الرئيسية / احدث التدوينات / الكومباوند (3)

الكومباوند (3)

بقلم: محمد شطا

     القناعة؛ إنها الطريقة التي انتهجها أغلبهم في حياته، فهم دائماً مقتنعين بما يمتلكون من حقوق، ولم تحدثهم أنفسهم أبداً بالتطلع إلى بهرجة الحياة. وهذه بالتحديد كانت المشكلة التي واجهت أصحاب الأراضي المديدة الواسعة، فرغم امتلاكهم لكل تلك الأراضي المترامية الأطراف إلا أنهم لا يستطيعون الاستفادة منها، ومن ثم كانت الحاجة لإجتماع عاجل مع السيد، حتى يجد لهم حل في تلك المشكلة، وبعد عدة مناقشات ساخنة اكتملت الرؤية لدى السيد وعليه بدأ السيد في شرح خطته التي يظن أنها ستنجح.

     في بداية الأمر أوضح السيد أنه بعد أن بحث طويلاً عن سبب عدم رغبة عامة الشعب، الفقير منهم أو حتى الغني، في تملك تلك الأراضي اكتشف أن أغلبهم بكل بساطة لا يهدف إلى الحياة الرغيدة، فقط يكتفون بحقوقهم الأساسية، وهنا كانت الاستراتيجية التي لابد أن يتبعها السيد ورجاله حتى يحققوا هدفهم.

     – علينا حرمانهم من حقوقهم الأساسية لمدة زمنية طويلة، تجعلهم ينسون أنها في الأصل كانت حقوقهم، ومن ثم نمنحها لهم على هيئة مزايا لن يستطيعوا رفضها.

     – وكيف سنفعل ذلك يا سيدي؟

    – لا تسألوا كثيراً، فقط سيروا على الخطوط التي سأرسمها لكم.

     كان السيد يعلم بأنه لم يكن أمراً صعب على الإطلاق، فكل ما توجب عليه فعله هو استخدام ما يمتلك من نفوذ في ترشيح مسئول ضعيف لا يستطيع الحفاظ على النظام. كان السيد يعلم بأنه لا يجب أن يكون المسئول خائناً أو مرتشياً حتى تسوء الأمور، يكفي فقط أن يكون ضعيفاً وغير جدير بمنصبه، وهذا بالضبط ما فعله، فقد سخر نفوذه لإيصال ذلك المسؤول الضعيف إلى المنصب المنشود، وبالفعل كان ذلك المسؤول ضعيفاً بالقدر الذي كان يطمح له السيد، فقد كان ضعيفاً لدرجة أنه لم يستطع أن يوفر حلول سريعة تعالج أزمة التكدس السكاني والازدحام المروري، بل إنه حتى كان أضعف من أن يجبر شركات النظافة على القيام بعملها، لتعم الفوضى ويستاء الجميع. وبعد مرور بضع سنوات استمر فيها الوضع في التردي، وبتغير الجيل الموجود بدأت خطة السيد تتضح، فالجيل الموجود الآن قد اعتاد على الازدحام وانتشار القمامة، وثبت في ذهنه أن هذا هو الوضع الطبيعي، وأن البراح والنظافة هي كماليات للحياة، وليست أمور يحق لهم المطالبة بها، على الأقل بدون دفع مقابل مادي، وبعد أن تأكد السيد من ترسخ تلك الفكرة في أذهان الجيل الجديد كان اجتماعه مع أعوانه. اجتماعه الذي ربما تأخر عقد أو اثنين.

     عندما اجتمع السيد مع أقرانه من السادة الصغار كانت صحته غاية في السوء، لربما لن يستطيع أن يكمل حتى يرى نتيجة خطته، ولكن يكفيه فرحة الانتصار التي تظهر في ارتفاع الأرقام التي تدل على انتشار الفوضى، وبينما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة على سريره الفخم أخبرهم بأنه قد حان الوقت لبناء منازل منظمة في تلك الأراضي البعيدة، ومن ثم الاعلان عن بيعها في جميع وسائل الإعلام المتاحة.

     – ولكن يا سيدي، ما هي المميزات التي سنذكرها في الاعلانات حتى يقتنع الناس بشراء تلك المنازل؟

     – الهدوء .. البراح .. النظافة .. الأمان.

     – ولكن ألا ترى يا سيدي أنه من الصعب أن نقنع أحدهم بشراء تلك المنازل باستخدام تلك المميزات والتي هي أبسط حقوق الحياة؟!

      في تلك اللحظة نظر لهم السيد بابتسامة متعالية متسائلاً:

      – وما الذي أدراهم أنها حقوقهم؟

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة