الرئيسية / احدث التدوينات / حوارات خاصة: حوار مع الشاعر والروائي المغربي محمد البوعبيدي

حوارات خاصة: حوار مع الشاعر والروائي المغربي محمد البوعبيدي

حاوره: إبراهيم الروسي

    “أنا راض عن المغاربة كأدباء مرموقين كبار، ولهم باع في شتى الفنون، ولهم مواهب وقرائح، بحيث تراهم يفوزون بشتى المسابقات في الكثير من دول العالم، ولكني لست راض أبداً عن المسؤولين عن الشأن الثقافي في البلاد، فهم لا يتعاملون كمحترفين، ولا يعطون للثقافة الأهمية التي يعطونها للصفقات، ولكي تنجح في طموحك الأدبي، يصير لزاماً عليك مغادرة البلاد…” هكذا يقول ضيفنا الشاعر والقاص محمد البوعبيدي، الذي يعرف نفسه بأنه ولد في الفاتح من يوليو 1973 ونال درجة الباكالوريا في الأدب العصري، ثم دبلوم الدراسات الجامعية في الاقتصاد بجامعة محمد الخامس برباط، بدأ يكتب الشعر منذ سن مبكرة وامتد اهتمامه ليشمل القصة والمسرح، صدرت له ديوان “جنون اليرقة” 2014، ديوان “الطلقات” 2016، رواية “المذنبون”، ثم رواية “الخادمة” عام 2018.

    – بداية، نبارك لك صدور روايتك الثانية “الخادمة” وقبول ترشيحها لجائزة “كتارا”

     * شكرا لكم، نتمنى الأفضل دائماً.

 

    – لكل أدب ذاتيته وطابعه الخاص، فالمكان يلعب دوراً كبيراً في تشكيل ملامح الأدب ويعطيه هويته الخاصة، ما هي الملامح الشخصية التي تميز الأدب المغربي عن غيره؟

     * طبعاً لكل أدب ذاتيته وخصوصيته، والأدب المغربي متميز في كل شيء، حتى الغناء المغربي واللهجة المغربية، بل إنه لا يصدمك حتى الحديث عن اليهود المغاربة.

     الموقع الجغرافي للمغرب بين إسبانيا الأندلسية شمالاً، والجزائر الفرنسية شرقاً، وبلد المليون شاعر جنوباً، أضفى على نتاجه الأدبي الكثير من التنوع، وهو أمر يمكن تغذيته بالإستعمارين إن صح القول، الفرنسي والإسباني. لا تنس كذلك الكثير من ملامح الفن الإفريقي القادم من السودان وغانا ومالي، وذلك منذ الإمبراطورية السعدية للمنصور الذهبي.

     – باعتبار المغرب أقرب إلى المركزية الثقافية الأوروبية، ولا يفصل المغرب عن أوروبا إلا البحر، إلى أي مدى أثرت الثقافة الغربية على الكُتاب المغاربة؟

     * ليس هناك تأثير فقط، وإنما هناك تفاعل كبير بين الثقافة المغربية والأوروبية، باعتبار البعد العربي الأندلسي الحاضر بقوة بين المغرب وإسبانيا، ولا يكفي هنا الإستشهاد بـ”غارسيا لوركا” الغرناطي العربي، أو حتى بسيرفانتس الذي عاش بضع سنين على الشاطئ الجزائري وابتاع “دون كيشوت” لتاجر عربي بحفنة عدس. كما أننا قد نقف طويلاً أمام كتاب طنجة خلال القرن العشرين، وفيهم أمريكان مثل “بول بولز” و”تينسي ويليامز”، وفرنسيون مثل “جان جينيه”، واسبان مثل “خوان غويتيسولو”، ومغاربة مثل “محمد شكري”. هنا لا يمكننا إنكار التأثير والتأثر بين الثقافة المغربية ونظيرتها الغربية.

     – ذات السؤال: إلى أي مدى نتلمس أثر الثقافة الأفريقية والعربية على الأدب المغربي، وأيهما أكثر تأثيراً في رأيك؟

     * الثقافة المغربية تتميز بالتنوع، وتنوع الكتابة هو دليل على تنوع المشارب، العربية والإفريقية والأمازيغية والأوروبية. فأما البعد الإفريقي فهو حاضر بقوة باعتبار عامل الجوار والتاريخ المشترك، لا تنس أن موريتانيا وغانا كانتا تابعتين للمغرب، وأما البعد العربي فهو واضح وجلي، يكفينا مثلاً أن مؤسس الدولة الإدريسية كان عربياً، وأن يوسف بن تاشفين نفسه كان يكن الولاء للدولة العباسية، وأن يعقوب المنصور الموحدي كان يتفاعل مع صلاح الدين الأيوبي في حروبه ضد الصليبيين، وبذلك فإن المجال كان مفتوحاً حتى للمذاهب الإسلامية للرسو بأمان في المغرب، ولنا في مؤلف النبوغ المغربي للراحل عبد الله كنون عبرة كبيرة.

    – هل أنت راض عن الواقع الثقافي المغربي؟

     * هذا سؤال آخذه من جهتين: أنا راض عن المغاربة كأدباء مرموقين كبار، ولهم باع في شتى الفنون، ولهم مواهب وقرائح، بحيث تراهم يفوزون بشتى المسابقات في الكثير من دول العالم، ولكني لست راض أبداً عن المسؤولين عن الشأن الثقافي في البلاد، فهم لا يتعاملون كمحترفين، ولا يعطون للثقافة الأهمية التي يعطونها للصفقات، ولكي تنجح في طموحك الأدبي، يصير لزاماً عليك مغادرة البلاد، والبحث خارجها عمن يثمن عملك ويعطيه القيمة التي يستحق.

 

     – سؤال تقليدي ولكنه مهم: كيف بدأ شغفك بالكتابة وكيف توطد؟

     * طبعاً أنت في الكثير من الحالات تجد للكاتب قصة معروفة مع الكتابة، ومن ذلك ما رواه مثلاً “محمد شكري” من أن السبب في شغفه بالكتابة كان هو استهزاء أحد الأصدقاء به وازدراؤه له، والأمثلة لا تتشابه بالطبع، فلكل دوافعه، أما بالنسبة لي، فقد كان لأحد أساتذتي للغة العربية دوراً كبيراً في الإنتباه إلى لذة الشعر، فبدأت بالحفظ، حتى وجدتني أنظمه وأكتب مذكراتي، ثم القصة والمسرح وغيرها، وما وطد هذا الشغف، هو فوزي المتكرر بالمسابقات الشعرية المدرسية.

 

     – محمد البوعبيدي من كتابة الشعر إلى كتابة الرواية، ما أسباب ودوافع هذا التحول، هل تعتقد بأن هذا العصر هو عصر الرواية بلا جدال، وصارت للرواية سوق أكبر، أم أن لديك مبررات أخرى؟

     * لا أنكر أني أحس نفسي شاعراً أكثر من أي شيء أخر، إلا أن تحولي إلى الرواية كان عفوياً وبداعي الحاجة إلى تطوير التجربة الإبداعية، ثم لأن الرواية هي ديوان العرب، على الأقل هذا ما يفرضه سوق الثقافة وما تستنتجه الدراسات الحالية، إلا أن تحولي ليس نهائياً.

     – يقول البعض من يترك الشعر من الصعب أن يعود إليه مرة أخرى، فمن يخون الشعر مرة يتركه الشعر إلى الأبد، هل تعتقد بأن تحولك إلى كتابة الشعر خيانة للشعر، وهل ما تزال تكتب الشعر أم أن الشعر تركك إلى الأبد؟

     * لم أخن الشعر ولم أتركه، وأعرف أنه لن يتركني لأن الشعر لا يترك من يحبه. ولا زلت أمارس الشعر كما كنت في السابق، أكتب الشعر وأعيشه ولا أرى نفسي بعيداً عنه.

     – بأي شعراء تأثرت؟

      * أكثر الذين تأثرت بهم في الأول هم القدماء، الحديث هنا عن المتنبي والمعري والجاحظ و شعراء ما قبل الإسلام. في السنين الأخيرة بدأت أطلع كثيراً على الأدب الغربي، الأمر الذي رماني في أحضان بعض رواده عن رامبو و نيرودا و لوركا و دانتي. والمعروف أنك لا يمكن أن تجزم في هذا الأمر، لأن الأسماء تتشابه كثيراً.

     – ما نوع الشعر الذي تكتب؟

      * وأنا كذلك شاعر، والشاعر ابن بيئته كما يقال، والبيئة الشعرية اليوم تكتب الشعر العمودي وقصيدة النثر، أنا كذلك أكتب كل ما يسقط بين يدي كما يأتي إليّ، إلا أنه وجب عليّ إخبارك بأني ابتدعت قصيدة أسميتها الطلقة، هي شبيهة بالومضة أو البرقية أو اللافتة، إلا أنني أراها تختلف في أمور سيأتي الوقت للتعريف بها.

     – يذهب البعض بأن قصيدة النثر هي صاحبة السطوة الأن، ماذا تقول في ذلك؟

      * أنا من الشعراء الأكثر تأثراً بالعمودي، ولا أنكر سطوة قصيدة النثر التي ظهرت وتطورت وفقاً لظروف معينة، ولكني أفضل الإيقاع الخارجي، والقافية واللغة الفصيحة.

     – يعتبر العنوان العتبة الأولى للولوج إلى داخل النص، ومن الموجهات المهمة لدخول أي كتابة سردية، الملاحظ أنك تبتعد عن الأسماء المركبة في تسمية في أعمالك، هكذا (المذنبون، الخادمة…) ما هي الدلالات التي تحملها هذه الأسماء؟

     * العنوان بالنسبة للروائي، يمثل إشكالية مركبة، قد يتغير رأيك فيه خلال عملية الكتابة، وقد تغيره مرات، وقد لا تستقر على العنوان المناسب إلا بعد مدة، وذلك لأنك لست وحدك من يكتب، ولكن الشخصيات هي كذلك تكتب نفسها، والقارئ كذلك حاضر بقوة، هذا لا ينفي بعض الحالات التي يكون العنوان فيها محسوم سلفاً. عناوين رواياتي لم تكن مقصودة، ولكنها جاءت وصفاً لفحوى الروايات، فالمذنبون كناية على الإنسان، والخادمة كناية على المرأة ودورها في الحياة.

     – لماذا اخترت (المذنبون) كعنوان لروايتك الأولى رغم أن هنالك رواية لنجيب محفوظ تحمل ذات الإسم؟

      * “المذنبون” عنوان بالنسبة لي، يعبر تماماً عن الحالة التي أريدها للرواية، وله رمزية خاصة كذلك، أما رواية “نجيب محفوظ”، ورغم سبقها فهي لا يمكن أن تجعلني أغير اسماً صحيحاً ليس ملكا لأحد.

     – في روايتك المذنبون هنالك مزج بين ديوان العرب القديم (الشعر) وديوان العرب الجديد (الرواية)…حدثنا عن هذا الأمر، وهل من الضروري أن يكون الراوي شاعراً؟

      * كان العرب قديماً يستعملون الشعر في كل شيء، وعبر عنها أبو فراس الحمداني حين قال: الشعر ديوان العرب أبداً وعنوان الأدب. حينها كان العرب أقويا فكرياً وثقافياً، الشعرعند الغرب لا يحتل مكانة متقدمة كما النثر، ولذلك فنحن تابعون للغرب الذي فرض علينا سيادة الرواية، فصارت اليوم ديواناً لنا نحن كذلك.

     ليس من الضروري أن يكون الراوي شاعراً، ولكن الراوي الشاعر يكون أجمل أسلوباً ولغة. هذه ملاحظة، لكنها ليست قاعدة.

     – الرواية عمل سردي متخيل، لكن في نفس الوقت ليست جزيرة معزولة عن الواقع، إلى أي مدى عالجت أعمالك (المذنبون، الخادمة) القضايا والأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في وطنك الكبير (المغرب) ثم في مكان نشأتك مدينة (عين عودة)؟

     * لا أخفيك سراً بأني لا أؤمن كثيراً بأن هناك كتابة روائية بعيدة عن الواقع، كل ما نكتبه نستقيه من ذاكرتنا أو من لاوعينا، لا يمكنك أن تكتب إن لم تتمثل ما تكتبه وتتخيله واقعاً يتكلم ويتحرك وله صورة محددة. ما أكتبه أعيشه، هو تعبير عني وعن أشجاني وأفراحي، وكذلك أشجان الناس من حولي وأفراحهم. الكتابة بالنسبة إليّ تنديد ورفض وإعلان وشجب وتعبير عن كل ما أحسه في معيشي اليومي.

      “المذنبون” سيرة شبه حقيقية معيشة، وكذلك “الخادمة” مع بعض التصرف في الأسماء والأحداث، وبذلك فكلاهما تعبران عن واقعي الصغير والكبير في كل دقائقهما.

     – تعرف نفسك بأنك باحث في التراث الزعري، حدثنا عن بعض من تراث هذه القبيلة، ولماذا يعتبر المجتمع الزعري مظلوماً في المغرب؟

      * أولاً أنا لست مختصاً في التاريخ، ولكني أهوى البحث التاريخي وأتعاطى معه كثيراً، وقد اكتشفت بأن تاريخ القبيلة التي أنتمي إليها “زعير”، كمثل الكثير من القبائل، يعاني من الكثير من الشح في المعلومات التاريخية، وبذلك نذرت نفسي للتعريف بها عن طريق نشر مجموعة من المعلومات والمقالات التي أجدها هنا أو هناك، بل وقد كتبتها شعراً كذلك.

      بالنسبة للظلم، الحديث هنا عن شح في المعلومات التاريخية، والتي من بينها أن أول من أطلق الرصاص على المستعمر الفرنسي هو “محمد ولد التايكة الزعري”، لكن مصادرنا التعليمية لا تتطرق لهذا، والأمثلة كثيرة.

     – هل وظفت هذا التراث أيضاً في كتاباتك الروائية؟

      * قلت من قبل أنني أوظف كل ما أعرفه وكل ما أعيشه وكل ما حثل في ذاكرتي في عملية الكتابة، وذلك لأن أجمل خيال قد تتخيله، ستجده هو الواقع نفسه، وقد أتطرق في بعض الحوارات الموجودة في رواياتي إلى أمور تراثية، إلا أني سأعلن لكم حصرياً بأني هذه الأيام بصدد تأليف رواية تاريخية حقيقية من تراث زعير، انطلاقاً من سيرة ذاتية تركها واحد من خيرة الرجال في هذا الوطن، وسيأتي الوقت لاحقاً للإعلان عنها.

     – الملاحظ أن كل أعمالك الروائية صدرت عن دار ببلومانيا في القاهرة، لماذا اخترت القاهرة كمدينة لنشر أعمالك، هل هنالك صعوبات نشر في المغرب؟

     * أولاً لقد سبق لي إصدار عملين سابقين في المغرب، وهما ديوانا شعر: “جنون اليرقة” و”الطلقات”، وقد كان الملاحظ هو قلة التفاعل سواء من طرف القراء أو من طرف الناشرين الذين رأيت أنهم يشبهون المقاولين في معاملتهم، فما كان مني إلا الرغبة في البحث عن واقع جديد لتسويق إبداعاتي، ومن ثم كانت ببلومانيا هي الإختيار الأول والأخير بالنسبة لي، بالإضافة إلى أن ما يروج وما نعرفه هو أن القاهرة مدينة تساعد على الإنتشار، وقد انطلق منها كتاب ومبدعون كثر، منهم مغاربة كذلك.

     – كثير من الكُتاب يقولون بأن من يعمل في الكتابة تزوج بالفقر إلى الأبد. إلى أي مدى هذا القول صحيح؟

     * نعم صحيح، قليلة هي الحالات الشاذة عن هذه المقولة، فالعلماء والصلحاء والفقهاء والمفكرون على مدى التاريخ كانوا فقراء، فتراهم يحترفون الخياطة أو الرعي أو مثلهما، هذا ليس في الكتابة فقط، ولكنه في جل ضروب الإبداع، وقد أذهلني الممثل “عبد السلام النابلسي” حين كان يحكي عن الخصاص الذي كان يعيشه فريد الأطرش، وهو الفنان الكبير الشهير، وابن الأمراء.

     – ما هي مشاريعك القادمة؟

      * هنالك مشاريع عدة أنهيتها ولم يبق لي إلا إرسالها إلى المطبعة:

      مجموعة قصصية: الشبر الخامس وقصص أخرى.

     ديوان: الطلقات، في حلة جديدة.

     رواية بعنوان زوجة القاتل.

     ومشاريع سأبدأ بها قريباً ومادتها مجمعة:

     رواية: مهاجر من أجل البلد (سيرة ذاتية تاريخية)

     ديوان الشعر العمودي.

    إقتباسات من رواية “الخادمة”:

“أتعلمين يا “نبيلة” أن الكلب أوفى من البشر، يحرسك بالمأكل والمشرب والمنام فقط، لا يسرق، لا يكذب ولا يغدر، بل أنه لا ينام من أجلك، ومن أجل مراقبتك، الأغنياء يا “نبيلة” يثقون في الكلاب أكثر من أهلهم…”.

“الحياة لا تعاملنا كأفراد، ولكن كحالات، هكذا بدأت أرى الأشياء…”.

“كل الحروب التي تحدث في تاريخ البشر لا تفيده، أكثر من أنها تدفعه أجيالاً إلى الوراء حتى ولو كان منتصراً…”.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة