الرئيسية / احدث التدوينات / الحرية أولاً

الحرية أولاً

بقلم: إبراهيم الروسي

     قبل أكثر من عشرة أعوام مضت، بينما كنتُ أقرأ وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تم صياغته واعتمدته الأمم المتحدة منذ 10 ديسمبر 1948، استوقفتني أول فقرة في الديباجة، تقول: “لما كان الإعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم” تشكل سؤال في ذهني، تسألتُ: لماذا قدم الذين صاغوا الإعلان الحرية على العدل والسلام؟ ذات السؤال نبت في رأسي مرة أخرى، عندما إندلعت ثورة 19 ديسمبر المجيدة، وشق أصوات الجماهير سماء مدن السودان المنتفضة والرافضة لما هو ماثل في السودان من الظلم والقهر والفساد وغياب الرؤية، ومعلنة عن فجر خلاص جديد. كان هتاف الثورة الأول هو “حرية.. سلام.. عدالة.. الثورة خير الشعب”. وذات الهتاف كنتُ قد سمعته يتردد في أرجاع شارع المين، حينما كنتُ حديث العهد في جامعة الخرطوم، قبل إنفصال جنوب السودان، والشعار مأخوذ من قصيدة لشاعر القضية محمد حسن سالم حميد (حرية.. سلام.. عدالة.. الوحدة خيار الشعب)، وبعد إنفصال الجنوب إستبدلت الجماهير كلمة الوحدة بالثورة، ليصير هذا الشعار أول ما يهتف به في أية مظاهرة. إذاً السؤال:

لماذا الحرية أولاً، قبل العدل والسلام؟

     “يولد جميع الناس أحراراً ومتساويين في الكرامة والحقوق…” المادة 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. في ذات الصياغ قال عمر بن الخطاب: “كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟” إذاً الحرية أولى الصفات التي يكتسبها الإنسان منذ لحظة الميلاد، وأول حق من حقوق الإنسان التي يجب صيانتها، فالإنسان ولد حراً وعليه أن يعيش حراً، ومن واجب السلطة الحاكمة أن تمكنه من ممارسة هذا الحق دون إنتقاص. والحرية بمفهومها العام هي: إمكانية الفرد دون جبر أو شرط أو قيد خارجي على إتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانيات موجودة. بمعنى أخر أن يكون الإنسان غير خاضع لقهر أوقيد أو غلبة ويتصرف وفق إرادته. وإن نقيض الحرية، العبودية. إذاً بهذا المفهوم يبقى كل شيء معتل عندما تكون إرادة الإنسان غائبة، لذا تم تقديم الحرية على القيم الإنسانية الأخرى، بدون حرية لا سلام، لا عدل. والحرية عند أرسطو ترتبط بشكل وثيق بالديمقراطية. وبدون ديمقراطية لا يمكن إقامة سلام، وتسامح وتقبل. وحياة بلا حرية، حياة ناقصة ولا تطاق، لذا الشعوب الحرة لا تقايض حريتها بشيء أخر، والشعوب التواقة للحرية هي الحية، ومستعدة أن تفدي بأرواحها وتسيل دمائها من أجل الوصول إلى الحرية. وحينما تتوق الشعوب إلى الحرية، تصير لديها إرادة لا تقهر، تواجه الرصاص بصدور عارية، يتحول هتافها إلى زائير مخيف، وحناجرها إلى أسلحة فتاكة تستسلم أمامها أية قوة، مهما تجبرت.

     إن المتأمل في تاريخ البشرية، يجد بأن شعوب كثيرة قدمت أرتالاً من الشهداء من أجل أن تحيا حرة مستقلة، يذكرنا التاريخ بأعظم ثورة في القرن العشرين – الثورة الجزائرية – التي قدمت أكبرت مهر من أجل الحرية والإستقلال، فقدمت مليون ونصف المليون شهيد، وهزمت أعتى القوى الغاشمة في ذلك الوقت – فرنسا – حتى قال عنها نيكروما: “إذا أردت معرفة وجهة المسلمين، عليك أن تتجه إلى مكة، وإذا أردت معرفة مقصد المسيحية فأستقبل الفاتيكان في روما، لكن إذا أردت أن تعرف مقصد الثوار والشهداء، فأنحني بإكبار وإجلال بالإتجاه إلى الجزائر.” ودفع نيلسون مانديلا الذي قال: “الحرية لا تعطى على الجرعات، فالمرء إما أن يكون حراً أو لا يكون حراً.” 27 عاماً من عمره ثمناً من أجل الحرية، ولم يتراجع عن قضيته، ولم يخرج من السجن إلا بعد أن إنتزع حريته كاملة.

    ولما كانت الحرية أسمى قيمة إنسانية، يتغنى بها الجميع، وتكون حاضرة دائماً في ذاكرة الشعوب، وتحاول تجسيدها في حياتها، لذا تجد كلمة الحرية مقترنة بأشياء كثيرة، كالصحافة والميادين والطرق… الخ، كثيراً ما نسمع بصحيفة الحرية، تمثال الحرية، شارع الحرية، ميدان الحرية أو التحرير.

لماذا يخشى الحاكم المستبد الحرية؟

يقول فكتور هوغو: “تبدأ الحرية حيث ينتهي الجهل.” إن الأنظمة المستبدة تراهن على الجهل لإستمراريتها في السلطة، وتوظف كل الأدوات من وسائل الإعلام ورجال الدين وما إلى ذلك، لتغبش وعي الجماهير وتحويل الحاكم إلى صنم يعبد، والحرية فضاءه العقل وحينما تشرق شمس الحرية، تقوم الجماهير بتحطيم الأصنام، وأن أول خطوة نحو الحرية، التخلص من الطغاة المستبدين، وبهذا المفهوم، إن المنادة بالحرية يرعب الجلاد، يجعله يخرج كتائب ظله لتصدي والتنكيل بكل من يهتف بالحرية.

العودة إلى البدء:

    الحرية هي مدخل لحياة أجمل يتساوى فيها الناس جميعاً، ولأن الحرية فضاءه العقل، فغيابها يعيق العقل والتفكير الحر، وبدون تفكير الحر يصير العالم بائساً وكئيباً، تتحول الحياة إلى عبء كبير، يصبح الإنسان مجرد تابعاً وزمبياً. حينما تختفي الحرية، يسود الذل، القهر، والخنوع. ويتدنى كل شيء، الإبداع، الذوق الفني، يصبح الفن رخيصاً ومبتذلاً، خالياً من أي حس جمالي، يتحول إلى مجرد كوميديا مبتذلة، ونكات تثير الإختلاف، تخرجُ الجامعات شباب مشوهين يهتمون بالمظهر لا الجوهر، وتغيب الصحافة المسئولة التي تنحاز لإرادة الشعب، وتعرى أباطيل السلطة الحاكمة.

يقول أحمد مطر:

الحرية:

ليست نصباً تذكارياً يُغسل في الذكرى المئوية

الحرية لا تستجدى من سوق النقد الدولية

الحرية لا تمنحها هيئات البر الخيرية

الحرية نبت ينمو بدماء حرى وزكية

الحرية تنزع نزعاً، تؤخذ قسراً

تبنى صرحاً، يعلو بسهام ورجال عشقوا الحرية.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة