الرئيسية / احدث التدوينات / قصة موت غير مُعلن*

قصة موت غير مُعلن*

     لقد مات جرقاس، لا لم يمت جرقاس، كل ما حدث هو أن جرقاس ذهب، الى أين ذهب إذاً؟ ذلك لا يهم؛ فأي كلب إذا ما سئم الحياة فإنه سينسحب، وجرقاس أنسحب حين سئم، رَغْم أن ذلك عادل إلى حدٍ ما، إلا أنه دائماً هناك ضحايا، فإنهما لم تسأما الحياة بعد، فلِمَ سُحبتا، أعني صغيرتي مريم وأمها، فقد سبقتا جرقاس بساعات قليلة، ماتت الصغيرة ثم لحقت بها أمها، كان موت بارد، موحش وسريع، فيه يصاب المرء بالإسهال ثم يموت، سُحبتا عبر طريق قصير ومميت، اسمه الكوليرا. قبل أن تبدأ رحلتها القصيرة المميتة بخطوات كانت تجري مرحاً، وهي تقضم الحلوى، كان ذلك قبيل المغرب بموت قصير، ثم ماتت، شيء قد يحدث في الحياة، شيء مؤلم كهذا فالموت سنة الحياة، ولكن ليس مرتين في ليلة! على كل حال لقد حدث كل ذلك في ليلة واحدة، ثم أكمل جرقاس الثالوث اللعين لتجدني أنفق يوم إضافي من أجل تدبير خائب، قبل أن أجلس لأكتب لكم هذه الأسطر، فلم يتبقى سوى نواح لوحات المفاتيح، عندما تكون وحيداً يغدو الكون بأثره متآمر عليك، فتصبح فاشل في كل شيء سوى الثرثرة على السايبر، هذا ما تعلمته من الحياة بعد أن سرق الموت ما أملك من أحباب، ثلاثة أنفس عزيزة هلكت بسبب حماقة أحدهم في غضون ثلاث وسبعون ساعة.

     حسناً، سأخبركم بما حدث في اليوم الخائب، كان يوماً شاقاً أنفقته سُداً في البحث عن سخريتي الخاصة من الموت، كُنت قد عزمت على الانتقام، لذلك فكرت في إتخاذ خير وسيلة لتنفيذ حنقي من سادة الموت في المدينة، ولكن الأمر كان معقداً، فكرت في قتلهم، هل سيكون كافياً لو قمت بتفجير قبة البرلمان مثلاً، ولكن ماذا عن صاحب القصر وحاشيته، وزير الصحة، إدارة الوقاية، مكتب الوالي، المعتمد، ضباط الصحة، اممم، الأمر معقد إذاً، رفع دعوة قضائية، ولكن ما رأيك في مصير صبي مكتب الوالي، الانتحار، أو الانضمام للحروب العبث ولكن هل ذلك سيحدث فارق، تفكرت وفجأة وجدتني أقول: ما رأيك في نعي جرقاس في الصحف! أنها القاضية، ستنال منهم بلا شك، فوراً حسمت الأمر، ومن ثم بدأت أفكر في النعي كمن يفكر في حفل زفافه، فألتمعت حصافة الفكرة عندما تداركت تفاصيلها، نعي كلبي في جريدة محترمة، ثم عزاء غريب، هو الطُعم الذي يجمعهم للنيل منهم، ولكني تداركت إننا لم نعد نمارس الحياة باحترام، لذلك يجب أن أكون واقعي أكثر، فعدلت الخطة إلى “جريدة مقروءة،” ثم استطردت مفكراً في التفاصيل، لابد له أن يكون نعي مميز، شيء باعث للسخرية بصورة واضحة، شيء خدّاع يثير السخط ويحمل قدراً من الدعابة والتسلية أيضاً، شيء مختلف، هذا بالضبط ما أريده، “نعي مُختلف، ذلك هو الذي يجعلهم يتجمعون كالكلاب الضالة، وننال منهم يا جرقاس.” هتفت ثم واصلت التفصّيل، أن تكون الصيغة تحمل عبارات فاخرة من تلك التي يستأثر بها كبار الساسة والمثقفين، كأن تُستهل باقتباس لأمنويل كانط، أو بيت شعر لسيمون سنغور، ثم عبارة نصفية عريضة “نعي أليم” ثم تبدأ التفاصيل التقليدية كأن يُذكر في النعي أنه كان كلب طيب، مات وسجله الجنائي نظيفاً، ثم يُوضح ذلك بأنه لم يعض شخصاً ولا حيوان طيلة حياته الرغيدة، وهو ما يعطي الحق على وصفه بالصلاح والتقوى، لا أدري كيف سيستطيع من يقرأ النعي استساغة ذلك، ولكن لا يعجز صحفي في تحوير الكلام، بحيث يجعل الأمر أكثر سلاسة، فانا أعلم أولئك الذين يعملون في مثل هذه المجالات أنهم يراهنون على مقدرتهم على حذلقة الحديث، إذاً فذلك ممكن، قلت لنفسي ثم رحت استقصي ما تبقى، الخاتمة لابد من أن تكون كوصلة عزاء تشمل المتفرقين من أهله في أوروبا وأمريكا، وأن يكون الأمر حقيقياً، أعني ضرورة ذكر أسماء كلاب أجنبية، وهو أمر سهل في ظل وجود السيد “قوقل”، ولأجل توطيد تلك العلاقة يجب أن يكون النعي باللغتين، العربية والإنجليزية، حسناً ذلك حتماً سيسر إدارة الصحيفة لأنه يعني مزيداً من الجنيهات الموبوءة، فكرت في دس اسم الكوليرا لجعل الأمر أكثر اشتعالاً بالنسبة لمعركة ما خلف السطور، ولكن تداركت ذلة الحرص، فخلصت إلى أن يكون أخر سطر هو إعلان موعد تقبل العزاء الرسمي ، وأن يكتب لذلك اسم الصالة المصيدة، ولابد من أن تكون فخمة هي الأخرى، فالطرائد قوم يحبون الفخامة، قلبت ألأمر في رأسي ثم قلت بصوت مطمئن وهادئ: إنها خطة شاملة للنيل من الموت والترف الطفيلي، ثم عدت لمراجعة أسلحتي التي حصلت عليها، مصوران خاصان من متطوعي الفتوغراف، ثمانية مراسلون لقنوات إخبارية عالمية، مراسلة وكالة روتيرز، مراقبون أمميون، ثم حشد من المدونين لضرب نرجسية بلاد الكوليرا، “إنها القاضية” صدحت وفي وجهي اشراقة ضحكة مريم الصغرى، وهي ترزح تحت بؤس موت الكوليرا، صوت مذيع نشرة الثامنة يأتي قوياً، كان يذيع خبراً يتعلق باكتشاف الفاكهة الفاسدة في السوق، ولكنه لم يحذر منها، مرت نسمات سريعة وصوت ركشة بعيد بضجة موسيقاه الأبدية، أشعلت سيجارة، دخنتها ببطءٍ، ومن ثم نمت وفي رأسي ذهول انسيابية الأمور وتدبيرها السلس.

     لو أنها لم تُفسد كانت ستكون رهيبة، وربما قلتم ذلك بأنفسكم، لو أن الضربة نجحت، ولكنها أُجهضت كأي عمل ذي فائدة، كنت قد أعددت كل شيء بدقة، استوثقت من ارقام الضحايا، حصلت على نصوص الإفادات المستفزة لمسئولي الصحة، تقارير المنظمات المختصة، صورة لمريم وأمها، قميص أبيض بخطوط زرقاء، خطبتي العصماء، اتصلت بإدارة الصالة الفخمة وحجزتها لمدة ساعتين، بدى محدثي مسرور بالعرض لأني طلبت ساعات العصر، ولكن رغم كل ذلك فشلت الخطة، ثم أستطيع فعل شيء من ذلك سوى التأريخ للفشل، يبدو أنهم يعرفون أكثر من أي أحد كيف تكون المداخل فأغلقوها جميعا، لم يتركوا منفذاً واحداً للدخول عندما وضعوا الإعلان عن الموت تحت قائمة الجرائم الموجهة ضد الدولة، نعم ذلك ما حدث بالضبط، فالحديث عن القانون ليس بالمزحة الجيدة على كل حال، لذلك سأخبركم مباشرة بما قاله صاحب الصحيفة الأكثر قرباً من المُشَرِّع، كنت قد وصلته منتصف النهار، ولا تحتاجون لوصف الجو العام لوقت قائظاً كهذا، إلا أنه بعد أن قرأ في عينيّ العزم بفراسة صائد أستعار برود مكتبه قائلاً وهو يبتسم بصعوبة ويضرب بقلمه على المنضدة، كان متلعثم كأي معتذر: “والله وفي الحقيقةً يا أستاذ ذي ما بقلوا إنه البلد ما محتاجة (شوشرة) فالفيها مكفيها، وذي ما إنت عارف الأعداء يتربصون بِنَا، مدعيين بأن وباء كوليرا يفتك بالبلاد.” إذاً لا إعلانات موت، موت البشر هنا في إجازة حتى إشعار أخر فما بالك بالكلاب. نأسف. اقدر مشاعرك على الفقد الجلل فنحن نهتم لأمر المحترمين من أمثالك ونُسخّر كل جهودنا لخدمتهم ولكن هذه هي تعليمات الدولة وكما تعلم نحن صحيفة محترمة، فحري بنا إحترام القوانين.
فقلت له ضاحكاً: “حسنا لقد نلتم مني! أنا أهنئك، حتى في هذه كسبتم الجولة يا صاحب، تباً فالأمر معقد يا صاح، لا يستطيع المرء في هذه البلاد النيل من تجار الموت وإن سلك غرائب السبل، ثم خرجت وأنا أقهقه مِلئ يأسي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*الاسم تحوير متعمد لرواية ماركيز (قصة موت معلن)

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان