الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة:الشاعر تيد هيوز: رسالة إلى الابن.

ترجمات خاصة:الشاعر تيد هيوز: رسالة إلى الابن.

 

 (تيد هيوز وزوجته سيلفيا بلاث وأبنهما نيكولاس)

 

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

“المعيار الوحيد الذي يمثل أهمية هو مقدار ما يستثمره الناس من قلوبهم، ومقدار تجاهلهم لمخاوفهم من شعور الأذى أو التشوية أو الإذلال.”

“الشبه بين الفنان والطفل هو أن كلاهما يعيشان في عالم صنعاه بأنفسهما”، هذا ما كتبته “أناييس نن” في يومياتها في عام 1945.” وبعد مرور أربعة عقود و23 عامًا على انتحار الشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث في سن الثلاثين، كتب الشاعر الإنجليزي تيد هيوز (17 أغسطس 1930 – 28 أكتوبر 1998)رسالة لابنهما نيكولاس البالغ من العمر الرابعة والعشرين، الرسالة الموجودة في كتاب خطابات تيد هيوز رسالة رائعة بجملتها وتستحق أن تُضاف إلى أفضل نصائح الآباء في التاريخ، بتلك الفقرة التي تتحدث عن ذلك الضعف الجميل للطفل في داخنا،واشتياقه لأن يظهر ويُسمع ويتحرر،إذ تُعد تعبيرًا رائعًا بمعنى الكملة عن حالة البشرية، فلا تدع طول الرسالة وثرائها يردعك عن فهمها، فبمجرد أن تفهمها سترتوي كل ذرة وخلية من روحك:

“عندما أتيت إلى بحيرة فيكتوريا كان من الواضح لي تمامًا أنك أكثر نضجًا مني بكثير في أكثر الجوانب أهمية . . لكنك في الكثير من الجوانب الأخرى لا تزال طفلاً: فكيف لا تكون كذلك، أنت وحدك من بين كل البشرية؟ إن الناس لا يناقشون ذلك، لأن معظمهم لا يدركونه إلا بوصفه أزمةً عامة من الشعور بعدم الكفاءة، أو الاتكالية اليائسة، أو الوحدة التي لا هدف لها، أو الإحساس بعدم وجود أنا قوية بما يكفي للتغلب على العواصف الداخلية التي تأتي من زوايا غير متوقعة وإحكام السيطرة على تلك العواصف. لكن لا يدرك الكثير من الناس أنها في الحقيقة معاناة الطفل بداخلهم، فالجميع يحاولون حماية ذلك الطفل الصغير الضعيف ذو العامين أو الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أو الثمانية أعوام بداخلهم، ويحاولون اكتساب مهارات وكفاءات تمكنهم من التعامل مع المواقف التي تهدد بقهر ذلك الطفل، ولهذا يحاول الجميع حماية أنفسهم بدرعٍ من الذات الثانوية، إنها الذات الاصطناعية التي تتعامل مع العالم الخارجي والظروف الصعبة، وعندما نقابل الناس فهذه هي الذات التي نقابلها، وإذا كانت تلك الذات هي الجانب الوحيد منهم الذي نقابله فمن المحتمل أن نواجه صعوبة وألا “نتواصل” في النهاية. ولكن عندما يصبح لديك إحساس قوي متعمق بالطفل خلف ذلك الدرع، فتتعامل وتتفاوض فقط مع ذلك الطفل، فستجد أن الجميع أصبحوا بطريقة ما مثل طفلك.

 إنه شيء غير ملموس، لكنهم أيضًا يشعرون بذلك عندما تحاول مناشدة ذلك الطفل فيهم، ويستجيبون بنبضة من الحياة الواقعية، فتحصل حينها على لمحة بسيطة من جوهر الشخص، ألا وهو الطفل داخله. وعادةً ما يكون ذلك الطفل صغيرًا، وغير مكتمل، ومنعزلاً وبائسًا، فهو في حماية ذلك الدرع الكفؤ، فهو لم يشارك مطلقًا في الحياة، و لم يتعرض مطلقًا للحياة، وإدارة شؤون الإنسان، وهو أيضاً لم يحمل مطلقًا مسئولية تحمل وطأة الحياة، ولم يعش الحياة كما يجب أن تعاش مطلقًا، وهذا هو حاله ذلك الطفل في الجميع تقريبًا.

فهذا المخلوق الصغير يجلس هناك، خلف الدرع، يحدق من خلف الفتحات والشقوق، وهو لا يزال في ذاته غير محمي، وعاجز، وتنقصه الخبرة. فكل شخص عرضة للهزيمة غير المتوقعة في تلك الذات الانفعالية العميقة، ففي كل لحظة خلف ذلك المظهر الخارجي الذي لا مثيل لكفاءته، ويختفي وراءه البالغون نجد أن عالم الطفولة بأجمعه يبدو مثل كوبٍ ممتلئة وفائضه عن آخرها بالماء. والحقيقة هي أن ذلك الطفل هو الشيء الحقيقي الوحيد بداخلهم، إنه يمثل آدميتهم، وفرادتهم الحقيقية، إنه الشخص الذي لا يمكن أن نفهم لماذا جاء إلى الحياة، والذي يعرف أن عليه أن يموت وأن يكون هادئًا بمفرده مهما كان ازدحام المكان الذي هو فيه. هذا هو موضع جميع صفات الحياة، إنه مركز كل سحرٍ وإلهامٍ محتملٍ، فكل مما لا يأتي من هذا المخلوق لا يستحق أن نقتنيه، أو أنه يستحق أن نقتنيه بوصفة أداةً فقط حتى يستخدمها ذلك المخلوق وينتفع بها ويجعل لها معنًا، وهذا هو حاله، وهكذا هو دومًا يشعر بنفسه في ذلك الكائن الصغير في قلبه.

ولكن تلك الذات الثانوية والمصطنعة التي تحكمت في الحياة من سن الثامنة تقريبًا نافيةً الذات الحقيقية، الضعيفة، و شديدة الحساسية التي تعاني إلى حضانتها، فهي ذات ينقصها التدريب: ذلك السجين الداخلي، وهكذا عندما تفاجئه الحياة وتصبح عندها الذات المصطنعة الاعتيادية غير ذي جدوى على حين غرة،وتفشل في صد غزو قلة الخبرة، حيث تجد الذات الداخلية نفسها في خط المواجهة، ودون استعداد بجميع مخاوف الطفولة التي تحيط بها. ولكن هذه هي اللحظة التي تريدها، فهنا تصبح حيّة، حتى وإن هُزمت وتحيرت وأُذيت، فهي هنا تستدعي مواردها، إنها لا تستدعي المساعدات الزائفة المنتقاة من الخارج ولكن الموارد الداخلية الحقيقية: حيث القدرة البيولوجية الحقيقية للتكيف، والاستفادة من الأشياء، والاستمتاع بها، وهذه هي المفارقة:

 فاللحظة الوحيدة التي يشعر فيها معظم الناس أنهم أحياء هي لحظة المعاناة، عندما تُسحق دروعهم المتينة والمعتادة التي ظلوا يرتدونها،ليخرج عندها ذلك الطفل العاري والأعزل نحو العالم، فأسوء أنواع المعاناة هو أفضل ما نتذكره، ولكن عندما يُدفن ذلك الطفل تحت قوقعة التكيف والحماية فإنه يصبح أحد الأموات الأحياء، يصبح وحشًا، فعندما تدرك بعد مرور عدة أسابيع أنك لم تشعر بذلك الصراع المروّع في ذاتك الطفولية التي تصارع للنهوض من عجزها ونقصها، فأعرف أن عدة أسابيع مضت ولم تقابل تحديًا جديدًا،ولم تنضج وأنك قضيت عدة أسابيع في طريق فقد الاتصال بذاتك. فالمعيار الوحيد الذي يمثل أهمية هو مقدار ما يستثمره الناس من قلوبهم، ومقدار تجاهلهم لمخاوفهم من الأذى أو التشويه أو الإذلال. فالشيء الوحيد الذي نندم عليه هو عدم عيشنا بجرأة كافية في الحياة، وعدم استثمار ما يكفي من القلب، وعدم الحب بالقدر الكافي، فلا شيء آخر عدا ذلك يهم على الأطلاق”.

 

 

 

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن