الرئيسية / احدث التدوينات / الثورة السودانية ملامح على الطريق

الثورة السودانية ملامح على الطريق

“الثورة إنطلقت شعارات ترددها القلوب”

حرية سلام وعدالة

     هذه الشعارات القيمية هي عصارة التجربة الحياتية لشعب رزح سنوات عديدة تحت قبضة الإستبداد الفكري السلطوي. عندما إنطلقت الثورة السودانية في ديسمبر من عام ألفين وثمانية عشر من الميلاد كانت إنفجاراً متوقعاً لتراكمية الحِراك والتململ الذي ضرب عميقاً في جذور المجتمع. فالضائقة المالية التي حاصرت البلاد في السنوات الآخيرة متجلية في نوبات أزمة الوقود المتكررة وإرتفاع أسعار السلع الأساسية وتمرجح أسعار الدواء إستناداً على رفع الدعم عنه. كل هذه الأحداث كانت تعقبها وقفات وإحتجاجات وتذمر يجد طريقة بين فينة والأخرى إلى أرض الشارع. ماحدث في الفترة الأخيرة هو تسارع في الإتجاهين تفاقم بائن في الأزمة الإقتصادية وإرتفاع أسعار الخبز مع ندرته أحياناً.

    كانت أصوات الإحتجاجات في ديسمبر قوية، وكانت الشرارة المنطلقة من عطبرة حينها في التاسع عشر من ديسمبر أكثر توهجاً ما طغى على سابقتها في مدينة الدمازين في الثالث عشر من الشهر نفسه. كان هتاف الطلبة والأهالي متعالياً ضد إرتفاع أسعار الخبز سرعان ما تحولت هذا الإحتجاج إلى غضبة تجاه الحكومة المتمثلة في مقار الحزب الحاكم بالمدينة، فتم إحراقها في إعلان حاد وسافر عن رفض سياسات النظام. النار كما نعرف عنها نورها حرارتها وسرعة إنتقالها، فإرتحل الشرر من عطبرة إلى عدد من المدن من حولها وأبعد من ذلك بكثير في إتجاهات مختلفة إلى بورتسودان والأبيض ودنقلا. فما كان من النظام إلا أن عمل بنهجه المعروف عنه فأطلق يده بطشاً وقتلاً وإرتقت أرواح الشهداء وإزداد عدد المصابين في فترة وجيزة، كل هذا والعاصمة تتلهف لالتقاط الجمرة المستعرة.

    تجمع المهنين السودانيين لم يكن وليداً حديثاً كان جسماً متخلقاً بتمام الهيبة، وكانت جذوة الأحداث في ديسمبر تصادف حراكاً مطلبياً متصاعداً في السنوات الأخيرة بقيادة عدد من الفئات أبرزها وأقربها حضوراً في الأذهان حراك الأطباء بقيادة اللجنة المركزية لأطباء السودان في نهاية عام ألفين وستة عشر، ربما نفُرِد له مساحة توثيقية أخرى، ولكن الحديث هاهنا يقودنا للقول بأن تجمع المهنيين والذي ينضوي تحت لوائه عدد من المجموعات الفئوية المطلبية كان في حراكه المتأنى يتحدث عن مطالب فئة من المجتمع وكانت الدعوة لتسليم مذكرة لتحسين الأجور للبرلمان بتاريخ الخامس والعشرين من ديسمبر، ولكن للتاريخ حديث مختلف فعندما إلتقى إنتظام المهنيين بجذوة الثورة المنبعثة كان للقدر مشيئته أن تجد الثورة الوليدة يد تلتقطها، تلك اليد التي إفتقدتها هبة سبتمبر ألفين وثلاثة عشر. إرتقى المهنيون في الخرطوم للنداء الشعبي المتقد، وتغير مسار موكب الخامس والعشرين من البرلمان إلى القصر الجمهوري، وإرتفع السقف من رفع المرتبات إلى تنحي الرئيس عمر البشير ونظامه وتحدد الخط السلمي كموجه عام لكل فعاليات الحراك، وكان ذلك محوراً رئيسياً ونقطة إرتكاز للإنطلاق. جاء الخامس والعشرون وكان الموكب بقوة النداء فتخلق التحول الفعلي، وكان ميلاد القيادة الشرعية للشارع ضد النظام الاستبدادي المتمترس في العاصمة.

    في ليلة الأول من يناير الفين وتسعة عشر ظهر بيان مصور لتجمع المهنيين، قام فيه الطبيب الشاب دكتور محمد ناجي الأصم بتلاوة بيان مخاطباً الشعب السوداني ومعلناً عن ميثاق الحرية والتغير. أعطى ظهور الأصم في تلك الليلة حماساً دفاقاً، كان تأكيداً لأشواق هذا الشعب لوجوه جديدة ولقيادات شابة وواعدة. ورغم أن الأصم المعتقل حتى تاريخ كتابة هذا المقال كان يعلم أنه ربما يتم إعتقاله إلا أنه قام بالدور التاريخي الأكثر تميزاً في تاريخ ثورة ديسمبر فقد أعطى القيادة الملامح وحولها من صفة الكلام إلى صفة الوجوه وهي درجة إنتقال إلى الملموس مطلوبة في أيما قيادة تود أن تنفخ في جسدها الروح.

    تلقى الشارع بيانات المهنيين وإنطلق بقوة في تحقيق مكاسب على أرض الشارع، فكانت السلمية، تآكل شرعية النظام، نشر الوعي الثوري، تحول شعارات الثورة لمناخ مجتمعي. فكانت الخطوات الأولي ثابته وراسخة ومقدامه أخرجتنا من شرك رد الفعل ماجعل النظام يتقهقر إلى مناطق الدفاع، فنرى ذلك جلياً في إنعكاس شعار الثورة السودانية الأشهر “تسقط بس” لما حوله النظام ل “تقعد بس” فكان ذلك دليلاً واضحاً أن النظام الآن لاعب في دائرة الدفاع.

    ورغم التعاطي العنيف بالهراوات والغاز المسيل للدموع واقتناص المتظاهرين بالرصاص الحي، إستمرت المواكب والوقفات الإحتجاجية والإعتصامات متناقله بين العاصمة والولايات في إنسجام وإرتسام أقرب لتخطيط نشاط القلب يعلو بحدة في بعض موجاته الكهربية، ويهبط في أخريات معلناً بذلك تدافع ضرباته وإنتظامها وتلك علامة حياة. وهذا ما نراه اليوم في ساحة الشارع السوداني، بعد مضي زهاء الشهرين ونصف على إنطلاقة الثورة إنها متسقة ومنتظمة ونامية ومنتصرة وذلك الوعد الذي يخشاه النظام. هي لحظة لا نعلم ميقاتها ولكنها كائنة لامحالة؛ لأن الإيمان بها أقوى من أي تصور.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .