الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: الزحف في اتجاه المذبحة

ترجمات خاصة: الزحف في اتجاه المذبحة

بقلم: نيكولاس كريستوف

ترجمة: سوزان عواد

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

“إن شعب السودان بحاجة إلى مساعدة العالم لحمايتهم من رئيسهم الذي يمكن أن أصفه بسفاح الإبادات الجماعية.”

    في الجانب الآخر من العالم، يتقدم حشود من المتظاهرين الشجعان في الشوارع. صارخين “سلمية، سلمية” على الرغم من أن قوات الأمن تستهدفهم بالذخيرة الحية. إنهم يخاطرون بحيواتهم للمحاولة لإسقاط حاكم، يبيد الشعب. ولكن الرئيس ترامب ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، والعديد من قادة العالم يتجاهلون هؤلاء المتظاهرين الشجعان مما يزيد من مجازفة تعرضهم للذبح.

    هذه المظاهرات في السودان بدأت في الظهور ضد نظام الرئيس عمر البشير، المطلوب في محكمة الجرائم الدولية لارتكابه إبادات جماعية. وعلى الرغم من أن خلال هذا القرن قام رؤساء آخرين بإبادات جماعية كثيرة، ولكن عمر البشير يختلف عنهم حسب ما أحصيت بأنه قام بثلاث إبادات مختلفة: في جنوب السودان، في جبال النوبة، وفي دارفور. إنه ليس مجرد قاتل متسلسل، إنه سفاح الإبادات الجماعية.

    منذ شهر تقريباً بدأ الشعب السوداني في الخروج من منازلهم ومكاتبهم ومن كل مكان في السودان لينضموا إلى “الربيع السوداني”. وقد مات أربعون أو أكثر علي يد قوات الأمن، بينما أحتجز المئات وغالباً ما يتم تعذيبهم. وكما ذكرت التقارير، أخذت الشرطة المتظاهرون المصابون من على فراشهم في المستشفيات، ومعهم المحامون والأطباء وبالأخص الصحفيين.

    وقد تم التخطيط لمسيرة كبيرة في الخرطوم ليوم الخميس القادم، ومعها في نفس الوقت مسيرات أخرى في أكثر من مدينة  بالسودان، وهناك قلق متزايد من البشير الذي سيقرر أن الطريقة الوحيدة للبقاء في الحكم ستكون بمثابة مذبحة رهيبة، وحماماً للدم.

    وماذا تفعل الولايات المتحدة بينما يخاطر هؤلاء المتظاهرون بحياتهم؟ لا شيء. فترامب لم يقوم بأي بيان بعد. ولا يزال بومبيو لم يقول كلمته.

    “إن هذا محبط للغاية”، قالها لي، عمر إسماعيل، وهو سوداني يعمل بمشروع كفاية، الذي يحارب الأعمال الوحشية. “يجب على ترامب وبومبيو أن يدينا ما يحدث بأقوى العبارات، وأن يطلبا من البشير أن يصل إلى حل سلمي في السودان.”

    “إننا بحاجة إلى صوت أمريكا، لأنها قائد العالم الحر، سواءاً أردنا هذا أم لا.” أضاف إسماعيل.

    الولايات المتحدة قد شاركت بريطانيا وكندا والنرويج في تصريحاتهم للبشير بضرورة إطلاق سراح المعتقلين، والاعتراف بحقوق التجمهرات السلمية. ولكن يجب أن يكون هناك إنذار أكثر صرامة من هذا لقوات الأمن بأنهم يعتبروا مسؤولين بشكل شخصي عن أي اعمال وحشية.

    وقد سألت مداوي إبراهيم، صديق سوداني قديم، قاد من قبل مجموعة لتقديم الإعانات السودانية، وتم اعتقاله في الماضي، عما يمكن أن تفعله أمريكا لمساعدة السودان، وأجاب: “ضع الحكومة تحت الضغط لتوقف المواجهات العنيفة مع المتظاهرين، أطلق سراح كل المحتجزين، إسمح للشعب السوداني أن يمارس حقوقه الدستورية.”

    أنا غطيت كل المذابح والإبادات التي قام بها البشير، على مدار فترة حكمه منذ عام 1989، ولا يمكنني أبداً نسيان ما رأيته. فتاة في الثانية من عمرها اسمها “زهرة” ضربت حتى الموت في دارفور.  شاب في السابعة والعشرون من عمره اسمه “عبد الله”، اقتلعت عيناه بالحربة. ستة أطفال في النوبة احترقوا حتى الموت في حفرة ما.  فتاة في السابعة عشر اسمها “هوا” شدها رجال الشرطة بعيداً بعدما اقتحموا العيادة التي كانت تطلب فيها المساعدة من أطباء فرنسين بعدما تم اغتصابها بقسوة.

     إن البشير ومن معه لا يعرفون الرحمة، لهذا إنه لمن الضروري على ترامب والقادة الآخرون أن ينذروا قوات الأمن إنذاراً واضحاً بألا يذبحوا المتظاهرين. ويمكننا أيضاً أن ننشط الإستخبارات الموجودة بالسودان لنعلمهم أن العالم يشاهدهم.

     إن المتظاهرون ليسوا فقط غاضبين من قسوة البشير، ولكن من عدم كفاءته وفساده أيضاً، الذي أدى إلى ترك الاقتصاد حتى يصل إلى حالة كارثية (إلى حد ما بسبب سياسات البشير التي أدت إلى انفصال جنوب السودان). تحولت البلد التي كانت سلة الخبز للمنطقة كلها إلى بلد مستورد للأغذية الأساسية.

     يعرف المتظاهرون جيداً أن الربيع العربي في بعض البلاد أدى إلى كوارث مثل سوريا وليبيا، ويقلقون من أن تتمزق البلاد أو من مخاطرة أن تصبح السودان دولة منهارة.

    ولكن مع هذا يمتلك السودان العديد من مواضع القوة، من ضمنهم، مجتمع قوى متحضر ومتعلم فاض به الكيل من المذاهب الاستبدادية ويتوق إلى الحرية. ففي تغطيتي لأخبار السودان منذ أول رحلة أخبارية لي كطالب عربي في 1984 لاحقتني الأعمال الشنيعة التي رأيتها – ولكنني أيضاً ألهمتني القوة الدفينة بداخل الكثير من الناس العاديين.

    ففي مرة من المرات صادفت زوجان طاعنان في السن بدارفور، في قرية هاجمتها ميلشيات الجانجويد الخاصة ببشير. الزوج سامح يحيى لم يهرب، لأنه لم يقدر أن يترك زوجته القعيدة، حليمة. فأخذه أفراد المليشيا ورموه أرضاً، وجمعوا بعض العشب ووضعوه على ظهره ضاحكين وأشعلوا فيه النار. فرمت حليمة نفسها على النار محاولة إطفائها بجسدها. أصيب الإثنان بحروق بالغة، ولكنهما لم يموتا.

   اليوم، السودانيين الشجعان الذين يتظاهرون بأرجاء السودان يجدون أنفسهم في نار أكبر. ويتسولون إلينا أن نتحدث على الأقل.

    سيدي الرئيس، وسيدي الوزير بومبيو، هلا تكرمتم بفعل شيء؟

عن سوزان عواد

mm
مترجمة من مصر