الرئيسية / احدث التدوينات / الثورة السودانية: الكتلة الحرجة والكتلة التاريخية

الثورة السودانية: الكتلة الحرجة والكتلة التاريخية

    مما لا شك فيه، أعادت الثورة السودانية التي انطلقت في مدينة الدمازين، الواقعة في ولاية النيل الأزرق، صبيحة الثاني عشر من ديسمبر، ترتيب الواقع السوداني، بحيث يسمح لنا بالتفكير بصورة أكثر وضوحاً للمستقبل في السودان، والذي ظل مبهماً للعديد من الشرائح الاجتماعية، سواءاً أكانت أحزاب سياسية، أو أجسام مطلبية، أو حتى للمواطن العادي.

     نلاحظ تنامي الوعي الحقوقي للأفراد، وخصوصاً فيما يخص مسألة التعبير والحرية، التي يمارسونها بجانب تنامي الوعي الوطني، والذي يجب أن يتجه لبناء (ثقة اجتماعية)، عبرها يتواصل الأفراد وشرائح المجتمع إلى خلق بيئة عبرها تبنى ما يسمى بالهوية الوطنية. المتابع لحركة الاحتجاجات يلاحظ أن هنالك مركزيات بدأت في الانهيار والتلاشي، فالمعايير التي خلقتها الممارسة السياسية قد بدأت في الانهيار، مما يسمح للعديد من الأشخاص المشاركة في صناعة الفعل، والذي بالتأكيد يتسم بنوع الفضاء الذي تشكل فيه (الفضاء الإسفيري)، وهي قدرة شبكات التواصل على اختراق الرقابة الحكومية والحدود بين الدول والأقطار، وسهولتها وانخفاض تكاليفها، وقدرتها على أن تكون بديلاً ملائماً وشاملاً للصحافة ووسائل الإعلام التقليدية، وينظر إليها اليوم، باعتبارها من أهم المؤثرات في تشكيل الرأي العام وصناعة القرار.

     وقد يكون التصاعد الهائل في عدد مستخدمي فيسبوك وشبكات التواصل الأخرى مؤشراً على الفرص والحالة المستقبلة المنظور إليها، أو التي نحاول فهمها وتقديرها، ويتوقع أن يواصل الإعلام الجديد دوره في تنظيم الحراك الاجتماعي والمدني في السودان، وبخاصة بين الشباب، وهذا ما حدث بالفعل في الثورة السودانية حيث عملت زيادة المستخدمين علي كسر الرقابة في أدنى مستوياتها الأسرية، ومن ثم تتصاعد لتصل إلى المنظومات السياسية والمؤسسات الحكومية.

     فيسبوك لم يغير بطبيعة الحال الدول والمجتمعات، ولكنه أداة تغيير وتأثير فعالة في الوعي السياسي والتجمع والمواجهة والجدل والدفاع وتستخدمه جميع الأطراف، ولم يكن أداة بيد المعارضة وحدها؛ فالحكومات والأنظمة تستخدمه أيضاً، ولذلك فإن المصدر الحقيقي للتغيير هو الحراك الاجتماعي ووعي المجتمعات والطبقات لأهدافها ومصالحها، وهي في ذلك تبحث عن أدوات ووسائل لتحقيق أهدافها، وكان فيسبوك وشبكات التواصل من أفضل وأهم هذه الوسائل، ومن المؤكد أنه بدون هذه الشبكة لم تكن الحركات الاجتماعية ستنجح، أو أن نجاحها سوف يتأخر إلى حين تجد الوسيلة المناسبة والفعالة للتعبير والتأثير.

     لقد تجاوزت مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي وسائل الإعلام التقليدية بمراحل، ولا بد أن يكون لذلك تداعيات كثيرة على الدولة والمجتمع والعلاقات والتوازنات الداخلية والقواعد والمعادلات المنظمة لها، وفي ذلك رابحون وخاسرون، فمن يربح ومن يخسر، ومن يصعد ومن يخرج من المشهد؟

     قد تكون هناك مقاربات عديدة بين الثورة السودانية والمصرية ظالمة بعد الشيء، فطبيعة الدولة في السودان مختلفة فهي محاطة بواقع معقد وازمات دولة متراكمة لن يكون الفيسبوك وحده فعال في حلها، لذلك تحتاج عملية التغيير مراحل عديدة مكتنزة بدسم الحوارات الاجتماعية والتحالفات الوطنية والاجتماعية لتشكيل كتلة تاريخية، والتي يجب أن تكون حاضرة من أجل تفادي أي انهيار للدولة. يعود مفهوم ومصطلح “الكتلة التاريخية” إلى المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي (1891-1937) الذي كان يسعى إلى حل المشاكل التي عاشها المجتمع الايطالي في ذلك الوقت، والناتجة عن التباين الكبير بين الجنوب المتخلف اقتصادياً والواقع تحت هيمنة الكنيسة وبين الشمال المتقدم صناعياً. ورغم تكوين غرامشي الماركسي إلا أنه سعى إلى البحث عن بديل للماركسية لإحداث التغيير المطلوب في المجتمع الإيطالي. فقد رأى في المثقفين البديل الذي يمكن أن تقود هذا التغيير ويغوص الجابري أعمق في شرحه لمفهوم الكتلة التاريخية يرى الجابري أن المرحلة الراهنة في البلاد العربية تحتاج إلى: شيء أقرب إلى ما سماه المفكر الإيطالي والمناضل السياسي اليساري (1891-1937) غرامشي ب”الكتلة التاريخية” والذي كان يفكر في طريق للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي يناسب طبيعة المجتمع الإيطالي في زمانه. “وكانت عوائق طرق الإصلاح تتمثل في التفاوت الكبير بين شمال إيطاليا الذي كان قد بلغ درجة عالية في مجالي التصنيع والتحديث، وبين جنوبها الذي كان يحمل سمات المجتمع المتخلف الخاضع لسلطة الكنيسة. ومن أجل الحفاظ على وحدة الأمة الإيطالية والقيام بنهضة شاملة اقترح فكرة “الكتلة التاريخية” وهي تضم إلى جانب قوى التغيير والإصلاح في الشمال، من ماركسيين وشيوعيين وليبراليين، القوى المهيمنة في الجنوب بما فيها الكنيسة.”

     وذكر الجابري أنه “من خلال مقارنة حال الأقطار العربية في زماننا مع حال إيطاليا زمن غرامشي اقترحت الفكرة مع تبيئتها وتكييفها مع الوضع العربي.” فالكتلة التاريخية التي نادى بها الجابري كما حددها هي: “كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولاً بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية، السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانياً بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها، إلى درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج.”
اذن ما بعد مرحلة الثورة التي تنجزها الكتلة الحرجة يأتي الدور على الكتلة التاريخية، والتي يقودها أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير لبناء دولة سودانية تقوم علي أساس الهوية الوطنية.

عن حسان الناصر

mm
كاتب من السودان