الرئيسية / احدث التدوينات / « في إشكاليات التعددية والمُساواة الثقافية »

« في إشكاليات التعددية والمُساواة الثقافية »

 

قبل أن نتمكنَ من تفكيكِ مسألة التعددية الثقافية، هناك حاجة إلى التمييز الضروري، بين ظاهرتين غالبا ما يتم الخلطُ بينهما: العيشُ المتنوع، والتعددية الثقافية، كعمليةٍ سياسية ويُقصَدُ بها، مجموعة السياسات الهادفة لإدارة التنوع.

من الواضح، أن تجربةَ العيشِ في مجتمعٍ مُعولم، ومختلط، مسألةٌ إيجابية، لكن التعددية كعمليةٍ سياسية، تعني شيئاً مختلفاً. 

فهي تصفُ التنوع، عبر إضفاءَ الطابعِ المؤسسي عليه، من خلال الإعتراف العام، والتأكيد على الإختلافاتِ الثقافية…

نعيشُ في عالمٍ حيثُ توجدُ صراعاتٌ عميقة بين الثقافاتِ التي تُجسد قيمًا مختلفة .. لدى مختلفِ الشعوبِ، قيمٌ ومعتقداتٌ وحقائق مختلفة، كثيرٌ منها غيرُ مُتسق، ولكنها صالحة في سياقها الخاص. 

تتطلبُ العدالة الإجتماعية، أن يتم التعاملُ مع الأفراد، على أنهم متساوون سياسياً، بل وأن معتقداتهم الثقافية، متساوية أيضاً، ومؤسسية في المجالِ العام..

وكما يقول الباحث الأمريكي آيريس يونغ: “لا يمكنُ أن تكون المجموعات متساوية اِجتماعياً، ما لم يتم التأكيد – والتأكيد العلني – على خبراتهم وثقافاتهم ومساهماتهم الإجتماعية”.

والإِشكال هو أن هذا النهج يؤدي إلى اِرغام الناس على الوصول إلى كنتوناتٍ عرقية وثقافية معينة، يتم تحديد الإحتياجات والحقوق بموجبِ الزوايا التي يُوضع فيها الناس، وهذه الزوايا ليست مبنيةً علىاِحتياجات السياسة العامة، بل لمراقبةِ الحدود الضيقة للطائفة، سواء كانت مادية أو ثقافية أو خيالية.

هذا الخلطُ بين التنوعِء باِعتباره تجربةً معيشية، وعمليةٍ سياسية، أثبتَ أنه محضُ خديعة. 

فمن جهة، سمحَ لليمينين بعرضِ مشكلاتِ التماسكِ الإجتماعي كإفرازاتٍ للهجرة، وتحويل قضايا الأقليات إلى مشكلة، كما أجبرت الليبراليين التقليديين، والمتطرفين على التخلي عن المفاهيم الكلاسيكية للحُرية.

دون الأخذِ بأهميةِ أن نُدافع عن التنوع كخبرةٍ معيشية – في وقتٍ شديد الحساسية، يشهدُ صعود الشعبوية، تحت مسمى الدفاع عن الديمقراطية أو الحُرية أو القومية. 

إن مفارقة التعددية الثقافية كعمليةٍ سياسية تكمنُ في أنها تُقوض الكثير من الأشياء القيّمة حول التنوع كتجربةٍ حيّة. 

عندما نتحدثُ عن التنوعِ، فإن ما نعنيه هو أن العالم مكانٌ فوضويٌ، مليءٌ بالاِشتباكاتِ والصراعات؛ هذا كُله مفيد، بشكلٍ ما، لأن مثل هذه الصدامات والصراعات هي جزء من المشاركةِ السياسية والثقافية. 

التنوع مهم، ليس بالضرورةِ في ذاته، ولكن لأنه يسمح لنا بتوسيعِ آفاقنا، من خلال التسامُحِ الذي يُغذيه النقاش والإعتراف، بالضرورة، ولمقارنة القيم وتناقضِ المُعتقدات وأنماطِ الحياة المُختلفة، وإصدارِالأحكام عليها، على مستوى الفرد، عبر الحوار وتحديد أُيها قد يكون أفضل أو أسوأ..

بمعنىً آخر، لأنه يسمحُ لنا بالإنخراطِ في حوارٍ سياسي يُساعد في خلقِ لغةٍ مُعولمة للمواطنة. 

لكن هذا الحوار تحديداً، وإصدارُ هذه الأحكام، هو أن التعددية الثقافية كعمليةٍ سياسية غالباً ما يجري قمعُها بمسمى التسامحِ السلبيّ، والإِحترام الوقائيّ، وليس عبر التفاعل والمشاركة. 

إن الشيء الأكثر قيمة في التنوع – الصداماتُ التي تُحدثها – وهو ما يخشاهُ رعاةُ التعدد الثقافي الحَذِرون.

وهذا يقودُنا إلى مفارقةٍ أُخرى، حول التعددية الثقافية: 

يُصّر التعدد-ثقافيون على قيمةِ تنوعِ المجتمع، لكنهم على نحوٍ ما يفشلون في رؤيةِ تنوع مجتمع الأقليات. 

على الخارطةِ متعددةِ الثقافات، ينتهي التنوعُ بطريقةٍ سحرية عند أطراف مجتمع الأقليات. 

تميلُ (تعدد الثقافات) إلى التعامل مع مجتمعاتِ الأقليات، كما لو كانت مجموعةً متميزةً ومتفردةً ومتجانسة وأصيلة، تتألفُ من أشخاصٍٍ لهم صوتْ واحد، يُحدد بشكلٍ أساسي وجهة نظر جماعية للثقافة والإيمان. 

وبذا، يتجاهلون الصراعات العميقة، والإختلافات داخل هذه المجتمعات..

ونتيجةً لذلك، يتم إسكاتُ الأصوات الأكثر تقدميّة، وتجاهلها كلياً، على اِعتبار أنها لا تمثلُ حقيقةَ المجتمع، وبالتالي، لا تُعبِرُ عن شواغِله، في حين يجري الإحتفاءُ بالأصوات الأكثر محافظةً وراديكالية، كقادةٍمُجتمعيّين، بإعتبارهم الأصوات الأصيلة.

لكن، ما أعنيه أن الصدامات، قد تكون مفيدةً، هو أنهُ غالباً ما تكونُ حول الأفكارِ والقيم والمعتقدات، صدامات الحوار، قيّمة وضرورية للتغيير الإجتماعي. 

في محاولةٍ للتقليل من مثل هذه المُصادمات بإسم التسامح الشكليّ، فإن السياسات متعددة الثقافات لا تخلص في الواقع من الصراعات بل تحَوّل الصراعات السياسية والأيديولوجية إلى صدامات ثقافية ومجتمعية. 

الصراعات السياسية تتحدُ عبر الإنقسامات العرقية أو الثقافية؛ بينما النضالاتُ الثقافية كسرٌ لهذا الجمود حتماً. 

وبدلاً من السؤال:

ماهية الجذورُ الإجتماعية للعُنصرية وما هي التغييرات الهيكلية اللازمة لمُكافحتها؟ 

يتطلبُ الإعتراف بهويةٍ واحدة، ورتقية، وتأكيدًا عامًا للفارق الثقافي واِحترام الأفراد للمعتقدات الثقافية والإيمانية. 

إن مشكلةَ هذه السياسات، ليس أنها تُشدد على التنوع؛ بل لإنها تمتلك مفهومًا صارمًا جدًا، لما يستتبعهُ التنوع ولماذا يكون مفيدًا. 

والنتيجةُ؛ خلقُ أنواعٍ من الصراعات غير مفيدة سياسياً .. ففي قلبِ التعددية الثقافية يوجد خلطُّ بين المُساواة السياسية والهُوية الثقافية. 

في الواقع، إن عدم التمييز هذا يُقوض أيةَ إمكانيةٍ للمساواة. 

تتطلبُ المُساواة السياسية، التمييز بين المجالين العام والخاص. 

المجالُ الخاص غيرُ متكافئٍ بطبيعته، فلا يُمكن تحقيقُ المُساواةِ السياسيّة، إلا من خلالِ إتاحةِ مجالٍ عُموميّ، يُمكن لأي أحدٍ أن يدخُله بنديّةٍ سياسية، بغضِ النَظرِ عن خلفيته الثقافية أو الاِقتصادية أو العرقية. 

إن خلقَ هذا المجال هو أحد الإنجازات العظيمة للحداثة السياسية. 

لكن المطالبةَ بالإعتراف العام، وبالفوارق الثقافية أو الفردية، إنما هو مطلبٌ لإزالة التميّيز بين الجمهورِ والمجالات الخاصة، وبالتالي تقويض إمكانية المُساواة الحقيقية.

إن مجتمع التعددية النموذجيّ، سيكونُ مجتمعًا يتمتعُ فيه المواطنون بحُريةِ مُتابعة قيمهم أو ممارساتهم بالخصوصية اللا محدودة، بينما يتم التعاملُ مع الجميع في المجال العام على أنهم متساوون بغض النظرعن اِختلافاتهم الثقافية أو الجنسية أو العرقية. 

مع ذلك، أصبحت التعددية، تعني العكس. 

لا يُنظر إلى الحقِ في التديُّن (أي دينٍ او اِعتقاد)، أو التحدث بلغةٍ معينة، أو اِتباعُ ممارسةٍ ثقافيةٍ معينة، كحريةٍ فرديّة للدفاع عنها بإسم الحرية، بل هو منفعةٌ عامة يَجِبُ إنفاذها من خلالِ الدولة. 

وفي الوقت عينه، فإن حقوقَ الأفرادِ في القيام أو التحدثِ أو حتى التفكير كما يشاؤون.. تُصادَر.. حقهم في التحدي أو اِنتقاد أفكار الآخرين أو قيمهم أو معتقداتهم، تتقلصُ بشكل فظيع.. من قِبل الدولة بمُسمى احترام الآخر أو الأديان .. ولضمان عدم الإساءة للجماعات المختلفة، أو من خلال تُهم اِزدراء المعتقدات، وتجريمِ النقد لشخصيات تاريخية او ذات صبغة سياسية ودينية مُقدسة. 

لقد تحّول مفهومُ المُساواة، في هذه العملية، من معنى الحقِ في أن يُعامل «المختلف» أو «الآخر» في مناخ التعددية، على النحو نفسه، على الرغم من الإختلافات.. إلى معنى الحق في المُعاملة بطريقةً مختلفةًبسببها، إنه تحول مُزرٍ.

أننا في أزمنةٍ مُعولمة، حيثُ المُجتمعات تتغيّر وتتطور لمجاراةِ تسارعِ النمو الإقتصادي والتقني، وتقاربِ البشر أكثر من أي وقتٍ مضى، في التاريخ، عبر الإنتاج والهجرة، وفِي فضاءٍ يسمحُ بتحدي وجهاتِ النظرالرجعية الجديدة، لكلٍ من التعددية والمُساواة.

——————

*كاتب ومُدون عراقي

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق