الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: في حال موت الأخبار .. مَن يحمي الديمقراطية ؟

ترجمات خاصة: في حال موت الأخبار .. مَن يحمي الديمقراطية ؟

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

 

عندما بدأت صناعةُ الأخبارِ منذُ 200 عام، رسَخت العالم في الواقع،لقد اِنضمت الصحافةُ، إلى قائمةِ مِن المِهن المُهددة بالإنقراض: حيثُ يبدو أن تدريسَها، أكثرُ ربحية من مُمارستها. لا يزالُ تعقبُ الصحافةِ الجادة والعالية الجودة، يجري يوميا حول العالم، لكن صناعة الأخبار  تتقلصُ بإطراد.. لماذا؟ 

دعونا نُميز هنا، بين الصحافةِ والأخبار.  فالأخبار ليست سوى ضرب من الإنتاج الصحافي، وشكلٌ من أشكاله العديدة. جرى صياغةُ الأخبارِ كشكلٍ أدبيّ موحد، وغير روائي منذ أكثر من 200 عام، اِستجابةً لظروفٍ اِجتماعية وثقافية محددة للغاية، وأثارتها تقنية جديدة تسمى البرقية (Telegraph).أتاح اِختراعُ التلغراف الكهربائيّ، في ثلاثينيات القرنِ التاسع عشر، الإنتقالَ السريع والدولي لدفقات المعلومات في رسائل قصيرة وواضحة، والتي من المُفارقةِ، أنها لا تختلفُ عنالتغريدات. لقد جلب البَرقُ (Telegraph)أخبارَ الإنتخاباتِ والحروب والكوارث والجرائم وحفلات الزفاف والوفيات إلى الغُرف الشخصيّة.  

وعبرهُ، عرفَ العالمُ اِغتيال الرئيس أبراهام لنكولن، في عام 1865.وقد أدى وصولُ الأخبارِ الفوريّة، إلى نقلِ الطبقةِ الوسطى من منظورٍ محلي إلى آخر عالمي، ومن منظورٍ عام للعالم إلى اخر مليءٍ بالتفاصيل، ومن عالم متمركزٍ في الخيال إلى عالمٍ تسودهُ واقعية الأحداث.  أصبحت الأنباءُ، هي الطريقة التي وضعت بها الطبقة الوسطى نفسها في العالمِ الأوسع نطاقاً، واكتسبت هويةً ثقافيةً متميزة. كان هذا الحماسُ للأخبارِ استجابةً ثقافيةً لبيئةٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ سائدة. اليوم، كل تلك الظروف الثقافية قد تغيرت. إذاً، إذا تغيرَ سياقُ ما أطلقنا عليه «الأخبار» مذ ما يقربُ القرنين بشكلٍ جذريّ، فهل ما زالت الأخبار تعملُ كما ينبغي ؟  وما هو دورها المُفترض، وما هو الغرضُ من تحقيقه ؟ هل ما زالت الأخبارُ  مهمة ؟

نحن نعلمُ جميعاً، أن صناعةَ الأخبارِ اليوم في ورطة.. 

اِنخفضَ التداولُ للصُحف اليومية الأمريكية، المطبوعة والرقمية معاً، إلى 35 مليون في عام 2016، وفقاً لمركزِ بيو للأبحاث – وهو أدنىٰ معدلِ تداولٍ مُذ عام1945، على الرغمِ من أنعددَ السُكان قد تضاعفَ ثلاث مراتٍ خلال تلك السنواتِ السبعين. بدأ هذا العامُ بفقدانِ ألف وظيفة في مشاريعِ الصحافةِ الرقَمية، التي كانت مزدهرةً في يوم قريب (BuzzFeed, Huffington Post) .إن الشركاتِ الإخبارية تُناضِلُ مع الكثيرِ من نماذجِ الأعمالِ المُتدهورة، لعقدٍ من الزمن. لقد مكّنت تقنياتُ الإنترنت الحديثة، اللاعبينَ الجُدد جوجل وفايسبوك – Google, Facebook – من السيطرةِ على التوزيعِ، وعائداتِ الإعلانات التي ترتبطُ به.

في هَذِهِ الأثناء، يستلهمُ جميعُ السياسيين من ميانمار إلى ليبيا، ومن سوريا إلى إسبانيا، بشكلٍ علني، دونالد ترَمب، لمهاجمة الصحافة.. ويصفونها بأنها مُزيِفة ومُتحيزة، مُتهمينها بتلويثِالواقع وقَلب الحقائق. يرى الجمهورُ، هو الآخر، أن الصحافيين أكثر مرونة تجاه السلطة،  أو تقرباً من الأثرياء، ولا يثقون في ما  يعتبرونه تضارباً في المصالح.صحيحٌ أن شبكاتِ الأخبار الجادة، أعلنت عن الزياداتِ في دفع اِشتراك الخدمات الصحافية .. النيويورك تايمز أعلنَت مؤخراً عن تضاعُف عدد المشتركين إلى 3.5 مليون. وبفضلِ تمويلِ القارئ، لدى الغارديان مليون من القُراء حول العالم. لكن منذ 2010، اِنخفضت تغطيةُ الأخبارِ الأجنبية في أربعٍ من الصُحف البريطانية الكبرى، واِنخفض عددُ قَصصِ الأخبارِ الأجنبية، اِلى النصف خلال ثلاثةِ عقود، في الولايات المتحدة. تَميلُ التقارير، نحو قضايا مباشرة مرتبطة بإنهِماماتٍ محلية ضيقة أو مصلحة وطنية، مثل الحرب والإرهاب. في 1989، سنة سقوط جدار برلين، كرست قنواتُ (Abc, CBC, NBC) 4،828 دقيقة للأخبارِ الدولية.

ومنذ عام 2000، وبعد أكثر عقد، بثت ذاتُ الشبكات الثلاث 2،127 دقيقة فقط، في الأخبار الدولية أثناء النشرات.الصُحف المحلية تقتلصُ بإستمرار، مارغريت سوليفان كتبت مقالاً في واشنطن بوست في 2017، قالت فيه «إن الصُحف على شفا الإنقراض».هذه الوظيفة الآن في تراجعٍ خطير، فقد أصبح استهلاكُ المعلوماتِ فعلٌ فرديّ للغاية، بفضلِ الأجهزةِ المحمولة. الأيام التي جلستَ فيها لقراءةِ ورقة صباحية أو شاهدت نشرةَ أخبارٍ مسائية، أصبحت من الماضي. في الآونة الأخيرة، أضحت السينما والتلفزة، ومشاهدة الأحداث على نيتفليكس أو هولو أو أمازون (Netflix, Hulu , Amazon)

تهيمنُ ببطءٍ على سوق الدراما. تماماً كما حدثَ في الثلاثيناتِ من القرن التاسع عشر، عندما جعلَ التلغراف التقاريرَ مستقلةً  عن الزمان والمكان، وإمكانية إنتاج الأخبارِ في اي ظرف، حررَ التحولُ إلى الإنترنت والهواتفالذكية توزيعَ الأخبارِ من طُغيان الموقعِ والوقت. الآن يمكن لأي شخصٍ تلقي الأخبار، بل نقلها، في أي وقت وأي مكان، وهذا أدى إلى التشعب. من جانب، لدينا إخطاراتٌ قصيرة من المعلومات غالبًا ما تكون مباشرةً من صانعي الأخبار أنفسهم. انظُر الى  تغريدات، الشرطة والسياسيين والشركات الكبيرة، لقد تجاوزوا المؤسسات الإخبارية،وعلى الجانب الآخر، لدينا تقاريرُ وتحقيقاتٌ طويلة ومفصلة ومكلفة ويمكن أن تستغرق شهوراً أو سنوات. هذه الصحافة الطويلة، هي أكثر كُلفةً وعمقاً بكثير من القَصص الإخبارية، التي هيمنت على الصحافة لفترةٍ طويلة، وتعملُ أكثر من الأدب غير الخيالي.

ما يتبقى في الفراغ بين هذين هو شكل من الأخبارِ أقل قابلية للتطبيق. لقد أمضت العديد من غُرف الأخبار العقد الماضي في صبِ الموارد السمعية والوقت في إصدار نسخ من 800 كلمة من التقارير الإخبارية المتوفرة بالفعل على مواقع إخبارية أخرى. إنه عمل يحمل القليل من الحس الاستراتيجي أو المالي، إن المقالات المُتوسطة التي تجني المال لبعض الناشرين، ليست قَصصًا إخبارية، بل مقالاتُ رأي. ولكن إذا صمدت القوى التوأم للترفيه والدعاية، فإن الأخبار تموت، كيف يمكنُ للصحافة – وبالتالي الديمقراطية – البقاءَ على قيد الحياة ؟ أرى أملاً في ثلاثةِ أشكالٍ سردية: الصوتُ (بثُ الوثائقي المصور) والأدب غير الخيالي.

الإذاعة، والبودكاست، هو وسيط هجين. القائم على الكلمات، وبالتالي القادر على تمكين الحجج العقلانية ورفع المحادثات الخطيرة، يمكن أن ينقل أيضاً عُمق العاطفة. قامت Spotify مؤخراً بشراءِ شركتي بودكاست، وتخططُ لإنفاق ما يصلُ إلى 500 مليون دولار على عمليات أخرى. اكتسب The Daily podcast في صحيفة النيويورك تايمز 6.5 مليون مستمع شهريًا ويتبع بشكلٍ متزايد هيكلًا وثائقيًا دراميًا. لا عجب، لقد أطلقت صحيفة الغارديان البودكاست الخاصة بها، التي أنتجها صانع أفلام وثائقية سابق لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC). تتزايدُ شعبيةُ البودكاست والموزعات الصوتية الجادة.

الفيلم الوثائقي، يكتسب أيضا جمهوراً كبيراً. فإن الجمعَ بين تقارير التحقيق الجادة، والرأي والهيكل الدرامي، هو علامةٌ واعدة لمستقبلِ الصحافة. ما عليك سوى إلقاءُ نظرةٍ على عددِ الأفلام الوثائقية التي يجري بثُها أو تشغيلُها. 

الأدب الواقعي، يقوم بعملٍ جيد على مستوى العالم، في الولايات المتحدة وحدها، اِرتفعت بشكل سريع الإيرادات، لأفلام الواقع للكبار كل عام منذ عام 2013 وتجاوزت الخيالية. لسياق الأوسع، ومع كل ذلك، قاتم. يبدو أن الحضارة الإنسانية تدخلُ مرحلةً جديدةً يمكنُ أن نُسميها «ما بعد التنوير» حيثُ يتم اِستبدال العقلانية والكلمة المكتوبة من الناحية الهيكلية، بالصورِ والعواطف. 

الإيمان يُستبدلُ بالحقائق؛ يعود التلفزيون إلى الواجهة، ويهيمنُ على كل جانب من حياتنا ويقلل كل شيء مقارنةً بالترفيه. إن الصحافة لا تكتفي فقط برؤية الأخبارِ في صميمِها، ولكن في وقتٍ يتفوق فيه الترفيه على الديمقراطية، فإنها تواجهُ خطرَ فُقدانِ غرضها بالكامل . 

كان للباحث الراحل في وسائل الإعلام جيمس دبليو كاري أثرٌ يقول:«من دون مؤسساتِ الديمُقراطية، يتحولُ  الصحافيون إلى دعُاة أو فنانين». إن الديمُقراطية لا تحتاجُ إلى الصحافة فحسب، بل هي الصحافة ذاتها، لا يُفاجئنا أن نرى كلاً منهما، في متاعبَ عميقة هذه الأيام. 

في وسعنا  إنقاذُ الديمقراطية عن طريق إنقاذ الصحافة،  أو العكس.

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق