الرئيسية / احدث التدوينات / كلمات متجولة (7)

كلمات متجولة (7)

FB_IMG_1545766064615

     لقد كانوا أشخاصاً خطيرين في نظر جهاز الأمن والمخابرات.

    الصبيان الذين يبلغون العاشرة، مثل محمد الدرة، مثل عمران وأكبر بقليل، مثل رئات ريح كثيرة أخرى كانت صدورهم معبأة بالهتاف.

***

    المدينة التي تشبه نهرها الهائج، مهما احتكروها، تريد أن تكون نفسها ثانية، الأحجار المدمية التي انتصرت على عنف الإنجليز، تريد أن تتحرر من بيوت الحزب الحاكم، لذلك ما إن يهتف عامل ما، فإنه يحدث زلزال في عطبرة.

***

٢٢/١٢/٢٠١٨  يداهم جهاز الأمن منزل شخص متوفي منذ عام مستفسراً عن مكانه وأين يختبئ! يبدو أن الأشباح التي تشارك بالمظاهرات تقض مضجع الديكتاتور.

***

    في عام 2070 بدأ العالم يتغير، الاختراعات الجديدة كانت في أوجها، غير أنه في الخارطة وفي الجزء الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا ظل إنسان تلك المنطقة يتحور، وتتغير بعض خواصه الجسمانية، وبعد أن مرت على السودان فترات حكم رهيبة وضاق فيها الجميع مجاعات، جرب خلالها مختلف طرق الحكم من أقصى اليمين لأقصى اليسار، ومن أعلى لأسفل، حكومات ملحدة، مؤمنة، لا أدرية، (ليزبيان)، (هاردكور). فقد أول مواطن سوداني امعاؤه بالكامل، لم تنزل في فضلاته، بل تحور الجزء المخصص للطعام في بطنه لعمود من الألمونيوم الصدئ. وآخر اختفى دماغه، وجدوا محلها كرة شراب، ظل يدندن بأناشيد قديمة تُنسب لمجاهدين، ولكن الأولاد المشاغبين اقتلعوا دماغ عسكري الدفاع الشعبي المسكين، ظل واقفاً هكذا كتلفاز فرغ من بث حلقة ساحات الفداء.

    كل شيء في البلاد المهجورة بدأ عندما ظهرت شركات تطويل العمر واستبدال الأعضاء، لقد ارتكبت شركة ما خطأ شنيعاً، ففي أواخر حكم الجنرال زرعت مفصل ركبة صناعي، وهكذا كل مرة كان يستبدل فيها عضو يخصه، حتى ذكره صار حديدياً، واشتكي الشعب في صندوق شكاوي كرتوني للأمم المتحدة عن خشونة الرجل.

    جرب مواطنو القطر المساكين كل شيء، الهجرة، الصبر، الاستغناء عن أحلامهم، الفقر، والجنرال الذي ظل أبدياً لم يكن إلا فاصلة صغيرة من تعويذة سحرية كتبها فكي قديم عساكر، عساكر، عساكر.. الخ.

    تحور ما بقي من الشعب لأشكال جديدة، عظاءات متلونة، نمل صغير خائف، ببغاوات في الإذاعة والتلفزيون، بقر في اتحادات نسوية، حشرات أبو الدقيق في معسكرات الخدمة الوطنية، ديناصورات في مكاتب الحكومة، صقور في تدريب ناشئين كرة القدم، بعوض في المحليات، ببغاوات في منابر الصلاة.

    ليس الأمر بخطب جلل، فربما كانت الزرافة في محاولاتها للغذاء من الأشجار العلوية هو السبب في إطالة عنقها، وطالما كان السوداني هو الكائن الوحيد الذي يتحور ويتغير مكتسباً أشكالاً وصفات حيوانية، لكن هنالك بعض فئران الهمستر التي رصدت أول محاولات الوعي لديها في ذات العام.

***

    يطفو دخان الإطارات المحترقة في سماء الخرطوم، ويبدو الشارع المليء بالدمامل كمريض بالجدري الكاذب، كل شيء هنالك مريض، يدخل البرد للصدور التي غطت وجوهها من الغاز المسيل للدموع، ويتجمد الدم في حلوقهم، احتقن الهتاف.

    كانت المقذوفة النحاسية “الرصاصة” التي خرجت من بندقية عنصر الأمن تعبر الطريق الذي تنبعث فيه الحياة بالهتاف، تكتسب النار المنبعثة من الإطارات حمرتها، كما تلتهب خضرة أوراق النيم الممزقة، يتنفس الولد الذي في المقدمة كما المحموم، وينبعث ذلك الهتاف: الطلقة ما بتقتل، بقتل سكات الزول.

***

    تنبأ موندينغ “نظارة الرب” بدخول المسيحية لجنوب السودان، ورأي الجميع الكهان البيض في الكنائس، أخبرهم بأن الانفصال سيحدث وبالفعل، بعد أن حلم ذات يوم – الرجل الذي اسمه يعني هبة الرب، خرج إليهم ماسحاً الدم في يديه، عارفاً أن هذا سيحدث قائلاً : “روول كاتووم بار، ايه بي وانق دا لونج كيه رييم.” والتي تعني بلغة النوير: “ستنهمر الدماء وتسيل في مدن الرول “العرب البيض.”

***

    في بورتسودان، تفلت حاويات المخدرات الضخمة، التي تستوعب الكبتاجون، الهيروين، تُميت الشباب ببطء، تفلت من شرطة الجمارك، التي تتفاخر بأنها فضت مظاهرة لشباب أحياء.

***

    لما أرادو اختيار وزير للداخلية، درس الطاغية وزرائه جيداً، لم يكن عليه أن يفكر، لابد أن يكون الوزير هو أحمد بلال عثمان.

    بورك الوزير الجديد الذي ينتمي للحزب الاتحادي بإهدائه لسانين.

    بعدما انتهت لعبة الكراسي تلك، تحول البلال “بينوكيو” إلى قاتل، جرى اختياره لأنه أفضل من يكذب.

***

    لتسع وعشرون سنة مضت، كان الطاغية يحب هتافاً معين “سير، سير يا البشير” يرقصه ذلك الهتاف، امرأة وحيدة بدلت الهتاف ليصبح “طير، طير يا البشير.” بدلته لدرجة أن الجاذبية الأرضية اختلت، ولم تتوقف سيارات الطاغية المسرعة، وكأنها بلا إطارات حتى.

***

     ورود حمراء صغيرة بهيفات طائرة، كانت تحمل عدوى هتاف شاعر يطلب حق الغنى، تخلقت بعيداً وانتشرت بالأرجاء، قرب طريق شريان الشمال. أخرج الأطباء ذات الورود من شهيدين بعطبرة، وأعلنت بسببها الحكومة الطوارئ، خوفاً من انتشار الربيع.

***

1997 م يقول الإسلاميون في حربهم ضد الجنوب أن الغزلان كان تأتيهم وتقول يا مجاهد اذبحني!

2018 م انتفاضة ديسمبر، تم تسجيل فيديو لتاتشر (عربة لاندكروزر) تمشي لوحدها وتقول يا ثائر أحرقني.

***

    كان من المزمع أن تبدأ المظاهرة ليلاً، سمعت الجدران ذلك وأخبرت العسس، عند ناصية الشارع، حيث ترقد الشرطة في العربات مترقبين، كان النوم يمر بهم ويفلت، وصدى صوت الهتاف “يا بوليس ماهيتك كم، كيلو السكر بقى بكم.”

    كان يزعجهم في الحلم، لدرجة أن بعضهم يحك عينيه لكيلا يهلوس.

***

    لقد غير الديكتاتور الزمن، أخر ساعة وقدم ساعة، قسم البلاد الكبيرة، خرق نواميس طبيعية.

   ” لابد أن يكون السبب في تعب قدمي الذي ينتابني، أن أحدهم قد استعملهم في مظاهرة، صحيح أنني كنت في البيت، لكنني أستطيع فعل ذلك، أن أمنحهم قدمي، يداي، قلبي.”

***

    في الليل يعود الجند المتعبين، خالين من كل تلك التفاهات، يطلبون العفو أمام مطاعم الفول الرخيصة، يدسون بطاقاتهم الرسمية، ومعدتهم تقرقر من الجوع.

    في الظهر يظهرون مجدداً، بكمٍ رهيب من الحقد، كأنهم آلآت، ومجدداً يدسون وجوهم خلف أغطية الوجه، تقرقر صدورهم من الخوف.

    حول أطباق الفول أدركنا جميعنا زيف اللعبة.

***

    لما كان ضباط الأمن السياسي يسألونه عن انتمائه السياسي، كان تلميذ المدرسة الابتدائية يقدم الإجابة نفسها، اسمي محمد، ولدت في الثلاثين من يونيو 1989، ولدت ككذبة، ولم أكبر قط.

     لذلك أطلق عليه بقية المعتقلين، الولد الكبير.

***

    كُتِب في جدران تاسيتي القديمة “يكبر المرء عندما يكذب كثيراً،” كل كذبة تُقصر في عمر الديكتاتور المتصابئ، الذي ظهر فجأة أشيباً، عجوزاً، بلسان ضخم يتلعثم ويمنعه التنفس حتى. لقد ارتكب إثماً كفارته العُمر كله.

***

    كانت اللحظة محتقنة جداً، وكأن الزمن سيسعل دماً، الجنود يحاصرون الموكب، رجال الأمن المنتشرين بالملابس العادية، العربات آلية الدفع المزودة ببنادق الدوشكا، أخرج علم السودان من جيبه، أخرج تهمته الوحيدة، وبعد برهة من الصمت والخوف من الرجل الذي بجواره، مد له يده ليسالمه، “بائع المياه المبردة في السوق، حمد”

    – تشرفنا. قال الأخر وهو يضغط على أصابعه الصغيرة.

    – إدواردو غاليانو في خدمتك.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان