الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: سياسة اللاعنف: عوامل النجاح والفشل

ترجمات خاصة: سياسة اللاعنف: عوامل النجاح والفشل

بقلم: يواف تنيمبايم

ترجمة: هبة الله الجماع

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

     تقوم سياسة اللاعنف بشكل أصيل على فرضية أخلاقية مفادها أن استخدام القوة هو أمر بغيض في حد ذاته. ويحاول الكاتب في هذه المقالة الوقوف على العوامل التي تجعل سياسات اللاعنف ذات جدوى وفاعلية حقيقية، أي أنه يركز أولاً وقبل كل شيء على الجدوى العملية لسياسة اللاعنف، وليس على الفرضية الأخلاقية التي تقوم عليها، ذلك بالرغم من أن الأمثلة الثلاثة الأبرز لتلك السياسة في التاريخ الحديث إنما كانوا ينطلقون في دعواهم تلك من قناعة أخلاقية راسخة، وليس من تفكير عملي أو منهج نفعي؛ تلك الأمثلة هي: مارتن لوثر كينج الابن – المهاتما غاندي – الحركات السلمية في القرن العشرين.

     تمثل سياسة مارتن لوثر كينج المثال الأشهر لانتهاج سياسة اللاعنف، وذلك من خلال قيام شريحة من المجتمع تحيا في سياق دولة ذات سيادة مستقلة، بمعارضة السياسات الرسمية لتلك الدولة، أو مقاومة الأجواء الاجتماعية السائدة بها؛ حيث آمن كينج وأنصاره أن الظلم الصارخ الذي يكتوي السود بنيرانه في الولايات الجنوبية بالولايات المتحدة الأمريكية إنما يجب أن تتم مقاومته عبر سلسلة من التحركات السلمية.

     في المقابل، جاءت دعوة اللاعنف للمهاتما غاندي في سياق الاحتلال الأجنبي لبلاده، حيث كان وطنه الهند يرزح تحت وطأة الاستعمار البريطاني، فوقف غاندي وأتباعه متمسكين بسياسة اللاعنف في وجه الاحتلال.

     أما المثال الثالث، الحركات السلمية في القرن العشرين، فقد جاءت في سياق ثالث مغاير ألا وهو سياق العلاقات الدولية، أو بالأحرى سياق الصراع بين الدول؛ فقد وقفت تلك الحركات مناهضة لاستخدام العنف في العلاقات الدولية، رافعة شعار أن الحرب هي خيار غير مقبول أخلاقياً.

     نجح مارتن لوثر كينج في مسعاه، وكذلك نجح المهاتما غاندي، في حين فشلت الحركات السلمية في القرن العشرين، وهنا ينشأ السؤال الهام: لماذا؟ أو بكلمات أخرى، ماهي العوامل التي تؤدي إلى نجاح أو فشل سياسات اللاعنف؟

     لفهم تلك العوامل، في سياق الأمثلة الثلاثة التي نحن بصددها، فعلينا أولا أن ننظر إلى طبيعة الأهداف التي حددها كل منهم، فقد كان لدى كينج وغاندي ومناصريهما أهدافاً واضحة ومحددة المعالم بدقة، في حين كانت الأهداف التي حددتها الحركات السلمية في القرن العشرين شديدة الاتساع، شديدة العمومية، وغير محددة النطاق، حيث كانت تلك الحركات تنشد السلام العالمي المطلق كهدف أوحد.

     ثانياً كان هناك عاملاً حاسماً آخر أسهم بشكل كبير في نجاح الحملات النضالية لكل من غاندي وكينج، ألا وهو طبيعة الأنظمة السياسية التي كانوا يتحركون ويكافحون في نطاقها في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، واللتان كان يسودهما النظام الديموقراطي، فبطبيعة الحال تحظى السياسات والحركات السلمية بفرص أفضل للنجاح حينما تمارس نشاطها في سياق النظم الديموقراطية، أكثر بكثير مما قد تناله في سياق النظم الديكتاتورية.

     وفي الواقع، ما كان لغاندي أو كينج أن يحققا أي مما حققاه لو أنهما ومناصريهما كانوا يمارسون تحركهم النضالي في سياق نظم مثل ألمانيا النازية، أو الإتحاد السوفيتي في حقبة ستالين، والدليل على ذلك واضح، فقد كان هناك عدد من الحركات السلمية في حقبة ما بعد ستالين، لكنها لم تستطع أن تحقق انتصاراً أو أن تتغلب على النظام القائم وقتها.

    ومع ذلك فإننا لا نستطيع إنكار أن تلك الحركات قد تمكنت بشكل أو بآخر من إحداث تغيير في النظام الشيوعي القائم هناك، وذلك من خلال جذب انتباه جماعات حقوق الإنسان في الخارج، وحشد الرأي العام العالمي لصالح قضيتها، ومن ثم يمكن توصيف التغيير الذي احدثوه بأنه تغيير تكتيكي وليس تغيير هيكلي؛ بكلمات أخرى، لم تقم تلك الحركات بتغيير بنية المجتمع السوفييتي ذاته وإنما أسهمت بشكل كبير في تعريف الرأي العام العالمي خارج حدود الإتحاد السوفيتي بما يدور في داخله من أحداث وبما يسوده من ظروف.

     من الواضح إذن أن الكفاح السلمي من شأنه أن يعمل على تعزيز الوعي العالمي في الدول الديمقراطية بأبعاد القضية التي يتم الكفاح في سبيلها، بما يسهم بدرجة ما في الدفع نحو تحقيق الهدف المنشود في تلك القضية.

     وإن أردنا أن نضرب مثالاً واضحاً على ما تقدم، فإننا لن نجد أفضل من الدلاي لاما وحملته في التبت، فبالرغم مما كان لحملته السلمية من أثر ضئيل داخل الصين، إلا أن تأثيرها الأعظم قد ظهر في الخارج، حيث استطاع الدلاي لاما حشد الرأي العام الدولي حول قضيته، إلى أن أصبح الرجل رمزاً لتحرير التيبت وظلت قضيته ماثلة أمام الضمير العالمي.

     في أوروبا الشرقية، بدا ظاهرياً أن الحركات السلمية قد نجحت في إحداث تغيير في النظام هناك بعد سقوط جدار برلين، ولكن في واقع الأمر فإن أسباب ذلك التغيير وانهيار النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية إنما تعود لعوامل أخرى تتجسد في قرار مايكل جورباتشوف بالتخلي عن دعم تلك النظم، ومن ثم فما إن اختفت القوة السوفيتية من معادلة التوازن  السياسي في أوروبا الشرقية، حتى تجردت الأنظمة الشيوعية المحلية من عوامل قوتها، ولم يعد لها أية فرصة للبقاء في المشهد السياسي العالمي؛ هنا يمكن القول إن {السلمية}  قد نجحت بالفعل، لكنه نوع خاص من النجاح، حيث هيأ الانسحاب السوفييتي من دعم الشيوعية في أوروبا الشرقية الظروف الكاملة لإسقاط الشيوعية بشكل سلمي هناك. وبلا شك فإن الإتحاد السوفييتي لم يكن راضياً عن انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية، إلا أنه لم يتدخل للحيلولة دون ذلك الانهيار.

    من هنا يمكننا أن نقول باختصار أن: “أحد المبادئ الأساسية لنجاح الحركات السلمية هو أن يكون الخصم الذي تواجهه تلك الحركات خصماً ضعيفاً يعتمد في قبضه على السلطة على قوى خارجية تقرر في لحظة ما التوقف عن دعمه.”

     لنعد إلى مارتن لوثر كينج والمهاتما غاندي؛ لقد استمدت حملة كينج السلمية قوتها بشكل أساسي من رسالته الإيجابية التي كانت تخلو من أي نزوع نحو الانتقام. أما المهاتما غاندي، فقد لاقت فلسفة اللاعنف التي كان يتبناها صدى كبير في نفس الشعب البريطاني، الذي كان يكره القمع السياسي باستخدام العنف، ولطالما كان البريطانيين يفخرون بأن حركة الإصلاحات السياسية في بريطانيا في العصر الحديث قد اتخذت نهجاً تدرجياً سلمياً.

     بالإضافة إلى ذلك فقد امتدت الإمبراطورية البريطانية إلى حدود شاسعة أكثر من اللازم، في ظل ظروف صعبة عقب الحرب العالمية الثانية، وموارد محدودة لم تعد كافية لسد كافة احتياجات الإمبراطورية مترامية الأطراف ومقابلة التزاماتها الدولية الهائلة؛ ولهذا فقد جاء الانسحاب البريطاني من الهند كنتيجة لحسابات اقتصادية وسياسية بريطانية، بقدر ما كان أيضاً نتيجة للنضال السلمي للمهاتما غاندي.

    وبعد، فإننا إن أردنا إجمال ما تقدم، فسوف نقول ان الحركات النضالية السلمية تكون غير ذات جدوى إذا واجهتها قوة عاتية شرسة لديها تصميم على سحق تلك الحركات، ولو أن أحد اليهود في فترة الهولوكوست، على سبيل المثال، قد قرر أن يحذو حذو مارتن لوثر كينج أو غاندي وقام بتأسيس وتزعم حركة للمقاومة السلمية في وجه النازي، لما أفضت تلك الحركة إلى أي شيء، ولا تنتهي به وبأنصاره المطاف إلى غرف الغاز كما وقع بالفعل للعديد من اليهود، أي أن مسار الأحداث ما كان ليتغير.

     وما ينطبق على سياسة اللاعنف في مواجهة الأنظمة داخل الدول ينطبق أيضاً عليها في مجال العلاقات بين الدول، طالما كانت إحدى القوى على استعداد تام لسحق الطرف الآخر. فقط تصبح سياسات اللاعنف مجدية وقابلة للتطبيق في العلاقات الدولية في حال كانت تلك السياسات السلمية تتمتع بظهير شعبي قوي في كلا الجانبين، بما يكفي لخلق ضغط كاف لمنع اندلاع شرارة العنف من أي من الجانبين.

    في نهاية القول، مما لا شك فيه أن سياسة اللاعنف إنما ترتكز إلى قاعدة أخلاقية متينة، ولكن على منتهجي تلك السياسة الربط بين افتراضاتها الأصلية التي تنطلق منها، والنتائج التي يمكن أن تحققها على أرض الواقع.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر