الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: كيف صار فولتير من سجين بالباستيل إلى كاتب مسرحي مشهور؟

ترجمات خاصة: كيف صار فولتير من سجين بالباستيل إلى كاتب مسرحي مشهور؟

بقلم: لورين بويسونو

ترجمة: محمد صابر

لقراءة الموضوع الأصلي: (هنا)

 

    بدأ الكاتب والفيلسوف الفرنسي قبل ثلاثمائة عام رحلته في إعادة سرد مسرحية أوديب للكاتب الإغريقي سوفوكليس.

    بلغ فرانسوا ماري آروويه رشده في سن مبكر، إذ كان دائماً يُدعى إلى الحفلات الراقية. مما اكسبه شهرة واسعة بسبب أشعاره الساخرة والممتعة بين صفوة أهل باريس في القرن الثامن عشر، لذلك نفي إلى خارج البلاد في مايو 1716 بسبب كتاباته التي يسخر فيها من الأسرة الحاكمة. ولكن آرويه، الذي اتخذ اسم “فلوتير” اسماً مستعاراً، كان بهذا يبدأ فقط صراعه مع أصحاب السلطة. أما في السنوات المقبلة، كانت لهذه الأفعال عواقبها الوخيمة: كإيداعه السجن وقيام الثورة في بلاده. ويعود السبب في هذا كله إلى قصة عن زنا المحارم.

    في عام 1715 بدأ الشاب أروويه مشروعاً جدلياً جديداً؛ فقد أجرى تعديلاً على قصة أوديب لعرضها على جمع من الشعب الفرنسي في ذلك الين. إذ تحكي القصة اليونانية القديمة قصة سقوط أوديب الذي تحققت فيه النبوءة التي تقول بأنه سوف يقتل أباه ملك طيبة، ويتزوج أمه. أما الكاتب المسرحي اليوناني سوفوكليس كتب النسخة الأولى من المسرحية في مأساة أسماها  أوديب الملك. وفي مطلع عام 1659 عدل الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير بيير كورنيل قصة أوديب، لكن رأى أروويه أن القصة لا بد أن تواكب العصر، لذلك كتب له القدر أن يعيش في الوقت المناسب ليطلق مسرحيته.

     توفي لويس الرابع عشر (والمعرف كذلك باسم “الملك الشمس”) في الأول من سبتمبر من عام 1715 من غير أن يترك وريثاً للعرش. فكان لويس من أقوى الحكام في تاريخ فرنسا، إذ ارتفعت في عهده ثروات البلاد، وتوسع في المستعمرات، وأيضاً أدخل الدولة في ثلاثة حروب كبيرة. كما أنه جعل مركز السلطة في فرنسا ومنح الكنيسة الكاثوليكية الصلاحيات باضطهاد الفرنسيين البروتستانت بكل قسوة. كان للملك حفيداً في الخامسة من عمره، مما يتطلب وجود وصي على العرش يكون رقيباً على شؤون الحكم في الدولة. لهذا أسند الأمر إلى فيليب دوق أورليان والذي استغل منصبه ليحكم البلاد تماماً كوصي على العرش حتى وفاته.

    غير فيليب في مسار الجغرافيا السياسية لفرنسا، فشكل تحالفات مع دول مثل النمسا وهولندا وبريطانيا العظمى. بالإضافة إلى ذلك أنه انقلب على النظام الاجتماعي القديم، وعارض نظام الرقابة، وسمح بإعادة طباعة الكتب التي كانت محظورة في السابق. وكتب روجر بيرسون في كتابه فولتير العظيم: حياة باحث عن الحرية: “تغيرت الأحوال جذرياً في عهد رجل عاش في القصر الملكي بقلب باريس، إذ انغمس في ملذات المقامرة وشرب الخمر ومعاشرة النساء – بمن فيهم، والأمر الذي لم يخفى على أحد حينها – معاشرة ابنته؛ دوقة بيري.”

    أما بالنسبة لأروويه، فأدى التخلص من القيود الاجتماعية إلى إدراك غير متناهي للطاقات، واستخدام المسرح كان بمثابة الوسيلة الفعالة لنشر رسالة الحرية والتسامح بين الناس. ويقول جيل نوير محرر ومترجم كتاب ثورة فولتير: كتابات من حملته لتحرير القوانين من الدين “قدر فولتير نسبة سكان أوروبا الذين يقرأون كتابه خطابات في إنجلترا عام 1733 بنحو 5%، لذلك فإن تأثير المسرحيات العامة أكبر بكثير من تأثير الكتب حتى وقت قريب من هذا القرن.”

    وبالنسبة لعمله الذي سيعرض على خشبة المسرح، فهناك خيار وحيد يفرض نفسه حتى وإن استضافت باريس أكثر من مسرح. فيقول إيان ديفيدسون في كتابه حياة فلوتير “يتمتع المسرح الوطني الفرنسي بالاحتكار الفعلي، أي أنه المسرح الوحيد الذي تشرف عليه وتصرح به المحكمة لعرض المسرحيات التراجيدية والدراما المهمة، لذلك فإن أي شخص يرغب في أن يكون كاتباً فعليه أن يكتب من أجل المسرح الوطني الفرنسي.”

    عمل أروويه بكل ما أوتي من قوة كي يخرج لنا مسرحيته أوديب إلا أن المسرح الوطني الفرنسي قد منع أداء المسرحية. ولكن لم يرفضها المسرح بشكل قطعي، بل اقترح عليه بعض التعديلات والتي استمر في الحذف والتعديل عليها لسنوات عديدة. وفي نهاية المطاف، تحديداً في 19 يناير 1717 وافق المسرح على النسخة المعدلة من المسرحية.

     وعلى أي حال، فتوقيت نجاح أروويه لم يكن الأسوأ في حياته. أي أنه في أثناء كتابته للمسرحية، لم يتوقف أروويه عن تأليف الأشعار التي تخاطب الشعب كان يشاركها مع أصحابه – ومن هذه الأبيات ما يشير إلى شائعات حول وجود علاقة محرمة بين الوصي على العرش وابنته:

ليس الابن ولكنه الأب؛

مع ابنته وليس أمها،

الأمور بخير حتى الآن.

ولكنهما قد أنجبا بالفعل إيتيوكليس؛

فإذا فقد عينيه فجأة؛

ستكون هذه هي القصة الحقيقية لسوفوكليس.”

    تشير الأبيات بكل وضوح إلى فيليب، الوصي على العرش، وعلاقته المحرمة بابنته، وحتى بالنسبة لحاكم إباحي، فإن هذا كان يعد تجاوزاً إلى حد بعيد. ولذلك ألقي القبض على أروويه في السادس عشر من مايو عام 1717 وأرسل إلى سجن الباستيل الشنيع. وقد حاول إثبات براءته من هذه القضية زاعماً بأنه ليس كاتب هذه الأبيات، ولكنه اعترف لبعض أصدقائه بأنه مؤلف هذه الأبيات – أصدقائه الذين تحولوا إلى جواسيس بعد ذلك. ويكتب ديفيدسون عن ذلك قائلاً “الأحوال في الباستيل قاسية والظلم فيها بيّن، يحوطه أسوار بطول عشرة أقدام، وعليها أقفال ثلاثية، واستجوابات قاسية ومنع وحرمان، وطعام رديء وحجب لضوء الشمس.” والأسوأ من ذلك أن أروويه لم يكن لديه فكرة عن موعد إطلاق سراحه، إذا حدث وفعلوا ذلك. إذ أن قضيته تلك لم تخضع لأي مرافعات قضائية؛ لأن مدة احتجازه تُقرر فقط بناءً على رغبة الوصي على العرش.

    وبعد مرور أحد عشر شهراً، أظهر فيليب، الوصي على العرش، عطفه على أروويه بعد أن أطلق سراحه في الخميس المقدس الموافق 14 أبريل 1718. ومع ذلك وُضِع أروويه تحت الإقامة الجبرية لعدة أشهر، ولكن في النهاية سمح له بالخروج من باريس والدخول إليها، وفي 18 نوفمبر 1718، حقق الشاب الذي بدأ يستخدم اسم “فولتير” نجاحه الكبير الأول في حياته وهو عرض مسرحية أوديب على خشبة المسرح الوطني الفرنسي.

     وذكر ديفيدسون أن المسرحية قد انتشرت انتشاراً كبيراً قد وصل أدائها لما يقرب من 32 مرة وهذا رقم غير مسبوق. ويعود السبب في انتشار هذه المسرحية إلى الفضائح المثيرة للوصي على العرش. وعلى أي حال، لم يهاجم فولتير الملكية الوراثية فقط؛ بل ألقى بالتهم أيضاً على فساد سلطة الكنيسة. ففي أحد الأبيات الشهيرة للكاتب، تقول الملكة جوكاستا “رهباننا ليسوا كما يتصورهم الحمقى من الناس؛ إنما تعتمد حكمتهم فقط على ما نراه.” فمهما بلغت سلطة الكنيسة الكاثوليكية، فهذه الإشارة التي أومأ إليها في مسرحيته جد خطيرة – ولكن جمهور واحد اشتاق لسماعها.

    فهذا المؤرخ الأدبي ماركوس ألين يكتب “إن محتوى الأعمال المسرحية السابقة عموماً كان يؤكد على حب الله والملك والواجب الوطني وما إلى ذلك، ولكن عند فوتير أصبحت المسرحية نفسها هي الشرارة الأولى لمحاربة فساد النظام القديم.”

    إلى جانب ذلك، اكتسب فولتير إثر انتشار المسرحية شهرة حقيقية، فضلاً عن أنه تعلم مدى خطورة التحدث بصراحة مع من يرافقه. علاوة على ذلك، فكلما تابع كتابة المسرحيات والأشعار والخطابات والقصص، واجه فولتير عدد كبير من الانتقادات وأيضاً المعجبين، ونفي من فرنسا عدة مرات خلال حياته لإساءته للكنيسة الكاثوليكية والملكية. لكن في أثناء إقامته في إنجلترا وهولندا وبلجيكا وبروسيا تعرف فولتير على عظماء عصر التنوير؛ وهو أول من أدخل كتابات إسحاق نيوتن والفيلسوف جون لوك إلى فرنسا. وخلاصة القول أنه بإدانة فولتير التعذيب والحروب والاضطهاد الديني والحكم المطلق للملكية، فقد مهد الطريق للأفكار التي أشعلت الثورة الفرنسية في عام 1789، وألهم المفكرين الأمريكيين مثل بنيامين فرانكلين وتوماس جيفرسون. لكن كثير من هذا الإرث وفقاً لنوير أصبح منسياً في أيامنا هذه.

    “والشيء الوحيد الذي يعرفه الناس الآن هي رواية كانديد، وأرى أنها الخيار الوحيد في موضوع آمن لأنها لم تكن صفقة هامة في حياته.” هكذا أشار نوير إلى رواية ساخرة تحكي عن مخاطر التفاؤل. ويرى نوير أن العمل الفني الحقيقي هو ما أنتجه فولتير لتتحقق كلماته: بأنه قد ساهم في إلهام الثورة الفرنسية وتعليم الناس كيف يرون الأمور بشكل ساخر بشأن التعصب الديني والظلم.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة