الرئيسية / احدث التدوينات / دقيقتان ونصف صمت في تكريم تنين الحكمة

دقيقتان ونصف صمت في تكريم تنين الحكمة

بقلم: أسماء سعيد

(1)

     كمناديل قبعة الساحر، تتزاحم الأفكار ثم تخرج بعشوائية، مختلفة ولكنها مرتبطة جميعاً بشيء واحد، تسرقه منها زحمة السير، ثم تنقشع واضحة مره أخرى أمام براعته في القيادة، كل شيء إحساس، إحساس بالسرعة والمسافة بين السيارة والأخرى، طول الشارع أو قصره، ولكن! الإحساس مثال سيء لمبدأ عدم التأكد، فيلقي نظرة خاطفة على مقياس السرعة، الأرقام هي امتداد للإحساس أو مقياس له، كما يكون المشرط امتداد لإصبع الجراح البارع.

     ينظر إلى علامات الاستفهام المرسومة في شريط الرسائل التي لم يفتحها منذ البارحة، صديقه الذي يقيم في ولاية (أوهايو) يسأل للمرة الثانية عن موافقته على عقد العمل، حتى يباشر ما تبقى من إجراءات، أربع شوارع وإشارة مرور تفصل منزله عن الجامعة. يهبط عليه للمرة الثالثة هذا الصباح نفس المشهد، الطالب المتشنج على الأرض، وسط تجمع الطلاب، إصرار أصدقاءه على إصابته بالصرع كاد يقنعه، لكن يده المتوسلة مع صرخة باسم المخدر المشهور فضحت كل شيء، هو رجل الأرقام، لذلك يعلم جيداً أن طالباً واحد من العشرون طالباً الذين يمرون أمامه الآن قد تعاطي المخدر، حسب آخر إحصائيات للأمم المتحدة، إذاً لأي درجة يمكن أن يكون الوضع سيء الآن؟ هو رجل الأرقام إذاً؟ ثلاثمائة ألف أستاذ جامعي غادروا البلاد في الشهرين المنصرمين! المحاسب الجيد يعلم جيداً كيف يقوم بتصفية شركته المفلسة باتزان واحترافية، يسدد الديون، يبيع كل شيء بترتيب وإتقان تام، ولكن عندما يدق جرس المزاد يتولد هناك شعور آخر.

     تخرج فكرة عشوائية (كيف يستطيع أن يزيد جرعات التربية دون أن يمس بالمدلول القوي والرسمي للعلم)؟ تقول الأسطورة اليابانية أن التنين يتمتع بقدرات خارقه، مثل: العيش في أعماق البحار، والمشي فوق السحاب، بالإضافة لقدرته وسرعته المخيفة في الطيران أيضاً، والمحاكة والتشكل كسلسلة من الجبال تغطيها الخضرة، أو التحول إلى إنسان في الوقت الذي يريد، لأن التنانين فى قديم العصور قد تزاوجت واختلطت مع الجنس البشري. في إرث الشرقيين كل أسرة تتمنى أن يصبح مصير إبنها كمصير التنين (لونغ)، يملك مستقبلاً باهراً، ويكون قادراً بفكره اللين وجسده المرن على تحدي الصعاب مهما كان مصدرها، لذلك في المعابد التي يتم فيها تعليم الأبناء في عزلة وتشيد بها على شرف التنين الذي تستمد تعاليمها من صفاته، وتنقش صوره والتعاليم المستقاة من روحه على جدران المعابد، السقوف العالية تتماهى برسومات تحمل شكله، تبدو عشوائية، لكنها مرتبطة بنمط واحد في الترتيب، وذلك للاعتقاد السائد أنه يحرس ويحمى كل ما هو ثمين من الحرائق والسرقات، إن رمزية التنين ليست في الشرق فقط لطالما التصقت الكلمة بمرادف الحكمة والنبل،  يقولون من يشرب من دمه يستطيع فهم لغة الطير،  وعند الإغريق ذلك الذي يومض أو وذلك الذي يرى هي الترجمة الحرفية لكلمة تنين.

(2)

     لم يكن لدى د. الطيب عثمان، وهو ينتظر انقضاء اللون الحمر من الإشارة أي فكرة، أن كلمة (ثعبان) هي الرابط في قصته، إذا أخذنا رمزية الثعبان الملتف حول كأس، فوق رؤؤس لافتات الصيدليات، (استكليبوس) الثعبان الذي مد الطبيب بنبتة الحياة حسب الأسطورة الإغريقية.

    القرية التي أخذت اسمها من كلمة (شبرق)، تعنى النبات القوي تشابه في احتفائها بالعلم الشرقيين، فهي أول قرية محت الأمية عام 1975، يشتهرون بالزراعة والتجارة والتعليم، كانت المعلمات منها في ذلك الزمن ينشرون العلم في جميع أنحاء السودان مع إجلال واحتفاء كبير من ذويهم.

     طلاب الداخليات هم الأكثر قدرة على اقتناص طعم العدس مهما بلغت درجة تخبئته، مثل زخات زرقاء على كراسة طالب يكتب بالحبر السائل لأول مره، متناثرون بعشوائية كخيام البدو هناك حول (دكان البوش)، تتناثر حبات العدس وبقايا الفول حول زوايا أفواههم الضاحكة، تتعالى الضحكات مرة أخرى، والتي تترجم دائماً بسوء النية من السيارات المارة، إذ لا يمكن لحديث بريء أن يستعدى كل ذلك الضحك لكنهم لا يلاحظون هو يلاحظ في الانعطاف الأيمن قبل شارعين من الجامعة، أنهم يتقاسمون أيضاً صيات الشمس الحارقة، بنفس البراءة، لا يهم مادامت الشطة حارقه والطعام حادق، منحشرون وسطهم هناك كخياط محترف فى سرقة أغلى أنواع القماش يعرف كيف يقيس مسروقاته جيداً بدرجات، الحاجة، المجاملة، التجريب، بحركة هسترية يخيط كل شئ مع بعضه البعض حتى يحصل على الانتباه، وأثناء اللغط يقص ما أخفى تحت قدميه بمقصه السريع، عندها لا تكون حياتك قد تعقدت بعضها فوق بعض فقط، بل قام بسرقة الجزء الأهم، فالجامعات هي أكبر سوق لهذه التجارة.

(3)

    في معابد تنانين الحكمة، لا يجب أبداً على المحارب القدوم بدون أسلحته، الأبخرة المتصاعدة من داخل قاعات الامتحانات ستتداخل مع علامات التعجب، إذا صورت بكاميرا ثلاثية الأبعاد، الذهول دائماً ما يكسو وجوه الطلاب الذين يقومون بمضغ الكتب، ثم تقيئوها مره أخرى على الورق، دون أن يتذوقوا منها أي طعم، ضع دائرة في سؤال جبري أو عرف لكلمة منزوية ووحيدة، هنالك في آخر سطر في المرجع، الأبخرة الساخنة تتحول مع الوقت إلى شرارة صغيرة، لا تحرق بقدر ما تحول الطين اللين إلى فخار قوى ومتزن، ففي معابد تنين الحكمة إذا لم تكن محارباً جيداً ستُلسع بألهبة النار إذا لم تستطيع أن ترى بها.

    عندما فتحت البوابة الخاصة بالمعلمين أمام سيارته، أتته فكره عشوائية أخرى، إذا أرسل الموافقة الآن قد تكون هذه أخر محاضرة له! لكنها فعلاً الأخيرة، مادة تحليل البيانات، التي قام من خلالها خلال الثلاث أشهر السابقة بمد طلابه بأدوات الإحساس بالقياس والمنطق، كما تقوم حليمات اللسان التذوقية باستشعار الطعم بالتوازي مع إشارات العقل وبدائية الإحساس، لكن اليوم الأمر مختلف، سيقوم اليوم بإظهار كل عيوب هذه المؤشرات، ليرسل لهم رسالة واضحة: إنه حتى العلم غير ثابت أحياناً، ولا تستطيع البناء والاعتماد عليه، يقول التنين: “إن مثل هذه الهزات كفيلة بأن تنبت بعض الشعيرات التي تجعل تلك القشور النامية حديثاً أكثر لمعاناً وقوة وقدرة على التحليق.”

    أثناء صعوده في السلم، وقبل درجات بالضبط من باب القاعة، أتته الفكرة: إذا كان قد ظل طوال الفترات السابقة يُنمى في طلابه الإحساس بالمسؤولية والثبات، إذن عليه أن يشركهم في القرار أو حتى يطلعهم عليه قبل اتخاذه.

(4)

    أحس ببعض شعيرات جسده ترتجف، ثم نبتت إلى الأعلى حول عنقه وكتفيه، دقيقة بحجم الإبرة، لم تؤلمه، كأنها كانت موجودة منذ الأزل، عندما دقق وجدها تفرز ماده لزجه وغريبة، وعند فتحه لباب القاعة، تحولت عيناه إلى اللون الأحمر، على غير العادة لم يعنى ذلك أي شيء للطلاب، فصوت  الأمطار التي انهمرت فجأة كان قوياً، ظلوا يراقبونها بخوف، بأطراف أعينهم أثناء جلوسهم على مقاعدهم، التيار الكهربائي الذي انقطع فجأة وجعلهم عاجزين، فقاعتهم التي تقترب من السطح الذي لم يكتمل بعد، وتبتعد عن الأرض عشرون سلماً درجاً مظلماً، لن يستطيعوا الخروج منها بالمصعد الكهربائي الذي صعدوا به، لكن صوت مدوي ومكتوم، كإقلاق قمرة سفينة عظيمة جعلهم يجفلون، سمعوا الصوت المقاوم كإهتزاز أشرعة كبيرة وعملاقة بوم… بوم، وعندما اقتربوا من النوافذ، رأوا الكائن العملاق يحلق وأجنحته العظيمة تضرب الهواء بقوة، فتحرك السٌحب التي بدأت في التشقق بسبب تراكمها بقوة زيله العجيب، تصادمت، وأنبلج البرق مضيئاً في شكل ضوء طويل، بقوة الكائن العجيب! الذي بدأ بالتحليق بصورة رأسية إلى الأعلى، حتى تحولت القشور رمادية اللون التي تلتصق بجسده إلى اللون الأصفر، عندها فتح جناحيه الكبيرين إلى أقصى حد، ظهرت الخطوط التي تفصل أجنحته كمفاصل مراوح عملاقه ملتصقة بعضها البعض، الضوء كان معتم بالداخل مع عمق تلك الأجنحة لكن عندما يصل إلى الأطراف كان يتحول إلى لون النار، عندما دققوا النظر لم يرو الانعكاسات اللونية لقوس قزح الذي ظهر للتو بعد توقف الأمطار، أو قطع السُحب الرمادية تتساقط كقطع قطن رمادية اللون إلى الأسفل، لكن في الضوء الذي كان يومض ويختفي تحت جناحه الأيمن كانوا قد تعلموا كل شيء.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة