الرئيسية / احدث التدوينات / أمبوليزم (1-1): الطين يقضي حاجته على حافة البحر

أمبوليزم (1-1): الطين يقضي حاجته على حافة البحر

الجزء الأول من الأول

ماء البحر الصامت…

لا يبدو سعيداً بتراقص أشباح المستنقع فوقه..

البحر لا لون له سوى متسع الغرق من الأشباح…

شجر المستنقع المعزول من الوصول إلى رمل البحر، يحرض أشباح البحر على التحول إلى شكل من الطينِ..

البَحر من هذا الرعِيل بساط سحري من الماء يتمدد، ورَعْلةُ هائجة تتراقص لوحدها هناك على الطين تعاشر الِمقْنَبُ بغير سرج ورباط جلدي، ثم منْسَرٌ فاتر غسلته قطرات ماء البحرِ فوقف يجالد الصمت والعمر وجفاف سيقانه، كان يناهز الخمسة أعوام، وهنديّ مغامر من أرض الهند الذهبية يتقرب بذيل حصان من الفضة لسادة البحر، الرعيل الطيني يزأر بأرض المستنقع، والشجر هو كل ما وقف أمام الريح والزئير والنارِ الحمقاء.

ما تركته على السلة بجوار القاع كان أربطة لشد خيول النصرِ من قاع البحر الصامت، فهي خيل لها سرجٍ فولاذي ثابت وصياح في شأن الرملِ…

” بعض الناس أبداً لا يصيبهم الجنون. ما أفظع الحياة التي يخوضون غمارها” (*) تشارلز بوكوفسكي

“يقضي حاجته بالسرِ كبقية الأشياءِ

للماء قوة سحرية على تفكيكِ الثوابت”

إضاءة…..

(هذه الشديدة يقتلها الحياء)

ذاك الطين المرمي على قارعة الرمل بالقرب من مغسلة الوضوء، لا أذكر أننيّ قد رأيته في سابق المرات حين كنتَ أتوضأ، صلصاله المغبورِ بخياليّ لم يتورع عن فرك تصوفه الطاهرِ في رماليّ، كنتَ مهموماً بإكمال غسيل يدايّ، لم أنتبه لصفير الصنبورِ حين شرعتْ في دعَكَ ودَلَكَ أصابعيّ، جلست فوق ركام من الرخام مطلي بنثارة الجبص والجيرِ، ترددتَ كثيراً حين هممتَ بخلع جواربيّ، الطين لما قبل الغسيلِ يغريكَ بالتدرجِ في سحب الماءِ، وعندما تكمل وضوءكْ يمرغكَ ليكسبكَ بريقاً وذهولاً حاضراً.

وما صوف الرملِ إلا كمد المدائن التي يتلفحها الغبار ويحيطها ادمان الأهواء، وحين تغمض يدك كالمقفولة بالسترِ، يخرج من بين أظافركَ هبوب الريحِ وعزيق الهلاك، الطين هو الوبر الحميم لنكاح الرمل لبعض النسمات الحائرة، ولا شيء يعجل بالسماح ليّ بدخول الفلك الصوفيّ، إلا هميّ بنظافة صفير ذاك الصنبور.

ماء البحر الصامت ومستنقع الطينِ….

وضعت ما أحمله في يديّ، اتكأت على جانب المقعد الخشبي أمام سور الحديقة الصدئة، العمر لم يكن ينوء بالثقل أو الوزن الكبير، خفت على ذاتيّ أن يزيد ألم العمر، كان الوقت يسمح برفض بعض الأيام السلبية، ويتقبل الكثير من الأشياء الصامتة البراقة المضيئة، مغص الكلمات المكبوتة يذبح الأصوات ويسيل الدمعات، ما حوليّ كان ينذر بالعذاب المر ويبشر بالهلاك، على يمينيّ تقف شجيرة (*) من الأمنيات الماكرات، يساري يمر قضيب السكة المجهول لعالميّ، أخرجت من حقيبتيّ القماشية كوب حديدي تتلفحه الصدمات، منبعجٌ في جانبه وكالمخنوق إلى الداخل تتراجع شبكية فوهته، أمسكه من يده الملتوية وأضعه فوق خشب المقعد بجانبيّ و

…………………….. !

لم أسمعكْ

عليك برفع صوتكَ أكثر….

(الطين متسخٌ بفضلات الرمل التي حملتها الأنواء!)

لا أعرف عما تتحدث يا هذا؟

…………………….

البحر؟!

وماعلاقته بظفر الطين حين تنزعه من الأرض؟

…………….

مهلاً لم أشرح لكَ حديثيّ وأنت لست بسريع الفهم

دعنيّ أكتب لكْ

الطين آخر معنى لتراب الوطن والرمل لكأنه كل تلك المساحة الفارغة من القلب بلا ضوضاء.

مــــــشهد رقم (1)

لون الطين الأوحد في وسط البحر

هو شسوع الغرقِ

لما رميت بحجريّ في ظل الماء البحري

وجدت نفسيّ

تائهاً على رفل المجداف الخشبي

لم أعرف أن الذي أتى هاهنا، كان بعضٌ مما مضى بالأمس، حين وضعوكْ فوق قبة الترابِ، رشوا عليكْ رهاب القشِ ودقيق الرملِ، عمدوكْ رغماً عنكَ وتذوقوا صياحكْ الأهليجي، غطوكْ بالرمل وبقايا أنفاسهم المتناتنة والغبار، صبوا فوق رأسكْ زيت الطينِ أقسموا أن يبعدوكْ، يشنقوا ما كتبت في ضحى النهارِ، لم يتريثوا بل ضايقوكْ، بالركل ورشاش الماء ونثار التراب، وما علموا أن بالغد سيأتي فعل الأمس عارياً وخالياً من الرهابة والخوف.

مشهد (2)

على حافة البحرِ

سأستركَ من نزيف يجلب الإنقراض

سأغطيكَ من ستريّ

سأجلب لكْ الستر

لكنكْ بالمقابل مستوراً

ستأتي ليّ بالبعث والماء والطينِ

مشهد رقم (3)

ماء البحر الصامت

مستنقع الكهنوت العشوائي في ظرفية أن الزمن مجرد قاع يحمل صفير البحر..

الرمل والطين، تركيبتهما مشهدية ومثخنة بالذرات، الطين ثقيل سميك القوام بدبيب الحركة لما تحت الرملِ، قاعه متهورٌ ومليء بالحبيبات المسامية، الرمل مشوه بوهج الشمس منزوع الجلد وعاري يستلقي فوق الهواء، وحرارتها الساخنة السادية على مدار اليوم تتسبب في إختناقه، كليهما مجبور على الإنجاب تحت ظلال هذي الأشعة السماوية، الطين يسمح للماء بالعبور رويداً لما بين باطنه، والرمل يصنع الحدود الفاصلة لرئة الطينِ، لا شيء يولد إعتباطاً، لا تتحرك الهواميس في بيئتهما إلا بأمر الريح المتعكرة بالعاصفة والرعود الداوية، لا يشحن الصوت إلا صفير الصوت حين يصطدم ببارحة الفراغ، نقيض الرمل هو المطر، شبيه الطين هو اللذج من الرمل مختلطاً بالماء، تؤام الجسد لما يصبح جسدين مفتونينِ بالحكة، للطينِ روحٌ عطشى كما أن للرمل ذبولٌ لا يشع إلا بتساقط بعض الطينِ عليه.

مشهد رقم (4)

…. قل ليّ كيف تصف البحر؟

أكبر أفق من الزرقة يسع جميع الأشياء..

ربما كان حديثك شيقاً وجاذباً لكنه لم يضف ليّ شيئاً عن نفسية البحر! هل يمكنكَ ترديد ما قلتْ؟

ماء البحر الصامت لا يخرج إلا بالصدفة..

حين تنقسم نواة الثغرة، يأتي ميسم مجهول الطراز يحمل بين طياته لقاح الحياة، يرقص مزهواً بما حملته أزرعه الرقيقة، البتلات الجانبية على برعم الزهرة تتمدد لتبلغ عشب الأرض، التربة الباطنية للأرض تتفتفت وتتحلل إلى ذرات حصوية وحجارة صغيرة، يتربص الميسم بآخر بتلة رقيقة تتمايل صوب الأرض، برعم الزهرة تدفعه الفتنة إلى مشاركة العشب هزيج البلل، ماكان مجهول الطراز غير معروف النمط صار الآن مثقال الحياة بقدر بوصة من الطين، نواة الثغرة تختلط بشيء من رمل السيليكا (*)، وحين تتلاقى زراع الميسم مع بتلة الأرض بعنف، يخرج الطفل الجديد من عميق العشب المبتل بدماء البرعم الصغير، وهكذا ينشأ الطين من المجهول.

مشهد رقم (5)

على هبر صخر البحر

يقف حارس البوابة الجيرية

مبحوحٌ في باطن الرمل

يخرج أحياناً ليعود بالداخل

وقابٌ في رقبة البعث، لا موت يبلغنيّ ولا فناء ليّ في هذه الأرض، الرمل الكلسي يلتف حول أعضائيّ، والطين يكسو ملامحيّ، حياتيّ ظلت على هذه الوثيقة منذ الغد، بالأمس وبختنيّ حمى الرأس السابقة لميلادي، حدوثها أذهلنيّ إذ كيف يمكن أن تصيبنيّ هذه البلوى وأنا بجسديّ خارج مدار البعث؟ لا شيء يموت فيعود إلا حارس باب الأرض الجيرية، فهو المبحوح في قاع الرمل فلا يخرج أبداً إلا ليعود……

مشهد رقم (6)

ياذرة الطينِ

…… لما صوتكَ باهتاً؟

 أكاد لا أسمع شيئاً منكَ..

ما أعذبك! نعم أنت ياصاحب اللون الأحمر

………………………..

يتشارق الحسن ما بين حكمة التمعن ومعنى بزوغ الشمس، أحاول كسب مسافة معقولة بيني والناس، أبعد عني تداخلهم بكل تأني، ليست صرامة ولكنها خبرة متزايدة في طبقات الحياة، طبقة للتعرف على الناس، طبقة ثانية للتودد والتقرب منهم اجتماعياً وحين تحدث المذبحة وتتكسر القلاع، أصنع الطبقة الثالثة للبعد كفاية عنهم، أجتهد للخروج بأقل الخسائر الممكنة والمتقبلة.

ذاك حال البحر

إذ يخلط الطينِ بالرمل

فيكسبهما قوام العناقِ والتماسك والرقص العفيفِ.

مشهد رقم (7)

حرش البحر هو حوش الأرض…

سقطت قطرات من منشفة معلقة على حبل الحوش (*)، صامتة فلا صدى ولا رنين جراء ارتطدامها، بعثرة قديمة، فلا تصدق أن خليطاً من الرمل أو الطين لا يتناسل، إذ أن فيهما وبهما الكثير من الصفات المشتركة، كمثال المقدرة على اختراق كتلة الارض، أو كأن يتحدانِ لإختراق التربة الصلدة، لأجل التاج الصفويّ يأتي رجل وإمراة فيتحدانِ في مخلوط الحياة.

مشهد رقم (8)

ماء البحر الصامت

الأرض…

رائحة الطين وغلبة تلاقح الذرة مع فقاعة الهواء بالماء، الطين هو التماسك في المبدأ بشق الأنفاس، الرمل هو النفاذ بما تملك لما دون المهلك، هذا الزمان مولع بالنصب والخداع والفاحشة من القول، ثغرة واحدة تكفيكَ لتبلغ الحرية من باطن الأرض.

مشهد رقم (9)

حركات الفعل السابق لتكوين الطين

هي بعضٌ من تكوين الفعل القادم

ماء البحر الصامت

بعض الطين ورهق الذبولِ

الطين وما يتبعه من عجينة الصالب وكيس الحر الشديد، الظل الأوحد ليّ ولكَ، غلاف الجلد بين الساقينِ يضع الصوت في خصر الجلد، مخاض السكتة القاسية، على صفة النهر يستوي الرمل والحجر، حشيش الملل يتعالى دخانه بالضجيج القبيحِ، نافذة الإحسان لهذا الجسد الهزيل، قيافة القلب ونزيفه، حراك العراك وشتائمه، نعال الساقي تحت الساقية، ممر تعترشه الاكاروسات (*)، شجر المهوقني ونيم الظل، الشمس وضآلة عمود الشارع الخلفي، إنارة التنجستين وفنارة المنعطف على قائم البحر، الموجة الحمقاء تترافع في سياقة مائية، البرسيم يفقع ساقه في سهل النص، الحذاء يخلع ما يربطه بالباطن، أسمع في أذنيّ وسيلة الطقطقة، بوابة الحصاد الثالث لما قبل الأخير أغلقها قسراً ضد كل احتمالات الحضور والغياب، نمط المآتة والتنميل، الأفرع العارية النضرة في شجيرة قزمية، أوراق البوص وأعواده، حين تتعثر ستتذكر املاق القلب في زوال الرجاء، وستعلم أننيّ وجديّ بكل صوتيّ أناديكْ، أنا صاحب البوابتين ومعدم بما لا أملك.

مشهد رقم (10)

ماء البحر الصامت

يفتح جوفه الأعمق لما تحته، ويزهج روح قاعه الأزلي ليبتلع مكونات الطينِ..

الطين مخبأ بفضلات الرمل، كل معابثات الأشياء تحدث تحت سطح المجهول منه، لكن سؤاليّ كيف يقضي الطينِ حاجته؟

مشهد رقم (11)

قبل بزوغ الشمس

من قاع البحر البعيد الصامت

يخرج الدلو الوحيد من باب المندب البحري، يزحم اللون المضيء بأشكال التلألأ البسيط، يغرف كم الطاقة من نهر السرداب ليسكبها في نفق السراب، الطين الممسوح فوق الجدار يزيد من إلتصاقه على خرسانة الرمل، وبعد ظهور القمر بالساعات، يجف نفق السراب ليشبع همهمة الرمل..

مشهد رقم (12)

كيف يقضي الطين حاجته؟

الإشارة حمراء فلا تقترب من جراب السقف، حزب الطينِ مصممُ على العجلة وثقالة الخلط ما بين التوقف والتحرك، والذقن هي جسد الكذب والنفاق، بسالة المرء تبدو واهية حين تراها من خلف سور المخبز الطويلِ.

مشهد رقم (13)

لعلكَ يا عائم بالسر تحت الطين

لم تسألنيّ كيف يقضي الطين حاجته بجوار البحر؟

أو لعكَ مليء باليحر أو أن ….. ماذا قلتْ؟

ماء البحر الصامت…!!!

لم أستوعبكْ جيداً… لكننيّ قادر على شرح التالي لكْ ونحن ما زلنا في وسط البحر….

لا يتغوط الطين

وإنما تتخلص العبثيات من حاجتها

يميل الطين لزهر الأرض

عصب الأرض

صوت الأرض

خليط الماء بالصدأ

وضعية سكون الحركة عند الفجرِ

وكيان الأرض

كما وأن له حكايات فسفسائية

قصص مختلة لا عماد لها ولا مجال فيها للأرض

أجاحي أحادية لا تروى مع ذرات رمال العبثيات

فيشاغل الرمل في شهوته

يتدحرج في غلبة من بقائه لما تحت الأرض

ليستجيب لطلب الأرض

برفض سياسة العطش في تراب الذقناء البلهاء

فيعتصر جسيماته المتامسكة الصلبة

ينقعها خبزاّ وماءاً ووقوداً وفقاعات من الأكسجين

ليحيا القاطنين في هرم عزة..

صفوف صفوف من الصوف والبشر تتابع في كل دقيقة…

الحياة لما وراء ماء البحر الصامت صارت مالحة ومثلجة وقاسية

الطين لاجنس له ولا نوع يصنفه

فهو ينشأ من فراغ التساؤلات ونفثات مستنقع التعب المهجورِ

ملفوف بأشجار هرمة شمطاء لا تتحرك إلا صوب العثة واتراب الرمال

حين تتسلل قطرات الامطار لما تحت الأغصان، وتنفذ لتبلل صدر المستنقع البعيد، تختلط مع مستحلب الحبيبات اللامع، يخرج بخار سماوي خفيف يتجمع في بضعة كرات خشنة، وحين يلمسها الهواء تتشقق، وتتدحرج لتخالط حفنات من الرمل والكوارتز وبثرات معادن طافية فوق السطح، ولا تتشكل لتصبح طيناً إلا حين يلمسها ماء المستنقع الصامت.

لا يقضي الطينِ حاجته إلا حين يباشر البحر في إنجاب الامواج..

  • نواصل في الجزء الثاني من الاول.

محمد حامد محمد

ديسمبر 2018

هامـــــــــش

(*)Some people never go crazy. What truly horrible lives they must lead

(*) الشجيرة: أو Shrub نبات مختلف الحجم له سيقان رفيعة وصغيرة، تنشأ من عظم الأم – الساق- ويتخذ الشكل المستدير أو المدور، نتيجة لتجمع عدة أوراق صغيرة تنمو على مستوى افقي وتفترش الأرض، وعادة يطلق عليها شجيرة لتصغير إذ ان لها كل خصائص الاشجار ما عدا الحجم والايض الداخلي والتمثيل الضوئي، تعتبر الشجيرة من Woody perennial plant أي انها تعيش أكثر من عدة سنوات.

(*) السيليكا: Silica أو ثاني أوكسيد السيلكا أو السيليكون ، silicon dioxide من أقسى المعادن ويتواجد في الطبيعة في الكوارتز وخليط الرمل، يتعبر عنصر مكون رئيسي للزجاج، ويسمى أيضاُ بالمسحوق الأبيض أو مصطلح الرمل الزجاجي.

(*) الحَوْشُ: في العادة هي مفردة دارجة وعامية تعتبر فصيحة لغالب أهل السودان – كما انها كلمة عربية خالصة – وهو ما يتوسط البيت أو المنزل أي ما يلي سور الدار– اصطلاحا يسمى المساحة الفارغة من كل بيت – يكثر الاستعمال لوصف المكان الفارغ والواسع من البيت ويتم فيه مزاولة كل النشاطات الاجتماعية – بذكر أسم – حَوْشُ – فاننا نقصد الدار وفناؤها – ويجمع في كلمة أحواش – الحَوْشُ – شُبه حظيره تحفظُ فيه الأشياءُ والدوابّ – معجم المعاني.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان