الرئيسية / احدث التدوينات / رسائل مخيمر علوان

رسائل مخيمر علوان

بقلم: عبد العزيز دياب

     “مخيمر علوان… مخيم…”

    همس لنفسه بهذا الاسم، راح يلفظ به بطريقة مسرحية فجة، تحسس الحروف الفخمة وقفز في مكانه ملوحاً كأنه اكتشاف، ذلك هو الاسم الذى ارتضاه ليكون المرسل الوهمي لخطابات يرسلها لنفسه بمعدل ثابت، كل أسبوع رسالة ممهورة بالاسم الكريم.

     كان ذهابه إلى مكتب بريد “العباسية” ليؤكد لنفسه أنه جادٌ، مكان بعيد عن محل سكنه لينزع الشك من قلوب الشكاكين، يتكبد السفر ونزيف العرق الذي لا ينقطع من جراء التزاحم، لكنها الفكرة ألبسته قميصها، وبنطلونها، وضعت على رأسه برنيطة خوجاتي، أمسكت بيده ليكتب على المظروف “المرسِل مخيمر علوان”، قذفه في ظلمة الصندوق الأحمر وابتسم لخياله الجامح، وعندما لم يبادله نفس الابتسامة تساءل: من هو مخيمر علوان؟

     فتش في ذاكرته واطمأن أنه لا يعرف أحداً بهذا الاسم، إذاً “مخيمر علوان” سيكون هو بطله، وملهمه، وأشياءُ أخرى كثيرة كان يفتقدها، بدأ “مخيمر علوان” يتلو عبر الرسائل حكاياه المفعمة بالشّر والطّيبة، بالخَيْرِ والجريمة، بالأمل واليأس، يقول أنا “مخيمر علوان” هل يحق لي أن أنسى وظيفتي وأذهب لأمارس عملاً آخر، ذلك أنني كنت موظفاً بمكتب تموين، أغادره كل ويوم وملابسي مبتلة بالدّقيق، وبحوزتي رغيف خبز، ما هو إلا جَسَد جريمة ارتكبها صاحب المخبز، دائرة، أو كأنه دائرة نصف قطرها خمسة سنتيمترات، تلك هي مواصفات الرغيف، وقد عرفنا في إدارة المكتب أن الفئران تتواطأ مع أصحاب المخابز، تأكل بكل شراهة أجساد جرائمهم، لذلك فأنا أمام هبة متواضعة عبارة عن مظروف بداخله ألف جنيه تجعلني أريح إدارة المكتب، وصاحب الفرن، والفئران، لكنني لا أدرى متى وكيف امتهنت العمل بالروبابيكيا، تسمح لن ستات البيوت البيض المصقولات بالصبغات والحمامات الفرعونية بدخول الشقق والفيلات لحمل ما تم الاستغناء عنه ويندرج تحت مسمى الروبابيكيا… بكيا… بكييييا…

     يدي الممسوسة بالشر والجريمة خطفت أسورة ذهبية ذات مرة، وفى مرة أخرى بشقة أخرى أطبقت كفى على رزمة مال فئة المائة جنيه، وفى مرة ثالثة خطفت نهد امرأة فاتنة كانت تُصَعّرَه للشمس، لكنني ورغم ذلك كله أنقذت بيتاً من حريق، وصغيراً من الموت، كان قد تسلق جداراً رهيباً، وراودتني سيدة ذات حسن وجمال عن نفسي وغَلّقَتْ باب الشقة، فهربت منها وتركتها تَقُدَ قميصي من كل شبر فيه، ومرة أخرى اغتصبت امرأة داخل حجرة نومها.

     ختم “مخيمر علوان” كلامه بنبرة مرتعشة، كان تترجرج معها ورقة الرسالة بأنه فكر في عمل شيطاني تجاه جاره السّكير، سيفتح له بالوعة المجاري ليسقط فيها ساعة عودته في منتصف الليل مخموراً وعقله طينة يابسة، يهذى بكلمات بذيئة يجرح بها أهل الشارع، لكنه تراجع عن ذلك العمل الشيطاني، اكتفى بأن يشاهده الجيران في جوف الليل وهو يرشق عتمة الفضاء بحصوات صغيرة.

    هذا ما جاء في رسالة واحدة من رسائل مخيمر علوان، لذلك كان له الحق أن يُجَنْ من انقطاع رسائله، ونسي أنه كان ملازماً السرير بسبب كَسْرٍ مضاعف في ساقه، لكنه عندما تعافى بدأت الرسائل تهطل، رسائل أخبرته بأنه قد فُصِلَ فَصْلاً تَعَسْفِياً من شركة “جمجم للأدوية والمستحضرات الطبية”، ورغم أنه لا علاقة له بالشركة ولا بالأدوية كان رد فعله غريباً، ثارت ثورته وراح يلكم الفضاء متوعداً إدارة الشركة، وبعد عدة أيام جاءته رسالة من الشركة نفسها تبلغه بأن إدارة “جمجم للأدوية والمستحضرات الطبية” قررت فَصْلَه نهائياً من العمل بسبب علاقته المباشرة والغير مفهومة بمخيمر علوان المنافس والعدو اللدود للشركة الذى كَبّدَها خسائر بملايين الجنيهات.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة