الرئيسية / احدث التدوينات / استطلاع: ثلاثون عاماً من الديكتاتورية: ماذا سلب منك هذا النظام؟

استطلاع: ثلاثون عاماً من الديكتاتورية: ماذا سلب منك هذا النظام؟

استطلاع: فاتن علي

     “سلبت الإنقاذ حقي في الحياة الكريمة، فالتحفتُ المنافي والصقيع بحثاً عنها، فلفظتني المنافي قسراً عارياً دون يقطين لأواري سوءة الوطن المستباح مع الرفاق كلما تعالى الهتاف.”

     “سلبني هذا النظام شرف ابنتي، حين قال أبيها كلمة الحق: “اغتصبوها بوحشية، وبلا رحمة.””

     “لقد فقد السودان أضخم مشروع زراعي في أفريقيا. كان يُصدّر سلع استراتيجية نادرة للعالم، كالقطن، والصمغ العربي… إلخ، كما كان يمتلك نقل نهري، وبحري، وجوي، جميعها شركات حكومية.”

     لثلاثين عاماً ظل هذا النظام الديكتاتوري الشمولي الفاسد يجثم على أنفاس الشعب السوداني، ولم ينجُ أي أحد من هذا الشعب من فظائعه التي كان وما زال يرتكبها يوماً إثر يوم، فالكل قد شهدوا وعايشوا ما لا يمكن وصفه أو احتماله من الانتهاكات المتلاحقة والجرائم المتعددة، المرتكبة في حق المواطنين والوطن على حد سواء. وهنا بعض الشهادات التي يمكن أن نقول أنها ليست سوى قطرة في بحر ما جناه هذا النظام ضد المواطنيين السودانيين.

قال عبدو فضل الله:

     ثلاثون عاماً، ولست وحدي من يقف وراء حاجز الأمل، إنه لزمان طويل منذ أن اتقدت فيَّ جزوته تلك، بمخزونه السحري المضاد للأفول، وهو أيّ ضوء الجزوة يزداد اشتعالاً حتى دون ريح، ودون تحريك (لمنقده) أعلى وأسفل في محاولة لإدراك ما تحمله الريح من شهوة للاشتعال، هنا يظهر عاطف خيري ليقول (كان بهل الجمر منقد سماي شن ذنبي .. مادام الرماد وسط الشرار متخبي). كانت شرارتي التي خبأت سريعاً وهي في طريقها لإضاءة ما سوف يأتي من عمري، حيث كُنت صغيراً جداً لأدرك كنْه تلك الابتسامة الفرحة، التي انشقت لها شفتا أمي وهي وسط عائلتي، في يوم من أيام الله العديدة، وكان يوم جمعة، حيث نقل لهم المذياع خبر استلام أحد ضباط الجيش (الأشاوس)، كما أذاع من يتحدث عبر المذياع، استلم مقاليد الحكم في بلادي، وأمي لا زالت في ابتسامتها الآملة تلك، وهي تُحدّث منْ كُنْ معها من نساء الحي، وتقول في فخر: (والله راجل ود رجال)، وأنا بين أثاث البيت صغيراً أتحرك، لا إلي جهة كما يقول محمد المكي إبراهيم، حيث لا جهة الكائن ينمو، وكنت أنمو مع إبتسامة أمي الآملة، ومع نموئي أزدادُ إدراكاً  لما يدور حولي، وتتشعبُ الدنيا في خاطري، وتزداد انفتاحاً، وتخرجُ أواني الطعام من بين أحد أبواب البيت الكبير، وتوضع أمامهن، أي نساء حينا، ويتناولن بشهية فاتحة، ما صنعته أمي من طعام، وهنْ يثرثرن عن السياسة، بفكرٍ ضئيل، ومعرفة محدودة، لكنهن يتفقن على أن هذا الرئيس الجديد سيكون أحسنْ، ممن سبقه. وبكل لغة الفراسة لديهن، يعتقدن أن (الرجالة) وحدها هي ما تصنع الدول والحكومات!، وقد اتفقن على رجالتهِ كلهن، ويظهر صدام حسين كما لم يظهر من قبل، كما رأيناه عبر شاشات التلفاز، وبكامل زينته الجندية، وسوف يعيد للعرب ماضيهم التليد! وتنتهي تلكم المؤانسة الجميلة بين رحاب النفوس الطيبة، وبراح الحب النظيف، وإن كان ما نقدمه من طعام لا يرقى لموائد الملوك، لكّنه كان كافي ليجعل الكُل سعيد في هذه الديار.

     بعد زمانٍ طويل افتقدتُ هذه (اللّمة) التلقائية، واليومية، وافتقدتْ زيارات الجيران لنا، وأصبحت النفوس في مخدعها السري، لا تتحمل غيرها! لقد كانوا بسبب ما ظنته أمي أملٌ مخضر، لأيام قادمات، وهذا أول ما افتقدته في ظل هذه الثلاثين عاماً. هل ازدادت ابتسامة أمي اتساعاً، لنرى؟ يُعرّف الشاعر دانتي الفم، بالابتسامة. هو لا يقول الفم اسماً ما، ولكنه يعني أن نبتسم للقادم، كذلك كانت تعتقد أمي.

     كبرت أنا، وتمضي الأيام في سياق الثلاثين عاماً بطيئة، ولا تحمل تغييراً سوى للأسوأ. ازددتُ بعداً عن أثاثات البيت (العنقريب، الطربيزة، الكانون…الخ) من المحتويات، وازددتُ أيضاً بعداً عن أمي، دخلتُ المدرسة، تَعلمتُ نشيد العلم، وأصبحتُ أردده وأنا في طريقي إلى البيت بعد انتهاء اليوم الدراسي، ويردده الصبية حولي. تعلمت الأناشيد الجهادية، التي حشيتُ بها أدمغتنا عنوة، وكنا نشاهد الجنود على التلفاز، وهم في ساحات الفداء ونتمنى أن نصير مثلهم، كانوا قدواتنا، مثلنا في أوقات فراغنا مشاهد الحرب ــ والموت ــ والدمار. حيث يقال أن الحرب هي تسلية الزعماء الوحيدة، التي يسمح لأفراد الشعب المشاركة فيها، الحرب هي قتل مجموعة من الغرباء الذين لا نشعر نحوهم باي عداء!

     وقد ضاع في كل هذه المسرحية جنوب بلادي، ضاع بعد أن جردته الأيدولوجيا من أغصان الباباي، وحلاوة ثمار المانجو، وانتصرت الفتنة على مشاعل الحب. وهذا يُضاف إلى ما سلبته ابتسامة أمي في زمانها ذاك. يقال ان الحُبّ للشجعان، ولكن الجبناء تزوجهم أمهاتهم. هل هذا حقيقي؟!

    بعد زمانٍ طويل، وسلسلة من الأحداث التي عبرت فيها سفينة الإنقاذ، من بحورٍ وبحور، في سياق الثلاثين عاماً التي أنا هنا بصدد محاكمتها أدبياً، تطلُّ فتاة أحلامي، ما أحلاها، جميلة كالقمر، نعم هي كالقمر، ومن كثرة التشبيه بالقمر صار يوم اكتماله بدراً من كل عام، موعد لقاءنا، نحتسي كأس من الحُبّ الرحيم. نظل ممسكين بأيدينا حتى تلامس الهفوة فينا، مشاعر اللذة لكننا نثوب إلى رشدنا، ونسلك مسلك الطهر والعفة. فتأبى السكرة إلا أن تحملنا على هودجها، فنتوه عبر صحاريها، مسافران، لا زاد لنا إلا من العشق الجميل، فنمسك بأيدينا وننسى في أي زمانٍ نحن. يقال أن قيس المجنون أرسلته أمه إلى ديار محبوبته ليلى، تطلب منهم سمن، فلقى محبوبته، وطلب ما أُرسل إليه، وصار ينظر في عينيها وهي تصب له السمن، وهي تنظر في عينيه حتى سال السمن على الأرض.

     كانت تلفظ الأرض التي تحلم بأن تحمل في جوفها بذرةً للحياة، تعمق تمسكي بها بين يدي محبوبتي. ولكن فجأة ودون أي مقدمات يظهر من يعمل في أمن النظام ويتزوج بها دون علمي! بعد موافقة أهلها، وضغوطاتهم عليها، لكنها لا تقوى كسائر بنات الريف. فهل يجدي الحزن على كل ذلك؟!

    هذا أكثر ما سلبني إياه هذا النظام، وسببته لي ابتسامة أمي. ولكنني لم أمُت، ولم أكُن على قيد الحياة أيضاً، حاول أن تتخيل، لو تستطيع، هُناك، محروم من الحياة والموت في آن واحد، وهذا ما قاله الشاعر دانتي أيضاً.

وقالت ر. ك. أ:

    قد أكون مثل الكثيرين الذين تأثروا بمآلات السياسات الظالمة لنظام الإنقاذ، على مستوى الحياة العامة والإنجازات الشخصية على حد سواء. وقد أبدو من المحظوظين بأني لم أفتقر إلى لقمة العيش وأتيح لي الإستمرار في الحياة، كأي كائن حي على سطح الأرض، يقتات، ويتناسل، لكن دون روح أو طعم لأي إنجاز أو تقدم. بالنسبة لي ما سلبته الانقاذ هو كامل عمري، كل سنين الشباب والطموح والإنجاز.

     نشأت طموحة جامحة، محبة للحياة، والعمل، أحبُ إنسان هذا الوطن بكل متناقضاته، لا أعرفُ الهزيمة. إلى أن أتى اليوم الذي سُحقت فيه عزيمتي، وهدّ عزمي، يوم أن ضربوا أبي وأصابوه، بجلطة دماغية في مكان عمله بأحدي الوزارات الحساسة، والتي لا تحتمل المحسوبية ولا التماهي، عند رهن أرواح المواطنين للطغاة، والمفسدين، وما كان مني وأنا الكبرى، إلا أن أواصل في طريق الحق، والمطالبة بحق أبي، والمجاهرة بفضح المفسدين، ولكن أسلحة التنكيل متعددة، وأيادي الدعم والمؤازرة، وهنت وارتعبت، والبعض الآخر اشتروا سكوتهم وابتعادهم بأغلى الأثمان. فلم أزداد إلا شراسة وحنقاً حتى وصلوا إلى السلاح الأخير، والذي يعتبر الأقوى والاشد فتكاً في مجتمعات لا تخرج عقولها عن محيط سروالها! وهو الضربة التي قضت على ما تبقى من محاولات العيش بكرامة!

    بين عشيةٍ وضُحاهَا تصبح الفتاة المتوهجة بالحياة، الضاجة بالأمل، المسنودة والمساندة، تصبح خرقة بالية نتنة نجسة، لا تصلح حتى للوأد في باطن الأرض، ثورة بركان خمدت سريعاً. فقط لمحاولة اغتصاب.

    لم يكن التالي في المرحلة، سوى الموت، وليته الموت الغياب! هي العزلة من الأقارب والأصدقاء، وحتى الأخوة. صارت أدمعهم أقوى من المواجهة، ونظرات الصغار منهم تناشد أمناً تتوسل سلماً. لم يكن هناك خيار سوي الإبتعاد .. إنتصاراً لقوة البطش ـ والقهرـ المجتمعي ـ الأكثر تأثيراً من سياسات الحكام، وإتباعاً لسياسة الخائبين منا، والذين سبقونا في تصديق الوهم القائل بمواصلة الكفاح من خارج البلاد.

    نادتنا المنافي، ولم يكن خروجنا سوى دعماً لحكومة البطش، حملنا عنهم جميع مسؤولياتهم تجاه المواطن، لنُقنع أنفسنا بفاعليتنا تجاه اُسرنا، من سدّ الرمق، حتى توفير أبسط حقوقهم في الصحة، والتعليم، كنا نتولاها عن النظام، وتتوالى السنوات وهكذا يتلاشى العمر وتكبر معنا أقنعتنا، التي لبسناها لتزييف دواخلنا المشوهة، وشوائبنا العالقة على أسوار الخوف من أن تنتقل العدوي لأبنائنا، الذين ربيناهم بعيدين عن أوطانهم، لا نكاد نستطيع أن نحقّن فيهم هويتنا. علّ وعسى ذلك يسدُّ الفجوة التي اتسعت بين نفوسنا الحقيقية، والمسخ الذي صرنا اليه!

وتقول أحلام الغالي:

‏     أنا لم أولد في عهد الإنقاذ، ولكنّي كنت من الجيل الذي سرقت الإنقاذ أحلام شبابه، صحيح أني لم أعيش طفولةً مترفة، ولكني عشت طفولةً سعيدة مترفة بالذكريات الجميلة، طفولة معافاة وممرحلة تمرحل منطقي.

     وجدتني الإنقاذ على عتبات الشباب، في عنفوانه، والأحلام فراشات لا تعرف الرهق، فسحقتها في أول إعصارها، بذات المعاناة من مدرجات الجامعة، وأهوال الداخليات، والمعيشة. والتضييق في المساهمات الأدبية والاجتماعية، والثقافية داخل الجامعات، وتمضى السنين. ثم تبدى لي الواقع بكل مرارتهِ، وأنا على أعتاب التخرج، التمكين، فرصتي التي لم تتضاءل بالتدريج، إنما اُعدمت بجرة قلم.

     لقد كُنت معروفةً بكرهي للإسلاميين، ومكشوفة النوايا لكل زملائي الإسلاميين، الذين لم يحفظوا الزمالة ولا العشرة أيام العمل الصيفي. لقد طغى ولائهم الحزبي على ضحكاتنا وونساتنا، وكلُ ما هو جميل. لم يقصروا في ترس المتاريس في دروبي!

     كان لا بد من طرق أبواب الغربة. تركت والديَّ منهكين، والأيامُ تتقاصر، همومنا تسكنْ في خلاياهم وتسرقهم النوم، وهدأة الروح في الهزيع الأخير. في غربتي المالحة، أنجبت أطفالاً ضائعي الهوية، ومرتبكي الإنتماء. عانوا الظلم من أوطانهم، ومن منفاهم، فلا أنتموا لهذا، ولا لذاك. كُنت أزور الوطن، وفى كل مرةٍ أعود محطمة الروح، مما ألاقي في كل المشاوير من أحزانٍ، وفقرٍ، جوع.  في دروبي كُنت أبكى طوال إجازتي أكثر مما أستمتع بوجودي بين أهلي، ثم أغفل عائدةً إلى الأراضي المالحة.  تلاحقني عيون أبي وأمي من خلف الباب الموارب، بتماسُكهم المُتصنّع. في كل عام ٍ تصعُد بي الطائرة إلى أعلى، وقلبي يهوى إلى الأسفل.

     سرقت الإنقاذ مِنْ العمر أجمله، وسَحقت تحت حذاء العسكري سوسنات العمر النضرة. تركت الإنقاذ بسوء أفعالِها، وأقوالها، ظلال سوداء تمتد وتمتد.

    الآن؛ أنا امرأة على وشك أن تُدير للحياة ظهرها، وهي مثقلةً بهموم الجيل الذي أنجبته في الحقبة المظلمة، الجيل الذي ولد في عهد الإنقاذ، تؤلمني طفولتهم الضائعة بين طوابير الرغيف، وعلى أرصفة الشوارع، يمسحون جزم المارة بطفولتهم، أو ينامون في بطن الدرداقات وأياديهم تستجدى المارة في منظرٍ لا يشبه براءة الطفولة في أعينهم، وبريق حماس الشباب والأمل.  في صدري براكين حقد وأرتال رماد.  حزني أنه لا قصاص سيشفى غبينتي! وإن ذهبوا، (أجيب من وين عُمُر تاني.)

وقالت ولاء بلّة:

     لقد كان السودان بلداً ديمقراطيّاً، أي منْ يحكمك يكون من اختيارك أنت. به قضاء مستقّل ونزيه، السودان كانت به العديد من المصانع، ليس كما اليوم، أصبحنا نستورد كل شيء. بما في ذلك الوسادات، نأتي بها من الخارج، لقد كان جواز السفر السوداني يمكّن السفر للدول الأوربية بلا تعقيدات، كذلك كان السودان من دول عدم الإنحياز، نحن منْ نتوسط للآخرين من الدول، في حلول مشاكلهم، لكن؛ اليوم يُرسلون أبناء الوطن كمرتزقة. ومن أعظم ما كان لدى السودان تعليم ٌجامعيّ مُتاح للكل. به خدمة مدنية نزيهة ومستقلّة. به أضخم مشروع زراعي في أفريقيا. كان السودان يُصدّر سلع استراتيجية نادرة للعالم، كالقطن، والصمغ العربي… إلخ، كما كان يمتلك نقل نهري، وبحري، وجوي، جميعها كانت شركات حكومية.

وقالت وفاء عزالدين:

    سلبني هذا النظام شرف ابنتي، حين قال أبيها كلمة الحق: “اغتصبوها بوحشية، بلا رحمة.”

ويقول عمر كانوري:

     ثلاثون قصرت الخطى وعرجت الطريق، عوجت الدروب وأصابت البلاد بكل أنواع الداء والخطوب، والبلاد ديجور كبير لم يتنفس صبحها بفعل سطوة الجلاد الجاثم على صدرها، تعاني الشرور والحرور، لم يفئ ظلها ثلاثون عاماً من التجويع والتشريد، واستلاب الهُوية، وتداعي الوحدة والتعايش والانصهار، أحلام الشباب تتناثر على الأرصفة ومزابل الحكايات، دون أن يلتقطها صلف الواقع وسوء المآل. هذه الفترة وبقسوتها فار فيها تنور البلاد، وبلغ سيل الوجعة الزُبى، دون أن يغَض ماء الحزب الآسن، ولم يكن في الجودي متسع لتستوي البلاد! بْترت سواعد الوطن الأخضر واستعرّت الجبهات.

    ثلاثون عاماً ماذا سلبت منك الإنقاذ؟

     سلبت الإنقاذ حقي في الحياة الكريمة، فالتحفت المنافي والصقيع بحثاً عنها، فلفظتني المنافي قسراً عارياً دون يقطين لأواري  سوءة الوطن المستباح مع الرفاق كلما تعالى الهتاف. سلبتني شقيق اوتجاع مخاض أمي حين تعالت أصواتهم ونادوا بالجهاد. سلبتني طعم الباباي ورائحة انتونيتا وتهادي الأبنوس في جونقلي والبحيرات .

    أنا أبن البلاد التي سلبتها الإنقاذ كل شيء: زرعها وضرعها ـ قوتها ـ وعزها.

    أنا أشبه أوهاج الذي صورته الإنقاذ لي بملمح لا يشبهني، بمذاق الطين والناس في جبل مرة وإن حاولوا طمس المذاق، بعثرات اللغة على أصواتهم وإن فصح لساني، بسمرة النيل وعطاء النخيل وشموخ توتيل.

     يكفي أن الإنقاذ سلبتنا وطناً بأكمله وهي تردد :

    هي لله هي لله!

    يكفي أنها قتلت وشردت وروعت وأرهبت وهي ترمي البلاد في هوة دم سحيقة وشعارها :

     فلترق كل الدماء.

وقال عثمان فضل الله:

     أبكيه عمري الضاع، ولا في أسوأ الكوابيس كنت أتخيل وأنا الشاب اليافع حينها، أن الرجل الذي أطلَّ في ذلكم اليوم من صبيحة 30 يونيو 1989 مرتدياً بذته العسكرية، ومتحدثاً بلهجة غاضبة عما آلت إليه الأوضاع، سيستمر في الحكم لثلاثين عاماً آتية. فالرجل لا يتمتع بكاريزما القيادة، ولا حكمة القائد، قسماته لم تكن مريحة، ومخارج حروفه كانت سيئة جداً، اشحتْ بوجهي عن التلفاز. وأذكر دخلنا أنا وعدد من الحضور أحفظ أسمائهم عن ظهر قلب في حوارٍ طويل عن الفترة المقبلة، كُنت مستمعاً فيه أكثر مني مشارك باعتباري الأصغر سناً. الآن عندما أعود لتلكم الجلسة، أقول إجابة على السؤال ماذا أخذ منك نظام الإنقاذ؟ أخذ عمري كاملاً، أنا على ثقة أن كثيراً من الخيارات كانت ستختلف، لولا لم يحكمنا هذا النظام الذي بدل الكثير من المفاهيم والمعالم في طريق الحياة.

    لم يترك لنا ذلكم النظام أن نحيا حياة طبيعية، نعيش تفاصيل وفصول أعمارنا كما ينبغي، قفزنا على كل شيء، وتعاطينا بخوف مع كل شيء، كانت الحياة في سنينها الأولى عبارة عن كدر وغمْ، اعتقالات طالت الأصدقاء، وتهديدات دفعت بالكثير من الاهل والأحبة إلى ركوب الصعب بحثاً عن ماء الحياة. كنا نتحلق حينها عند الثالثة حول أجهزة الراديو في دكان العم شقوري بمدينة الدامر، لنستمع لنعيق غرابهم المسمى يونس محمود شاتماً يساراً ويمنياً ساسة محليون كانوا إلى أيام قليلة محل احترام وقادة عالمون هم للتبجيل أحق، لا قداسة ولا حرمة لشيء، صدورنا ثقيلة، والكلمات بدأت تتحول إلى همهمات والعيون غائرة، غير أن كُلّ التوقعات كانت تُشير إلى نظام أتى بهذه الوطأة القاسية على النفوس، لن يستمر طويلاً فكانت الاشاعات تتوالى بأنهم لن يستمرون أكثر من ستة اشهر. ومضت فكان التوقع أنهم لم يستمرّوا أكثر من عام. وهكذا كانت السنيين تمضي ونحن في حالة ترقب لما هو آتٍ. وعام بعد عام الموت ينتشر وثقافته تسري وتتوالى، والحياة هي من تتخذ القرارات المصيرية في مسيرتك. فعقلك مشلولٌ أمام شلالات الدماء التي تحوم حولك، وبالقرب منك في الجنوب، ومن ثم الشرق، وفي الجامعات لايزال الشباب يتغنون بـ(بكرة التجمع جاي)، ولم يأتي، والآن أنا على أعتاب الكهولة، أتمعّن في تلكمْ السنوات العجاف! كيف كانت ستكون إذا لم يطل ذلكم الرجلُ العابس في يوم سبته العابس، ليقول كلماته تلك، وبلا شك الحياة من دونهم كانت ستختلف، وكانت الخيارات فيها ستكون ليست هي ذات الخيارات. فالإنقاذ بلا شك أخذت عمري الجميل بكامله، ولم تترك لي إلا فتات السنوات.

     إليك مثالاً واحداً فقط لأصول وممتلكات تم بيعها منذ 1989

– الجنسية والجواز السوداني

– جنوب السودان

– سواكن

– ميناء بورتسودان

– مطار الخرطوم

– خط هيثرو

– النقل الميكانيكي

– الهيئة القومية للكهرباء

– الهيئة العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية

– المؤسسة العامة لأعمال الري والحفريات

– إناث الضأن والإبل

– شتول شجرة الهشاب

– مقر السفارة السودانية جدة (حي الهنداوية)

– مقر السفارة السودانية القاهرة

– بيت السودان لندن

– بيت السودان جنيف

– حديقة الحيوانات

– تمثال الجندي المجهول

– الهيئة القومية العامة للبريد والبرق

– النقل النهري

– الخطوط البحرية السودانية (سودان لاين) 15 باخرة

– شركة الصمغ العربي

– خصخصة شركة السكر السودانية

– منشآت ومخازن الأشغال والمهمات

– مباني وزارة التربية والتعليم السكنية

– اشلاقات البوليس

– أراضي السكة حديد

– أراضي جامعة الخرطوم

– أراضي منطقة أبو حمد (اماراتيين)

– أراضي الحوض النوبي (الراجحي)

– تصفية مؤسسة الدولة للسينما، وقسم السينما في مصلحة الثقافة، ووحدة السينما في التلفزيون 1991

– معسكر الحرس الجمهوري سوبا

– حوش المدرعات بالشجرة (بيع ليصبح مخطط غزة السكني)

– مصنع سكر الجنيد

– مصنع سكر حلفا الجديدة

– مصنع اسمنت عطبرة

– مصنع اسمنت ربك

– مصفاة الخرطوم

– بنك الخرطوم

– البنك العقاري (بيع واسترد جزء من الأسهم فيما يعد)

– أراضي الجامعة الاسلامية

– حي الوابورات وشاطئ النيل الأزرق (الديار القطرية)

– الميادين في الأحياء السكنية

– ميدان وسوق الثورة ح 23

– مشتل محلية الخرطوم

– ميدان البوستة سوق امدرمان

– المواقف العامة

– مشروع الجزيرة

– مصانع الغزل والنسيج مارنجان

– منازل الموظفين في مشروع الجزيرة والمناقل

– مشروع كناف ابو نعامة

– مشروع جبال النوبة للغزل والنسيج

– مصنع الغزل والنسيج شندي

– مصنع نسيج نيالا

– مشاريع النيل الأبيض للإعاشة

– مشروع جبل مره (به أكبر محطة بث تلفزيوني)

– مشاريع النيل الأزرق للإعاشة (مشروع الليونة الزراعي، مشروع علي بدري، مشروع التهامي)

– مشروع ساق النعام شمال دارفور 156 ألف فدان (سعوديين)

– مشاريع العون الذاتي حلفا الجديدة (مطاحن الدقيق ومصانع العسل)

– بيع أراضي حلفا الجديدة (ارض البساتين، المؤسسة الزراعية، الجمعيات التعاونية من الآلات والعربات، جمعيات دوائية كانت أهم مركز تجاري في المناطق الجغرافي، السينما)

– مصنع السكر حلفا (تغيير اسمه إلى مصنع النيل)

– السكة حديد حلفا الجديدة

– السكة حديد سنار

– مبني الثروة الحيوانية (البيطري) محليه الحصاحيصا

– مصنع التعليب كوستي

– مصنع تعليب الفاكهة بابنوسة

– قنصلية سفارة السودان بالهند بيعت للكويت

– الفندق الكبير الخرطوم

– فندق قصر الصداقة

– مستشفى الخرطوم

– مستشفى جعفر ابن عوف

– خصخصة مستشفى السلاح الطبي.

– شركة السودان للحبوب الزيتية

– مشروع الغزالة جاوزت (أكبر مراكز البحوث وتطوير الثروة الحيوانية في السودان وثاني أكبر مركز في إفريقيا.

– هيئة تنمية غرب السافنا

– (23%) من الأراضى الزراعية فى السودان تم بيعها لمستثمرين أجانب، من بينها (1.4) مليون فدان بيعت لشركة أمريكية بـ(25) ألف دولار. أن الأراضي السودانية المنتزعة أو مستولى عليها تشكل (9.99%) من جملة الأراضي المستولى عليها حول العالم. السودان رابع أكثر الدول في العالم التي تم الإستيلاء على أراضيها الزراعية بعد جمهورية الكونقو الديمقراطية.

عن فاتن علي

mm
كاتبة من السودان أحاول أن أُحيل الرماد من عيون المجتمع .