الرئيسية / احدث التدوينات / جبال النوبة: ماذا يعني سقوط النظام؟

جبال النوبة: ماذا يعني سقوط النظام؟

    

      في العام 2011 كانت منطقة جبال النوبة، الواقعة أقصى جنوب السودان – بعد الانفصال – قد أتمت أكثر من عشرة أعوام من وقف إطلاق النار فيها (اتفاق سويسرا). كما أن إتفاقية السلام التى أوقفت الحرب الأهلية بجنوب السودان كانت قد أفضت إلى تصويت مواطني الجنوب بالانفصال عن السودان، بينما شادت حالة جبال النوبة ارباك كبير، بفضل غموض استحقاق المشورة الشعبية، الذي نصت عليه إتفاقية السلام وتأجيل إجراء الانتخابات فيها بفعل خلاف كبير بين طرفي الاتفاق على إجراءات عملية التسجيل للانتخابات بالولاية، حيث إشتكى حزب الحركة الشعبية من ممارسة المؤتمر الوطني تزويراً واضحاً، وتلاعباً وتجاوزا للقوانين التي تحكم العملية الانتخابية. أقيمت الانتخابات لاحقاً تحت وضع محتقن، وفي ظل استقطاب حاد، ودعاية استخدم فيها حزب المؤتمر الوطني كل آليات الدولة وامكانياتها في بث دعاية كانت تدعو للفرقة أكثر من أنها تدعو للوحدة، فقد ظهر الرئيس في إحدى حشود الدعاية الانتخابية ليقول أنه سينتصر بالذخيرة إن لم ينتصر بصندوق الانتخابات، وأنه سيطارد المتمردين من كهف إلى كهف، وفي ظل دعاية مضادة تستند فيها الحركة الشعبية على ثقلها القبلي بمنطقة جبال النوبة كانت أي نتيجة للانتخابات تنذر بحدوث كارثة، خاصة وأن الحزب الحاكم كان قد حشد جيوشه ومليشياته على تخوم الولاية، في وضع كانت الولاية أصلاً ممتلئة بالجيوش. لم يمر الأمر عادياً كما كان متوقعاً، فبعد أكثر من عشرين يوماً من إعلان نتيجة الإنتخابات التي أفضت إلى فوز أحمد هارون بمنصب الوالي إنطلقت رصاصة تنكر لها الكل في وسط مدينة كادقلي، وبفضلها تحولت المدينة إلى كتلة لهب، إنتشرت لتمس كل قرى ومدن منطقة جبال النوبة، لتستعيد ذكراها السيئة مع الحرب التى اعتقد سكانها أنها بارحتهم بلا عودة.

     رغم أن الوضع العام كان ينذر بوقوع حرب في أي وقت، إلا أن الحرب كانت مفاجئة للمواطن العادي، فقد ترتبت عليها فقدان الكثير من الأرواح والممتلكات، في مدينة كادقلي كانت المليشيات الحكومية وقواتها لا تتوانى عن إطلاق الرصاص الحي على كل من لم يستطيع اثبات عدم انتماءوه للحركة الشعبية – رغم أن الحركة الشعبية كانت حتى تلك اللحظات حزباً مسجلاً قانوناً، بل أن والي إحدى الولايات كان ينتمي للحزب. كان عدد الذين قتلوا في المدينة عشوائياً خلال الأيام الأولى للنزاع، فقد كانوا من الكثرة بحيث لم يكن بالإمكان اخفاءهم إلا بمقبرة جماعية حفرت بإحدى أطراف المدينة، كما أن الاعتقالات شملت الكثير من الموظفين والناشطين من سكان المدينة، ممن كانوا ينتمون لحزب الحركة الشعبية، أو يشك في انتماءهم لها، وتم تعذيب بعضهم حد الموت، تزامن هذا مع قصف مدفعي وجوي كثيف على قرى ومدن جبال النوبة، لم يتم التفريق فيه بين الحشود العسكرية ومناطق السكان، فأُحرقت الأسواق والمدارس والمزارع، ولجأ السكان إلى الخنادق وكهوف الجبال. وخلال سبعة أعوام، هي مدة الحرب الثانية، ظلت المنطقة تعيش حالة إنسانية سيئة جداً، يصحو مواطنيها يومياً على أمل سلام يبدو بعيداً في ظل تمسك الحكومة بمواقفها المتعنتة، ويكاد ان يؤمن أغلب السكان بأن حمامة السلام لن ترفرف في سماء الجبال ما لم يرحل البشير ونظامه.

     خلال تلك الحرب تم تدمير عدد كبير من المدارس، وفر الكثير من المعلمين، وأغلقت الطرق أمام وصول معينات الدراسة، وهو وضع جعل الكثير من الأطفال بعيدين عن الإنتظام في صفوف الدراسة لقلة المدارس، كما أن المدارس القليلة الموجودة بالمنطقة تستخدم مناهج أجنبية يتم تدريسها بواسطة مدرسين أجانب وبعض أبناء المنطقة، ويضطر بعض الآباء، ممن يملكون الأموال، إلى تسفير أبناءهم إلى بعض الدول المجاورة، مثل جنوب السودان واوغندا أو كينيا، من أجل إكمال مراحل التعليم الثانوي والجامعي، خلال هذه الفترة خرج الكثير من الأطفال من نظام الدراسة، مما جعل أي إطالة لفترة بقاء النظام هو ازدياد لنسبة الفاقد التربوي بالولاية، وبالتالي إستمرار الفقر والجهل، وكلها أشياء قد تعيق أو تأخر إحداث أي نمو بالمنطقة.

     تسببت الحرب في تدمير المشافي وتفريغها من كوادرها، بحيث لا يؤجد في كل الاقليم إلا عدد قليل من الاطباء المتطوعين بإمكانيات قليلة جداً، يعاني الأطفال من الكثير من الأمراض المرتبطة بغياب اللقاحات والأدوية وسوء التغذية، وبحيث أن الحرب عزلت المنطقة عن كل المدن السودانية ترتب عليه صعوبة إيصال المساعدات إلى المنطقة، ويبدو جداً أن نهاية الوضع المأساوي هذا رهن رحيل النظام.

     تمتلئ معسكرات النزوح بولاية الوحدة بجنوب السودان بعدد كبير جداً من اللاجئين السودانيين، من منطقة جبال النوبة، وفي ظل سوء الأوضاع الإنسانية والسياسية في جنوب السودان فإن هولاء المواطنين السودانيين يعانون الأمرين، وهم يعيشون في ظروف بالغة التعقيد، اعتماداً على إعانات بعض المنظمات الأجنبية والخيرين من أبناء المنطقة. ينتظر هؤلاء بفارق الصبر انتهاء حالة الحرب ليعودوا إلى مناطقهم، ويمارسوا نشاطاتهم الحيوية الطبيعية، ولهذا خرجوا عند بداية الهبة وهم يحملون لافتات تدعم الثورة السودانية، والتي تحمل بداخلها احلامهم التى طال انتظار تحقيقها.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان