مكان، ورأت كيف ذبلت أحلامها وفنى عمرها بحضور عسس الذباب. لقد جاءوا بانقلاب عسكري، استولوا على السلطة وقتلوا ملكة النحل، ومكنوا لأنفسهم باسم الدين، دين الحشرات الطائرة. كانت تزينهم اللحى الزائفة وعلامات التقوى، وبكلامهم المعسول خدعوا النحل.. قالوا بأن الخلية ستصبح سلة غذاء الحشرات، ورئيسهم ذُبابير سيقود البلاد إلى ثورة الإنقاذ الشاملة، وباستخدام القمع وتجنيد العناكب والصراصير سرقوا العسل لأنفسهم وبدلوه بالخراء. قالوا بأنه خراء مؤقت، سيعقبه أنهار من العسل والرحيق. فهتف النحل لهم:

”حلق حلق يا ذبابير

نحن جنودك للتعمير“

و:

”سنأكل من ما نزرع

ونلبس من ما نصنع“

     لكن كانت البلاد تغرق كل يوم في الخراء أكثر وأكثر، ولم يحضر أبداً العسل الموعود. قال الذباب بأن على النحل أن يتكاتفوا ضد المؤامرات الخارجية من قبل مستعمرات النمل وجواسيسها، وعلى النحل محاربتهم لأجل دين الحشرات الطائرة، والانضمام لحزب الأخوان المجنحون، ذلك أن المتمسك بأجنحته في هذا الزمن هو عدو للكل، فحشدوهم في سبيل ذلك بهتافات رنانة:

”لن نزل ولن نهان

ولن نطيع النمل الجبان“

و:

”لا للسلطة ولا للعسل

هي للنحل هي للنحل“.

    لم تفهم نوارة يوماً العلاقة بين النمل وبين الخراء الذي اجتاح الخلية، وشاهدت كيف أن الحرب بين النحل والنمل، الذين هما ابناء عمومة، أدت بحياة الكثيرين.

   كانت شعارات أخوية الذباب المجنحون تطالب حشود النحل بالدعم والصبر، وتذكرهم بأن الذباب هنا فقط لأجل مساعدة الحشرات الطائرة… فكانوا يرددون:

”لا لعسل قد عملنا،

 نحن للخلية فداء“.

      وعندما كان يتساءل النحل من أين للذباب كل هذه الأموال والثروات، كان الذباب يذكرهم بالحرب ضد النمل، ويخيفهم بحوجتهم للأمن.. ويهتفون:

”فاليعد لدين الحشرات الطائرة مجده، أو ترق من النمل دماء،

أو ترق منا دماء،

 أو ترق كل الدماء“.

3

قال شلن لنوارة: ما الفائدة إذا ما لم نخرج ونتظاهر، نحن الآن ندفع الضرائب من عسلنا على عسلنا مقابل أن يعطوننا الخراء. لقد رفعوا الدعم اليوم عن الرحيق، وبالأمس عن الطلع واللقاح، وغدا سيرفعوننا نحن. فلما السكوت؟

قال شلن: إنه نظام دكتاتور، وعلى النحل أن يفهم ذاك؛ أن الحريات تنتزع ولا تأخذ، تقتلع عنوة ولا توهب. إن تظاهرنا ليس لأجلنا وحدنا، بل لأجل أولادنا وأحفادنا.

قال شلن: بالأمس جاءني عنكبوت الأمن السري، لقد هددني بالقتل، قال بأنني عميل للنمل، وأنني أود تخريب واتلاف الخلية… لكنه لم يفهم أن الخلية خربت منذ زمن، وأن خروجنا في المظاهرات هو لإصلاح وتنظيف الخراء.

قال شلن لنوارة: إنها تظاهرة سلمية، وسجاننا ترعبه الحناجر، وكل ما هتفنا به هو فقط حقنا؛ حرية من قيده، سلام من حربه، وعدل في ما بيننا.. لكن الذباب أصم، لا يفهمون معنى الذل، أعماهم جلوسهم الطويل فوق الكرسي، ولم يتعظوا من من سبقهم،  ولا يعلمون أن الشعب عندما يختار ثورة فلن يثنيه عنها شيء. لا موت شبابه أو تخويفه، لا اعتقاله أو تخوينه. إن النحل اليوم يريد أن يكون.

قالت نوارة لشلن وفي أجنحتها لمعت الشمس: العسل هو ما يجعلنا نعيش، لكن ما يجعلنا نحيا هو الكرامة.

قالت نوارة: أحبك.

4

      خرجت المظاهرة، ألوف من أسراب النحل تطير سوياً، أزيزهم أدخل الرعب في قلوب الذباب، يهتفون أهازيج الثورة. جاءوا من كل خلية، تجمعوا وساروا في موكب مهيب، يجمعهم شيء واحد، حبهم لوطنهم الخلية، وحزنهم لما آلت إليه من خراء..

     كان شلن ونوارة في المقدمة، يده تمسك يدها، وهتافهم اختلط مع بقية أصوات النحل، كانوا يرددون: ”حرية سلام وعدالة والثورة خيار النحل“. ساروا في الأزقة وحواري الخلايا، يهتفون بلا خوف : ”النحل يريد تغير الذباب“، يصدحون : ”يسقط يسقط حكم العسكر“.

        كان شلن يهتف مع الجموع بكل ما يملك من أزيز، عندما جاءت صراصير الشرطة وعناكب الأمن، حاولوا فض النحل لكنهم لم يستطيعوا، فالجموع أكبر من أن تفض بالهاراوات.

      كان النحل يردد لهم: ”سلمية سلمية“.. وإذا ما حاول صرصار أن يمنعهم كانوا يردون عليه: ”كيلو الرحيق بقا بي كم، يا صرصور ماهيتك كم“. وبلا خوف يزمجرون: ”نحن مرقنا مرقنا ضد الناس السرقو عسلنا“.

       بيد أن القائد ذبابير أمر بفض المظاهرة بأي ثمن، فألقوا على الحشود قنابل البفباف المسيلة للدموع، ثم لسعات الرصاص الحي من قبل القناصة، كان شهداء النحل يتساقطون في سبيل حريتهم، لكن مع كل شهيد يجيء حشد جديد من النحل. مأكدين لما صاحوا به: ”ياتو رصاص ما عقبو خلاص“، ”اللسعة ما بتقتل بقتل سكات النحل“.

    لكن في النهاية استخدم الذباب القوة المفرطة ضد النحل الأعزل، جاءوا بالآليات الثقيلة والمدافع ضد صدى الأزيز.. اعتقلوا شلن مع مئات النحل، قاتلين العشرات بلا رحمة. ثم خرج ذبابير في التلفاز ليبرر العنف، قال طاناً بأنهم قبضوا على جماعات نملية كانت تقتل النحل، متوعداً إياهم بأشد العذاب، ووعد بأنه سيحافظ على أمن الخلية، وعلى النحل فقط صناعة العسل والصبر.

5

        خرج موكب تشيع شلن مباشرة بعد البيان. طلابه في المدرسة الابتدائية، بقية الطلاب، المهنيون خرجوا وخرجت بائعات الشاي. عمال اليومية. رفقاءه سائقو التكتك وملاك التكتك. خرج السوق، الأطفال من لعبهم، نوارة وصويحباتها ربات البيوت. خرج الكمسنجية والركاب والطراحين، خرج فارشو الخرد، بائعوا التسالي والفكهنجية. الأطباء في دوامهم المسائي خرجوا، والمرضى الذين أثقلهم سعر الدواء. خرجت القونات، عازفو الزنق، وخرج الأئمة. خرج نحل الغابات مع نحل الجبل، نحل البرية مع نحل المزارع، خرج النحل العاطل عن العمل، وخرج كل النحل…

عن إبراهيم مكرم

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " ملاحم " 2015 م .