الرئيسية / احدث التدوينات / ذاكرة الخراب

ذاكرة الخراب

بقلم: عاطف جمال

     عندما قامت الحرب كنت صغيراً، أرضع أصابع يدي، وكنا نلعب (أم الجحير) والغميضة مع أحمد ومبارك وألاء. في اليوم الذي سبق اندلاع الحرب كنّا قد خططنا لإقامة سباق الترتارات في الميدان المجاور لمنزل أحمد، حيث كان يتوسط منازلنا وتطل أبوابنا عليه. وفي الصباح قبل أن ترسل الشمس أشعتها، قامت أمي كعادتها بعد أن تؤدي فريضة الصلاة بحلب الأبقار، ثم أيقظتنا لنشرب اللبن، ونذهب إلى المدرسة.

     في ذاك الصَباح من شهرِ فبراير، تسللتْ شَمسُ الصباح بلُطْف من نافذة الحياة إلى قريتنا، ظلها الكثيف قد بدأ يستقِر على الأرض، تحت المباني القصيرة والأشجار، مائلٌة نحو الغرب. خلف المباني كان الصباح يضحك على الأرض التي تلونتْ بلون الذهب، وعلى الماعز المتوزعة في الزرائب وخلف بيوت الطين، صرخات عصافير ثاقبة وهي تُحلّقُ في السماء. وفي ذلك الوقت تحديداً كنا قد أخذنا مواقعنا في فصول المدرسة، لنبدأ بحصة الرياضيات كعادتنا. 

     لم يمضِ أستاذ عبد الله بالفصل سوى دقائق معدودة، حتى غادر ليجلب مزيداً من الطبشور الملون من مكتبه، وقد تنفسنا نحن الصعداء في تلك الدقائق، وعلى غفلةٍ منَّا سمعنا أزيز الرصاص، كانت الأصوات تأتي من كل صوب، دون أن ندري ما نفعل. تزاحمنا حول باب الفصل والنوافذ، فقفز أصحاب السيقان الطويلة من النوافذ، أما قصيري القامة أوتاد الأرض تزاحموا حول الباب، لكنهم تراجعوا عندما رأوا الحشود العسكرية تتقدم نحو مكاتب المعلمين. 

     تلونَت السماء بالرصاص، اختبأ الذين لم يستطيعوا القفز تحت الأدراج. أصبحت القرية خراباً، حيثما تنظر، ترى أماً تجري نحو المدرسة لتحضن أبنائها وبناتها، لا يخيفها أزيز الرصاص وسيارات اللاندكروزر الممتلئة بالجنود والأسلحة الثقيلة. وقتها كان حسن، طفل العاشرة، يخرج رأسه من النافذة ليرى ما يحدث في الشوارع ومحيط المدرسة، كان فضوله أكبر من أن تخيفه رصاصة، وكانت روحه جميلة كصوت أمٍ ترتِّل لطفلها أحاجي الجدات لينام؛ عندما لم يستطع رؤية ما يحدث في محيط المدرسة، تحرك نحو باب الفصل الذي كان خالياً سوى منه، اخترقته الرصاصة من حيث لا يحتسب، لم يشعر بها، عاد خائفاً ليختبئ تحت درجه مرة أخرى، لكنه الألم لا يستطيع الإنسان الهرب منه وإخفاءه. تحول قميصه الأبيض إلى لون الدم، هرب منه بقية زملائه في البدء، ثم التفوا حوله كجوقة، كقطيع أسود تريد أن تنقض على فريستها، حملوه على أكتافهم نحو مكتب مدير المدرسة، فقد كان خفيفاً مثل ريشة، أنزلوه ببطء، لم يكنْ من السهل حمله إلى المستشفى في ظلِّ تلك الأوضاع المخيفة، حاول المدرسين ربط مكان الطلقة بخرقة حتى لا يفقد دماً أكثر، أغمض المسكين عينيه وراح في نومته الأبدية. 

    ناحتْ أمه وبحَّ صوتها، تعالت أصوات البكاء في المدرسة وكل القرية، تحولت ساحة المدرسة ومحيطها إلى نقطة تجمع للرجال والنساء، الأطفال والشباب، حملوه على أكتافهم نحو بيتهم، حيث لا توجد سيارة إسعاف في تلك القرية. بكتْ القرية كما لم تبكِ من قبل، وأصوات القرآن تملأ ساحة المقبرة، وكانت تلك أول مرة تذهب فيها النساء بصحبة الرجال إلى المقبرة، حيث كسرت قيود العادات والتقاليد في تلك اللحظة.

    غربتْ شمس ذلك اليوم الحافل بأجواءِ الحزن والخذلان، وحلَّ الليل معتقاً بسديم عتمة، ولم نجتمع في الميدان لنلعب الغميضة، تناسينا سباقنا عن قصد، فالحزن امتلأ بكل البيوت، حضنتْ كل أمٍ أطفالها، كفكتْ دموعها وهي ترمق بعينيها الحزينتين منظر الألم الذي يطغى على وجوهم. 

    في صباحِ اليوم التالي، كانت الشمس تكِر على القرية، الأرض سكرى بلهب القيظ، العرق يتصبب على الوجوه، وكأنَّ الشمس تريد أن تتضامن مع رحيل حسن بإرسال مزيداً من أشعتها؛ اختفى الجنود الذين كانوا ينخرون أحشاء الليل بسياراتهم، فتحتْ المتاجر أبوابها كعادتها، الحزن لا يمنع الحياة في تلك القرية، ذهب الطلاب إلى مدارسهم، ولم يذهب حسنْ. 

    من أقصى أحياء القرية، كان الصوت، ذلك الصوت تغلغل إلى مسامعنا، لم نكنْ ندريه ولكننا هربنا، من الأبواب والنوافذ، ركضنا إلى منازلنا، أغلقت المتاجر أبوابها، عمَّ السكون أنحاء القرية سوى من ذلك الصوت القادم نحونا، لم تمرْ سوى دقائق معدودة حتى وصل إلينا الصوت، كانوا أناساً يركبون الخيال والجمال، يحملون الأسلحة، يطلقون الرصاص في كلِّ اتجاه، تساقط الرجال الذين قابلوهم بالسلاح، امتلأت القرية بالدماء، رجل خلف رجل، تم محاصرة القرية من كل الاتجاهات بسرعة البرق.

     احتضنا جميعاً تحت الأسرة وخلف الستائر، اشتعلت النيران، خرجنا من تحت الأسرة إلى الفضاء العريض، ركضنا نحو بيوت الجيران، وخرجنا بعيداً عن سماء المكان، قابلنا جموعاً من الناس الذين نعرفهم ولا نعرفهم، نظرنا إلى وجوه بعضنا البعض وركضنا، وركضنا، كلما ابتعدنا ظننا أننا ما زلنا قريبين من القرية. حينما تمكنَّ منَّا التعب، دخلنا تحت أشجار الغابة الظليلة وصمتنا، لا نتحدث إلاَّ بالإشارة، أمضينا ثلاث أيام على تلك الحالة، ثم عاد أربع رجال ليتسللوا إلى القرية ويعرفوا أخبارها.

     عادوا إلينا منهكين، لا ينظرون إلينا، تحدثوا إلى الرجال، ثم قالوا لنا: “دعونا نعود، قد اختفوا.” ركبنا على ظهر عربةٍ يجرها خيل، صامتين، يتقدمنا الرجال وتتبعنا النساء. عندما وصلنا كانت القرية رماداً، سوى من بعض البيوت المتهالكة، تحلقنا حول البيوت المحروقة، جثة هنا، وجثة هناك، لم يخلو بيتٍ من الجثث.

     في البدء حاولت الأمهات تغطية وجوهنا، لكنهنّ لم يستطعن ذلك عندما تكاثرتْ الجثث، حاول الرجال جمع كل جثث القتلى في مكانٍ واحد ودفنهم. بحثنا وسط البيوت المحروقة، نهض طفل من بين جثث القتلى وأجساد الجرحى وهو يتألم، ثم انتبه إلى يده المقطوعة، فراح يبحث عنها بين فوضى الأشلاء البشرية، وأعواد الخشب المحترقة وهو يبكي بحرقة، علّه لم يعثر عليها، عثر على يدٍ أخرى، لكنها لم تكنْ له، فقد كانت تبدو من شكلها أنها يد رجلٍ متقدم بالسن، التقطها ووضعها على معصمه، ثم نظر إليها ببلاهة، وراح يقفز بسعادة وسط الجثث والجرحى، وهو يصرخ: “لقد كبرت يا أمي .. لقد كبرت يا أمي.”

     رأيت أمي تمسح بيدها التي تبدو كمزهرية على شعره الخشن، تمكلني الغضب والفضول، ركضت نحوها وسألتها:

     – من هذا يا أمي؟!

     – إنه مبارك يا خالد، ألم تعرفه!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة