الرئيسية / العدد الثالث والسبعون / ترجمات خاصة:قصة الشيطان

ترجمات خاصة:قصة الشيطان

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

على مر الزمن ،عرف الشيطان بأسماء وألقاب عدة : إبليس….أمير      الظلام….بعلزبول…..لوسيفر….، وغيرها طائفة طويلة من الأسماء اشتهر بها ذلك الكيان بين البشر ، عبر الأزمنة وعلى اختلاف الحضارات.

ولكن ، بالإضافة إلى تلك الأسماء ، ماالذي يعرفه البشر حقا عن الشيطان؟  وكيف نشأت قصته؟

تسرد الكتب المقدسة للعديد من الأديان القديمة ، الصراع بين الخير والشر ؛ فعلى سبيل المثال ، يقول عالم النفس والحاخام ” أبنر  ويس” أنه وفقا للديانة الزرادشتية – إحدى أقدم الأديان في العالم – فإن الكيان الأسمى ” أورمازد” قد خلق روحين توأمين : الروح الفوضوية المدمرة ” أهريمان ” /  ” آنجرو  مينيوش” ، والروح الأخرى الخيرة الرحيمة ” آسبينتا  مينيوش” ، وهو ما يوضح كيف أن العقلية التي سادت العالم القديم قد أقامت نوعا من } التعايش} بين الخير والشر ، وأن الوجدان الجمعي للبشر في الأزمنة الغابرة قد افترض أن هناك نوعا من القوى العلوية ” الشيطانية” هي المسؤولة عن الشرور في العالم ، وهو  الإفتراض الذي جاء بمثابة نتيجة حتمية للإيمان الراسخ لدى البشر في تلك الأزمنة بأن الإله خير مطلق ولايمكن أن تصدر عنه أية شرور أو أفعال مغايرة للخير.

ومع ظهور الديانة اليهودية ، فإننا لن نجد للشيطان دورا بارزا ، لكن يمكن أن نجد شخصيات ” شبه” شيطانية في   “بعض ” من روايات العهد القديم ، من أبرزها  ما ورد في سفر أيوب ، حيث قصة ذلك الشرير الذي تحدى الإل قائلا أن أيوب التقي الورع العابد للإله إنما هو  كذلك لأن الإله يباركه ويسبغ عليه من الخيرات ، وأنه – أيوب- إن هو فقد كل ما لديه فسوف يكفر بالإله ويعلن العصيان ، فقبل الإله التحدي  وجعل ذلك الشرير/ الشيطان      يجرد أيوب من كل شئ ، من ماله وأبنائه وصحته ، تاركا إياه يتسائل في حيرة وألم عما اقترفه       ليصيبه كل ذلك الوبال ! 

هنا يشير  ” ويس” إلى أن الإله في تلك القصة يفوق خصمه الشيطان قوة وعظمة ، أي أنهما ليسا على أي شئ من الندية ، فقد وجدت اليهودية أن فكرة إحالة الشرور إلى الشيطان إنما تعني أنه يتقاسم السلطة الكونية مع الإله ، مما ينتقص من القدرة الكلية الإلهية المطلقة ، ومن ثم فقد نبذ العقل اليهودي فكرة أن يكون الشيطان مصدرا للشر.

ومع هذا ، فقد صار إبليس جزءا من عقيدة بعض الطوائف اليهودية مع بداية حقبة ميلاد وحياة المسيح  . علاوة على ذلك ، تشير مجموعة التعاليم اليهودية الغامضة والتي تسمى ” القبالة” إلى وجود جانبين في الحياة : النور     والظلام… الخير والشر..؛ إلا أن الظلام لايعادل النور بأية حال ، ولا يملك قوة مكافئة له ، بكلمات أخرى ، لم تقل العقائد اليهودية الغامضة تلك بمبدأ ” الثنوية” ولم تخلق علاقة ندية بين الخير والشر ،  بل جعلت للخير/ النور  اليد العليا فوق كل  ماعداه في الكون.

 

الشيطان في الديانة المسيحية :

 لو أنك سألت أي طالب في مدارس الأحد المسيحية عن الشيطان ، فسوف يخبرك ببساطة أنه ” ملاك  ساقط”، في إشارة للقصة الشهيرة عن عصيان الشيطان وسقوطه من الفردوس الأعلى ، ولكن في حقيقة الأمر ، فإن ” العهد الجديد ” لايحتوي على قصة ذلك السقوط! .

يخبرنا دكتور جيري والس – أستاذ الفلسفة بجامعة هيوستن المعمدانية ومؤلف كتاب ” الفردوس ، الجحيم،المطهر : إعادة ترتيب  الأولويات” – أن الشيطان قد ظهر فجأة في ” الأناجيل” ذاتها  كمغوي للمسيح ، مع عرض لفكرة وجود الشر في العالم  ، وهو  ما أدى  برجال اللاهوت المسيحي إلى استنتاج الفرضية القائلة  :  أنه طالما أن الإله قد خلق العالم ، وطالما أن كل ماهو من صنع الإله هو خير بالضرورة ، إذن ، فلابد أن الشيطان كان خيرا في البداية ثم استحال شرا . هنا يقول دكتور والس أن أي كيان طالما انه قد تحول من تلقاء ذاته إلى شر ،فلابد وأنه كيان حر إذن ، وبما أن الشر قد وجد في الكون قبل وجود البشر ، فلابد أيضا وأن مصدر الشر ، الشيطان ،كان ملاكا ثم سقط.

كما ورد ذكر الشيطان في مواضع أخرى من الكتاب المقدس،حيث يحتوي العهد القديم على فقرتين عن أناس لم يكونوا يبدون الاحترام والتبجيل الكافيين  نحو الإله ، فنجد في سفر أشعيا 14 وحزقيال 28 ذكرلمجموعة من الحكام يتملكهم الفخر ويزهون بأنفسهم في كبر وغرور ، وهو مافسره بعض المسيحيون على أنه من فعل الشيطان بل وتعبير عنه.

أما في العهد الجديد ، فيشير إنجيل بولس  إلى الحية التي ورد ذكرها على أنها كانت موجودة في جنة عدن – في قصة إغواء آدم وحواء لعصيان أمر الإله –  على أنها تمثل الشيطان ؛وقد سبق وورد ذكر الأفعى في التوراة ، وتحديدا في سفر التكوين ، ولكن على نحو مختلف إلى حد ما عما ورد في العهد الجديد، حيث يظهر فيه الشيطان والأفعى على أنهما يحاولان إغواء البشر لعصيان الإله ، إلا أن محاولاتهما لا تكون  ناجحة على الدوام .

أيضا يوضح  “والس”  أنه في حين نجح الشيطان في إغواء آدم الأول ، فإنه قد فشل في إغواء آدم الثاني ، المسيح ، الذي قاوم إغراءاته بقوة .

 

الشيطان كعدو:

دائما ما يتم إبراز الشيطان ك ” عدو” أو ” آخر” . تقول بروفسور إيلاين باجيلز – أستاذة اللاهوت بجامعة برينكتون ومؤلف كتاب ” أصل الشيطان” – أنه في سفر أيوب قد تم استخدام الشيطان كأداة لتوضيح ماحدث لأيوب و المغزى من قصته.

أما أول جماعة يهودية ناقشت فكرة الشيطان بوضوح  وأخذتها على محمل أكثر جدية وعمقا ، فهي طائفة ” الحسيديين” ، والتي تعني : المقدسين .  تقول بروفسور باجيلز أن الحسيديين كانوا أول طائفة في التاريخ اليهودي- المسيحي تولي إهتماما جديا بذلك الكيان الغامض .

 عاش الحسيديون قبيل فترة المسيح، ولم يكونوا راضين عن حكم الرومان ولا عن أعوانهم من اليهود الذين حكموا بلادهم خلال تلك الفترة، لهذا انسحب الحسيديون من المجتمع اليهودي ، وبدأوا يبشرون بأفكارهم ، ومن أهمها فكرة نهاية الزمان ، حين يمحق الإله كل الأشرار ويدمرهم تماما ، وكانوا يعنون بذلك الرومان ومن والاهم من اليهود .

و قد تبنى الحسيديون نهجا فكريا متطرفا ،فكانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم هم فقط أتباع الإله ، في حين نظروا إلى أتباعهم على أنهم بالضرورة من أهل الظلام ! دون ان يحددوا ماهية ذلك المعنى وجوانبه ، ومن ثم صار هناك – وفقا للحسيديين الذين تصفهم باجيلز بأنهم طائفة يهودية  منشقة- طائفتين من البشر :أبناء الرب وأبناء الظلام.

عند تلك النقطة تقول باجيلز أن فكرة الشيطان تظهر دائما حينما تنقسم المجتمعات ،حيث تسعى الجماعات المتطرفة دوما إلى وضع حد فاصل واضح بينها وبين  أعدائها ، لذا فهم يصفون أعدائهم  دائما بأنهم ” شياطين”  ؛ و تقول دكتور باجيلز أنها قد استنبطت  ذلك الرأي من خلال أحاديث الناس العادية ، وتضرب مثالا توضيحيا لفكرتها بأنه قد يقول أحد الأفراد في معرض حديثه عن السياسة مثلا أن ” الشيطان يسعى للإستحواذ على هذا البلد” ، إن قائل تلك العبارة لايعني بها أن هناك قوى خفية خارقة للطبيعة  تريد الإستحواذ الشيطاني على بلده ، وإنما هو يقصد أن هناك شخص ما أو جماعة بعينها  ترغب في السيطرة على مقاليد الأمور ، حتى أنه إذا استأنف حديثه قد يذكر أسماء بعينها ؛ باختصار، إن كل مافعله هذا الشخص المفترض ، هو أنه قد شبه من يراهم أعداء أشرار ب” الشيطان”.

بناءا عليه ، ترى بروفسور باجيلز أن الناس عادة حينما يتحدثون عن الشيطان فإنهم يتحدثون في نفس الوقت عن البشر.

بالعودة إلى الحسيديين ، هناك إحتمال كبير أن تلك الجماعة قد تركت أثرا ليس بهين على المسيحية المبكرة ، فقد بشر يسوع المسيح ويوحنا المعمدان / يحيى  بأفكار مماثلة تقريبا لأفكار الحسيديين ، حيث تحدثا عن نهاية العالم وأن الإله لن يتسامح حينها مع من اقترفوا الشرور ، وربما كانا يعنيان بذلك الرومان ومعاونيهم .

في النهاية ، ترى باجيلز أن فكرة ”  شيطنة” العدو  أو تصويره في صورة  شيطان ، إنما تفيد التفكير المتطرف كثيرا ،فالعدو في تلك الحالة لايبقى مجرد شخص تختلف معه ، وإنما قد تحول إلى شر مستطير ليس للمرء أن يناقشه أو يحاول الوصول معه إلى حل وسط ، فقد انتقل إلى الجانب الآخر، المظلم، الشيطاني ، وانفرجت الهوة متسعة تفصل بينه وبين من يرون أنفسهم أبناء للخير والنور ، وتلقي به إلى صف… .” الشيطان” .

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر