الرئيسية / احدث التدوينات / بريد القراء: تنهيدة النهاية

بريد القراء: تنهيدة النهاية

بقلم: تبيان عبد المطلب

أما بعد،

الحماقة الكبرى أنّني لم أمارس يوماً مَا (الانطباعية الاولى)، تنقبض عضلة قَلْبِي وتنبسط دون أن أودع رأيها اهتماماً تجاه شخصٍ مَا أو فعلٍ مَا، لذلك فوّت عَلَى نفسي الكثير الكثير من النظرات الاولى، البهجة الأولى، والحُزْنُ الأول… إلخ.

دايماً مَا أجد نفسي في خضم كسرٍ كبير، فرحٍ غامر، نفحةٍ تملأ المَكَان، كتاباتٍ كثيرة، حُبٍّ عنيف، جرحٍ غارق في الأعماق؛ لا أكاد أجد رأس الخيط للبداية التي حاكت حولي كل هذا دون أَنْ أشعُر.

في خضم كل هذه (العشوائية المتقنة)، هناك مشيئة مَا تحركنا للوصول، تمنع دوننا الرؤية لحين زوال الضباب، في الوقت الأنسب.

عاماً تلو عام ظلت روحي تأخذ طابعاً مختلفاً، يتلون حيناً ويرتدي الأسود حيناً، دون أَنْ تلفت انتباه أحد، كان هذا (الحبر) هو الخائن الأوحد وسط كل الأمتعة التي امتلكتها، يمتلئ بالحكايات، أغفل عنه قليلاً، ثم يرقص منتشياً بين الأسطر كأنما لا شيء به سوى انجرافه للهاوية التي لربما كانت مسقط الرأس والإنطباعة الأولى لهذا الطريق الطويل.

اليوم فقط بإمكاني أَنْ أقصّ بعض الحكايا بوعيّ الكامل؛ أَنْ أكتب منذ ميلاد تلك القصة عندما لم آبه للانطباع الأول – كالعادة -، أكتب اليوم وقَلْبِي في منتصف (المعركة) ضد الخوف من أن أستدير بظهري لذاك الطريق، محملّة إياه بالكثير الكثير من الدعوات لأظفر بها. كل أسباب الغياب التي قدمتها لم يكن لها معنى من قبل، مَا كان ذنبه أَنْ أودعت قَلْبِي عنده ذات نهار طالبة الملجأ لحين هدوء العاصفة، آملةً في فجر خلاص من كل هذا المتاع الذي مَا بَاتَ ظهري يستقيم به، لم يكن مطالباً بأن يمنحني الأمان والاحتواء إلى حين، أَنْ يتكبد عناء السكوت عن ال -لا- تلك التي لمحتها عند أول انطباع دون أن أعيرها بالاً، مَا كان بيد أحد مِنَّا أَنْ يكابر ويعاند ويوارب – الأبواب – خيفة الفُرَاق الأبدي، كان لابد لها أَنْ توصد إلى الأبد في وجه (الفكرة )؛ ربما لكان قراراً أكثر صواباً من أَنْ نعود لنعيد اغلاقها كل حين في (أوجه بعضنا) بتلك القوة والحزم  وبذاك الألم فلربما كان حِينها هذا الغرام قدري وَحدي، فقلبي هو من يشتاق، من يئن، من لا يتعظ، من يعطي مئة عذر بعد الألف (الغير مقنعة)، ليتصادم مع الواقع بأيادٍ خالية حتى من الأسلحة البيضاء البسيطة كالقلم والورقة. ربما لو أهديتني (تمنعّك) قبل الآن لإلتففت حول عنق الحُبِّ وكسرتها دون رحمة، لآثرت صُحبتك دونما الشعور المستحدث بالانتماء – الذي لم يكمل الشهرين.

الحُبِّ الثاني موجع يَا هذا، قاتم وضائع، غريق يتقن السباحة، كتاباتي تضيق الخناق بخافقي وتمنحه الهواء حيناً آخر، لابد له أن يعبُر هذا المضيق الخالي من النوّر بعد أَنْ أمضى سنوات في البراح الشاسع المضيء. هذا الصمت الذي يسكننا ربما هو تنهيدة النهاية، والسطر قبل الأخير، أوَتدري؟! ذاتي حقاً تُحبّك، ليس ضعفاً وتمنعاً، بل قوة وجبروتاً. من له كل ذَاكَ الوساع بصدره ليحتوي حبّاً مقداره مثل مَا أكنّه إليك؟ مَن في وسعه أَنْ يخبرك وهو معابٌ بكل شيء ويجد كماله في أُنسِك معه عندما تخبره: “مشكلتك العظمى لسانك الطويل هذا؟!”  فتجتاح لياليه فرحة غامرة، وأنا على وعدي الذي قطعته بأن أنساك، أعتمر “قبعة ما بعد الحادية عشر منتصف الليل “أقرأ فيها رسائلك التي لم تكف تنهال عَلَيّ كالمطر في أول فصوله، عَطِشة روحي ونهمة على كل تفصيلة كانت تجمعني بك، على كل نقطة كان يعقبها سفر لمكان بعيد، وعلى كل تلك الأسرار الصغيرة بيننا، التي أُدونّها في الملحوظات.

في الحُبِّ القادم، لن آتي باكراً، لن أنزل سقف المحبّة عند أول وحيّ يعقب ابتسامته، ولن أكلل هدوءه المفرط وتعلقّه بأمرِ كهذا! سأؤمن مجدداً بالطبيعة، وبالطبع الذي يغلب التطبّع، سآوي إليّ حُبٍ رشيد، يأخذني (عملاقة) لست مكسورة من حُبٍ طرفه كان عائماً عرض البحر، ما فتئتُ أشده بقوة وهو ليس مثبتاً بِشَيءٍ “فأقع مجدداً لأفقد سنّي اللبنية” دون أن أودعها الشمس، ولا هشّة تداعب خدها عبراتٍ دافئة عند كل حفنة شوق من أرض ذَاكَ الوطن، سأقاوم تلك النشوة، سأعذّب روحي قبلاً ولن أؤجلها لحين تثور عواطفي قسراً، لن أمتطي حصان (التخلّي) وأنا التي لم تعلمني أُمِّي ركوب الخيل بعد أَنْ غرست حُبّ الفراسة داخِلي دون عناء.

سأودّعني عند أول محطة وسأهرب مجدداً مِنِّي، ومن سحنتك التي لن تفارقني في (ثوب الحُبّ الجديد)، سأعلقه على الجدار لأنظر إليه بلهفة عجوز خرِفة مُقْعده، تبادر ذهنها كل ليلةٍ فكرة الرقص على مسرحٍ كبير، وقَلْبِها يرتعش من الداخل، كعصفورٍ صغيّر.

ثم أما قبل كل هذا الحُبِّ العفيف، وقبل حماقتي الكبرى بأن أخطّه علناً، لك المحبّة والسلام.

نقطة. نقطة أخرى..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة