الرئيسية / احدث التدوينات / كلمات متجولة (8)

كلمات متجولة (8)

يد الله

22  يونيو من العام 1986، سجل مارادونا هدفاً بيده في مرمى الحارس الإنجليزي بيتر شيلتون، لم يره محمد بن ناصر، لم يره المشجعين، قال وقتها الأرجنتيني ” إن يد الله هي التي أحرزت هذا الهدف”. مضت سنين طويلة حتى ظهرت يد الله وهي تحرز رمية للغاز المسيل للدموع في جامعة الخرطوم لشباك الشرطة، وفي مدينة عبري السودانية، رأى الجميع ذلك الفتى “محمد المصري” من فوق أكتاف المتظاهرين، يسجل الهدف الثاني بوضوح.

***

المجهول

    من الذي بدأ الهتاف، عندما كان السوق العربي يموج بالبشر، من الذي رمى الحجر الأول ليصنع دوائر موجيه من الهتاف، يقول ضابط شرطة إن من بدأ الهتاف ليس بشراً وإنما جن، أُقسم لقد رأيت حوافر قدميه وزيله.

    يقول متظاهر شاب إنها محض شرارة لم يكن شخصاً، يقول أحدهم مندهشاً لقد خرج شخص ما كامل التكوين من حلق أحدهم ورجع، لذلك لم يقبض عليه.

    “من بدأ الهتاف” يسأل المارة، رجال الأمن، أصحاب البقالات، شرطة الشغب، مفترشي الخضار، شيء بدون بصمة صوت واضحة افتتح بوابات الضجيج الأبدي.

***

تساؤل

    في التاسع من يناير، رسالة تهديدية فحواها “لدينا كتائب ظل وهي جاهزة للقتل.” بعد تسعة أيام كتائب الظل التي يعتمدون عليها لتفديهم بالأرواح، قبض على أحد أفرادها في المقابر بمنطقة بري، وأول كلمة نطق بها كانت “واااي”، بعد عشرة أيام في العباسية شوهدت كتائب الظل تنفذ بجلدها جرياً وترتعد. ما الذي سيحدث بعد خمسة عشر يوم؟

***

اللعبة

    يبدأ الأمر كطقطقة أصابع، يتخذون مواقعهم كثوار لا أحد يحب الشرطة، عود ثقاب يرمى بإهمال في بركة البنزين، يتقد كل شيء، حتى لون عرقهم يتغير، يذوب البلاستيك الأسود ببطء مشعلاً ناراً حمراء، يخترق الهتاف المتصاعد صوت إطارات سيارات مسرعة، وفرقعات، فرقعات مجدداً، ثم تَحل سُحب الغاز المسيل للدموع أسطح المباني، يحل الهدوء تدريجياً، ثم تخرج الأشباح ذات السيقان النحيلة، يهمسون: لنلعب مجدداً.

***

لقد صنعنا بطولتنا الخاصة

     لقد ظل جيلنا مفتقداً للبطولة، حتى تلك التي أرادوا سقايتنا لها في كتب التاريخ لم يكن لها مذاق، كانت بلا طعم، كنا نبحث عنها في مسلسلات الرسوم المتحركة، في روايات الجيب، جميعنا خاض معاركه الوهمية ببطل خاص، ملاك شخصي صغير يحميه، ابتكروا لنا أنظمة عزلة، قيدونا في واقعهم، حُكم علي كثيرين منا بالخوف من الطيران بسبب أيادينا ودروس الجاذبية السخيفة، إطلاق البسيط من الليزر من أعيننا، بسبب أربطة في عيوننا، في معاركنا الأخيرة بعضنا تخلص من عينه ك “سامح” وآخرين حلقوا بعدما رموا أيديهم، الكثير ممن ضرب جذوره وثبت في الأرض، وآخرين تحرروا من البطء بالركض السريع بين متاريس الأرض والإطارات المشتعلة، جردل وومن، بمبان بوي، وملائكة بلابكوت أبيض “لقد صنعنا بطولتنا الخاصة!”

***

الأبوة

     في قرية نائية تجلس جدة عجوز تهدهد حفيدها بأهزوجة عجيبة “تسقط بس”. في أقاصي غرب البلاد يرقص الشباب الجراري بذات الكلمتين، في صلاة الجمعة طفل يقلد المصلين في الركوع الأخير يصوصو مثلهم، لكنه يردد شيء ما، يتضح أنه يردد ” تسقط بس” ، في بلاد بعيدة يجلس مغترب ينصت لصوت المروحة الذي يصير “تسقط بس” ، ذلك الجنون الجميل يقتحم العزاءات والأفراح، الجوامع والشوارع، المواصلات العامة، موائد الطعام، ألعاب الأطفال، نميمة النساء، شيء ما يمنح هذه الكلمتين روحاً، كي تعيش تلكم الكلمتين كان لابد من أن يكون لهما أبوين محبين.

***

مصاص الدماء

    في مكان ما، عند حافة العالم، وفي فصل البرد القارص حيث تصل درجات الحرارة فيه لما يقارب 45 تحت الصفر، لكي يعيش أفراد قبيلة بدوية سيبرية متغلبين على البرد فإنهم يشربون الدماء. وفي أفريقيا عند سرة العالم حيث درجات الحرارة في الشتاء 38 فوق الصفر، فإن هنالك ديكتاتوراً عجوزاً يقف عند حافة العمر، يشرب دماء شعبه.

***

أنتِ في وحدتك بلد مزدحم

    المكان، قرية ” الكريمت” على بعد 22 كيلومتر، فصل الثالث ابتدائي مدرسة البنات. الساعة الثامنة صباحاً. ممثلي الدفاع الشعبي، وأعضاء في الحزب الحاكم يتجولون بداخل الفصل، تلميذة واحدة عمرها تسعة سنوات رفعت إصبعيها وهتفت “الشعب يريد إسقاط النظام”، قابلوها بالضحك، الفتاة التي حملت حقيبتها عند الرجوع للبيت لم يعد هناك ما تدسه في حقيبتها، لا حلوى، لا كيس تسالي، والأمر لم يكن ليُخفى إثني عشر ساعة، ففي المساء كانت سبعمائة شخص أغلقوا الطريق، بسبعمائة حلق، بسبعمائة صوت.

***

كيف تتوالد الكلمات؟

    بقرب انتهاء عام 2018، ارتكبت أخطاء شنيعة، لم تكن هنالك كلمات توصفها، فقد تحامق وزير الاتصالات بقطع شبكة الإنترنت، في محادثة صغيرة خرجت أكثر الكلمات رعباً و دوياً، أخبرت حبيبها بأن ما غيبها عنه هو الحكومة، جاء الرد في كلمتين فقط: “حكومة تمنعني منك .. تسقط بس”. تحولت تلك الكلمتين لسخرية، هاشتاق، هتاف في باريس، هتاف في الشوارع، في البرلمان، الجدران، المساجد، حفلات الزواج، موسيقى الزنق، لدرجة لم تصمد ضدها أي عبارات مضادة، ببساطة لأنها كانت مصوبة بعشق لا نهائي.

***

خارج الزمن

    عندما أعلن نميري تطبيق قوانين الشريعة وإغلاق البارات، قصد معاشي قديم الخمارة كعادته، يتناول حصته من البيرة، فوجدها مغلقة، سأل صاحب البقالة المجاورة: الخواجة مالو قافل؟

فرد عليه بائع البقالة باقتضاب: “يا عمنا الحكومة قفلت البارات.”

رد بغضب: “عبود ده جن ولا شنو؟!”

***

الحرية لعبد الرحمن عثمان

    عندما تنفضْ الضفائر البشرية المنسدلة في شارع رئيسي، تجمع المدينة شعرها، الذي تفرقه بيدها في أزقة السوق ثم تضفره، تتفرق المظاهرة. ولكن يبقى عبد الرحمن وحده في الشارع كشيبة غير مرئية في رأس فتاة شابة، وحده عبد الرحمن غير المرئي، غير المنتمي لحزب، اللا أحد، الحنين كشيبة قديمة، الذي “تقصه” عربة الأمن، يبقى عالقاً في مشط المعتقلات، لا يتذكره أحد، لا يرد اسمه في تدوينات المعتقلين، لا يعرفه المحامين، ولكن الفتاة التي تسمى بورتسودان تعرف أن الشيبة مباركة، برغم ضفائرها الغزيرة المزينة ب”ودعة” التي تسدلها في العُرس كما بقية المدن.

***

الحرية لخالدة صابر

     لأول مرة منذ ما يزيد عن شهر، يضطر بعض جنود الأمن للنوم مبكراً، شربوا حليبهم، لكي يستيقظوا في مواقيت المدارس، حلموا بأحلام متقلبة، في الصباح راجعوا أوامرهم جيداً، دسوا الأوراق في جيوبهم، شربوا الشاي، وانتظروا عربة الترحيل، كل واحد فيهم يمسك بقلم في جيبه، لكن عربة الترحيل لم تكن لتقلهم للمدرسة، لكنهم كانوا يترصدون أستاذة مدرسة، اعتقلوها دون أن يشكروها لإعادتها لذكرياتهم القديمة والتي كانت تشئ بها لهجتهم الحادة وهم يخبرونها بالترجل.

***

الحرية لميسر نوراي

    اعتقل جهاز الأمن بمدينة الخرطوم في بداية الاحتجاجات بشكل عشوائي شاب، حُمل من منطقة جبرة، واستمر حبسه في الزنزانة زمناً طويل، بحيث تفاجأوا عند إخراجه بنمو أشجار الموز، بأوراقها الخضراء العريضة سدت الباب وبصعوبة تلعثم الضابط :

 -من أين أنت؟

– من كسلا.

***

تكرار الزمن

    في مكان ما في البلاد الكبيرة، بعد زمن طويل من العقوبات العشرة التي أرسلها الرب لفرعون وجنوده مطر الضفادع، الدماء في نهر النيل، الذباب، فرعون صغير آخر تُمطر السماء في عهده بمبان “عبوات الغاز المسيل للدموع” ، ودماء كثيرة تسيل في مياه النيل بسببه، وكأن الزمن يتكرر.

***

أساطير محكية

    مرتين فقط سمع الناس صوتها، أخبرتهم عام 94 متنبئة بحدوث الزلزال “مرقوا الجهال للسهلة” وحدث! شاهدوها مجدداً 2004 عند الفيضان، السيدة الستينية التي يهابها ويتبرك بها البعض، لم يراها أحد منذ ذلك الوقت تتكلم أو تأكل أو تشرب، تربي إحدى عشر كلباً مرقطاً وتسكن كهوف جبال كرري.

    خرجت “كتلوج”  تلف رأسها بالكدمول، وعينيها تقدح دماً، تملأ يديها التمائم، خرجت من جبال كرري تحمل أسرار كونية وأسبار غيب عجيبة، شاهدوها تتجه نحو محطة صابرين، بالضبط قبل الساعة الواحدة، حيث أعلنت صفحة بالفيسبوك لموكب احتجاجي!

***

أساطير خاصة

     بعد ثمانين سنة بعد خروج باتمان على صفحات مجلات ديتيكتف كوميكس إلى مدينة غوثام لمحاربة الشر، مزوداً بأدواته المهولة كرأسمالي. يخرج ولد بسيط بغير مسننات على هيئة وطواط، ولا حتى قناع غازي، لمحاربة جنرال يبلغ الثمانين. من الحاج يوسف، ولد عادي بلحم ودم غير محصن من الرصاص، ليس له حساب في البنك، ولا يقود سيارة فارهة، بلا قصة شعر مميزة، ولا عضلات بطن، في زقاقات العاصمة كان يتصيد قنابل الغاز، يحمل جردل بلاستيكية، ويقود مظاهرة ينقذ المدينة من بكاءها بالغاز، وعند صيد أي قنبلة غاز يجلس على الجردل منتظراً عند طرف الشارع رميات بيسبول طويلة عند نهاية الزقاق.

***

أساطير صغيرة

     بعدما سقط نظام النميري، لم تلتئم الأيادي التي قطعها، شيء بسيط حدث، تلك الأيادي شوهدت في الانتفاضة، وكانت كالآتي: موزعة أصابعها بحيث كان لكل ثائر أكثر من يد، يرمي بها الحجارة ويمسك العالم ويرجع الغاز المسيل للدموع، كانت أحداث فانتازيه لم يتم التقاطها وقتها، قبل سقوط البشير نقلت قناة إخبارية؛ أخباراً أسطورية “شوهد إخطبوط في منطقة بري”.

***

أساطير كبيرة

     في (آسجارد) الأسطورية تجلس ثلاثة من ناسجات المصير، يجلسن كما تجلس النسوة في جلسات القهوة أسماءهن هي (أورد)؛ ما كان مرة واحدة. (فيرداندي)؛ ما الذي يجري في الوجود. و (سكولد)؛ ما يجب أن يكون. يفتلن جذور شَجرة (إجدراسيل) لنسج قَدر كل طفل في شبكة أو خيوط، تبدأ “فيرداندي” بالضحك، ففي هذا الصباح في عالم موازي تلد الحاجة هدية ابنها “عمر حسن البشير” ، تقوم “أورد” في نسج شكل المولود القبيح مشكلةً شفتيه القبيحتين، حتى تقوس قدميه، وصلعته فتضحك – تبدأ يومها الكوني بنسيج قمئ، تتولى إسكولد ما يجب أن يكون بغضب، ما الذي يدفع ألهتين سخيفتين لعمل هذا؟

***

صفرجت

     قبل أن تُشرق شمس يوم الخميس كان جميع الثوار قد تشاركوا حلم واحد، وزع حلم كبير مشفر كرسالة، وسريعاً تم نقله عبر ملفات شير، فهمها الجميع عدا رجال الأمن الذين كانت تنتابهم الكوابيس، عرف جردل مان دوره في صيد البمبان، اتخذت الملكات الأسطوريات “الكنداكات” مواقعهن، بينما تمركز أفراد الجيش الأبيض، فلاغ بوي، كولينغ قيرل، وكوردية ظهر عرفت جميع المدن أدوارها.

    قبل الساعة الواحدة كموعد امتحان تضطرب أمعاء رجال الشرطة المجوفين، يدرك أفراد الرصد عدم فهمهم للمصفوفة، هنالك على مقعد بعيد يجلس تجمع المهنيين يلعب لعبة سودانية موغلة في القدم، يتقدم بثلاثة أحجار هازماً مصاص الدماء “صفرجت”.

***

تقمص

    كل الأرواح تُحضْر إلى مكان يشبه المشغل، كل روح تشبه القميص، كل الأقمصة التي تخص الموتى ترمى هناك، تطرز هذه الأشياء بعناية، ما عدا أرواح الشهداء فأنها جديدة وتمنح لأشخاص أخرين. أشخاص يعودون في عربة إسعاف أقمصتهم مقطوعة الأزرار ومدمية مثل أستاذ أحمد، أخرين قمصانهم مثقوبة من جهة الجيب، كلها ترجع للحياة الدنيا، ينتظرها البعض قرب مقبرة، يصنع الحصى وسعف النخيل، ويرتديها البعض يوم الخميس.

***

نافذة نحو الصباح

    حدث ذلك في مدينة كسلا، التي يتوسطها الجبل كقبضة، في زمن الديكتاتورية حيث كانت قبضة والي الولاية تقبض على رقبة الولاية، تخنقها وقتما مات الناس بالحمى، وتخنق على رقبة أستاذ أحمد في التحقيق بالمعتقلات السرية؛ قبل أن يتدفق دمه على الأرض. هنالك عند الجبل تفلت العصافير الصغيرة عند كل صباح – من قبضته، وعندما يموت الناس من الحمى.

    فجأة ومن معتقلات الأمن السرية، جذبت تلك الجلبة سكان البيوت المجاورة، التي لم يكن بوسع أحد دخولها، لم تكن هنالك طريقة – داخل البيوت فقط كانت جلبة العصافير مهولة وكأنها تعلن انبلاج الصباح.

***

قتلة الرُسل!

    سيستيقظ السودانيين صباح اليوم التالي وينسون كل شيء، سيمحي كل شيء ببساطة، ينسون صفحة تجمع السودانيين، وبياناتهم الرائعة لغوياً، سينسون الجنرال وسقطاته المفزعة، حتى زوجة الجنرال لن تتذكر سخريته المريعة، سيقبع في قصره لشهور قادمة لن يخرج، ستُعِد له الشوربة لكي يستعيد صوته الذي تحشرج، وقد يفكر وقتها ما إذا كانت كذابته الغير منتهية – لمن يحكيها، حكايته عن كسر سنه وحرق يده، لن يذكر رميه لأمه بالحديدة، لأنه سيكون وقتها فاقداً للذاكرة، سيغرق الشعب كله في بحر الأيام القادمة، يستيقظوا متفاجئين كالعادة، تفاجئهم العملة الجديدة، الأسعار الجديدة، ويمضون، ما عدا ضباط الأمن الذين قتلوا الأستاذ، فإنهم كل صباح سوف يصحون على صوت الأستاذ، ينامون وهم يحلمون بملامحه المرتعبة في المعتقل، يأكلون الفول العفن الذي أطعموه إياهم، سيضطربون في كل لحظة يقع فيها زعيق أو ضرب، وعندما يخلع أحدهم ملابسه سيرى يدي الرب المتسخة بالطبشور بوضوح وهي تمزق كليتيه.

***

رسائل المستقبل

“تيك تيك” رسالة نصية في الواتساب، كان مكتوب فيها تسقط بس، كانت التواريخ في شاشة الهاتف تشير للعام 2080 م

– من تقصد؟

– حكومة الجوع.

يرد برسالة:

– ولكن ليس هناك جوع، من أين أنت؟

يتوقف سيل الرسائل.

– أرسل لي بيان تجمع المهنيين السودانيين.

– أتقصد أولئك الذين يدرسهم إبني بالمدرسة؟

– لا أعرف ماذا تقصد ولكن عليّ الخروج في تلك المظاهرات.

– من أنت؟

– أنا أستاذ أحمد.

– تشرفنا.

***

زيارات عائلية

قبل سبعة أعوام، رنّ الهاتف في قسم شرطة مدينة طوكر، “لقد خرجوا” جاء الصوت عالياً ومتعجلاً.

– ردَ الشرطي: من هم؟

– الشهداء.

– ماذا تقصد؟ هل رأيتموهم. تردد الصوت القادم من بعيد في الهاتف ليقول “نعم، لقد كانوا طائرين.”

في اليوم التالي لم يستطيع رجال الشرطة اقتحام تلك الزيارات العائلية بسبب رياح الإيتحبيت، فاضطروا لحفر قبور عميقة وانتظارهم.

***

نافذة إلى الداخل!

     لقد كنت قبل قليل في المكان الذي تتجمع فيه أحلام الأيام السابقة، في الحقيقة هو مكان كبير مزود برفوف وداخل كل ملف توجد ملفات تخص أحلام أشخاص أخرين، سيناريوهات معدة مسبقاً، كل ما عليك هو طرق الباب وسيناولونك ملف به حلمك اليوم.

    كل مرة تزجرني فيه أمي “لا تنم في وقت العصر، نوم المغرب يورث الإنسان الغضب”، لكنني لم أعرها اهتمامي، فقد كنت مهووساً بسرقة وتعديل ملفات أحلام خلال الساعتين التي أنومها، أُعدهم جيداً لكي أستمتع بالليل، حيث بإمكاني تكرار حلم واحد أو تغيير كلمات ومشاهد معينة.

    لأيام طويلة مضت، أدرك موزع الأحلام خطتي، فأخبر جسدي بعدم النوم إلا في وقت متأخر، بسببه كل يوم أسند رأسي على الوسادة متصفحاً ملفات يومياً ولا أنام، أصابوني بالأرق، وبإجهاد أحداث يومية.

    كل هذه العقوبات لم تردعني، فأنا قد اطلعت على حلم غريب، عندما غافلت حارس غرفة الأحلام وسرقت ملف حلم شخص آخر، طويته تحت قميصي وخرجت، بالأمس فقط قررت فتحه وقراءة ما فيه، كان حلماً دموياً لشخص ما يرتعد خوفاً، أشبه بمقتل معمر القذافي، شخص ما مصاب بشظية في صدره وينزف، يموت ببطء، كنت أرى زوجته تهرب من أمامه، لم يجد أحداً ليسعفه، أغلقت الملف خائفاً وقررت إعادته للغرفة، لقد نسيت أن أخبركم أن صاحب الحلم اسمه عمر حسن أحمد البشير.

***

كلاب الأمن

    كيف يتعرف المقنعون الذين يفضون المظاهرات بعضهم، لطالما كان ذلك الأمر محيراً، أن يدرك الكلاب مواقع الأخرى رغم عمى الألوان، فمن براعة الخوف ولدت أعظم المهارات وهي قدرتهم على شم بعضهم.

***

إشارات سماوية

    الإشارات السماوية ابتدأت منذ سقوط لوحة عربة مراسم رئاسة الجمهورية، وانقلاب العربة الحكومية، وهروب الشرطي، فقط بالأمس كانت نافورة القصر الجمهوري لحظة خطاب الجنرال تصنع إشارات بذيئة – أشبه بتبول الكلب، هل هذه مزحة سماوية أيضاً؟

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان