الرئيسية / احدث التدوينات / كيف نقرأ خطواتنا التوثيقية لحركتنا الثقافية والفكرية والإجتماعي

كيف نقرأ خطواتنا التوثيقية لحركتنا الثقافية والفكرية والإجتماعي

     الذي يقرأ فعلنا نحو توثيقنا لتفاصيلنا يخرج ببعض الأسى على غياب الرؤية العلمية في توثيقنا لذلك، نحن لم نصل بعد لترسيخ أن العلمية هي المؤشر الراشد لكي تكتب تاريخك، وذلك يتطلب جهداً مهنياً حقيقياً، وكل تاريخنا التعليمي لم يفعل ذلك ولم يحاول القيام به، ولعل التراجع ذاك يرجع لعدم فهمنا ماهية توثيق تاريخ، فالتاريخ يظن عند بعضنا أنه السياسة والحروبات والصراعات، وما إلى ذلك. لكن التاريخ في مفاهيمه الكبيرة يشكل كل حركة الحياة، فصناعة الرؤى المجتمعية تستند على دارسة كل تفاصيل حركة مجتمع ما، صغيرها وكبيرها، وتحديد أهمية كل إشارة.

     كل الذي رسخ في عقولنا عن معنى كلمة تاريخ، يرتبط بالحكم والسياسة فقط، وهذا مفهوم احتكاري له، والمهني الشامل له، الحياة الاجتماعية كلها، فهي تاريخ، وقراءة كل مجتمع لا تتم إلا عبر تشريح قيمة حركة مجتمعه، بعيداً عن السياسة والحكم والصراعات، فمناهجنا التعليمية كلها استنادها على الرؤية التاريخية المرتبطة بشكل الحكم، والحاكم وتفاصيل صراعات وحروب وأزمان حكم والأمكنة التي كانت مسرحاً لذلك.

    ولو سألت كل المجتمع عن معنى كلمة تاريخ لقال لك شكل الحكم وهكذا، ولذلك خرجنا للدنيا بلا توثيق لمعارف اجتماعية وتفاصيل كانت يمكن أن تكون القيمة المختلفة عالمياً، فلعل بعض صياغتنا رؤية سياسة وحكم كأنها قيمة التأريخ جعل كل القيم الإنسانية ضعيفة كثيراَ، ضعيفة لحد قولنا وهل يوجد في بلادنا غير السياسة والحكم والصراعات، غفلنا عن قراءة حركة مجتمعنا من ناحية اجتماعية، وتلك هي الفكرة الراشدة، لأن قراءتنا تخرج من ذلك الباب، لن يعرفنا العالم لو لم يعرف تفاصيل علاقاتنا الاجتماعية ومؤثراتها وتأثيراتها على الحياة في بلادنا.

    لعلي هنا أطلق مبادرة لتكوين رؤى توثيقية لحركة مجتمعنا السوداني الاجتماعية، وظني أننا لم نكتشف بعضنا البعض حتى الآن، ولذلك كل أزماتنا تطل من باب يقول لنا: وهل عرفنا بعضنا البعض لنقول للعالم هيا أعرفنا كوطن ومجتمع وحياة. فبالضرورة قراءة فعلنا التوثيقي لتفاصيل اجتماعياتنا كمجتمع متنوع بشكل كامل، وتشريح ذلك علمياً لنكتب عن تنوعنا، وليقرأ العالم ذلك التنوع من زاوية حقيقية نكتبها نحن، ولا يكتبها غيرنا، ضعفنا في مجال توثيق حركة المجتمع، أضعف للأجيال تواصلها، وهذا لم يتم القراءة له بشكل يشرح كيف الحل، فالقيمة لقيامك بكتابة حركة مجتمعك هي قيمة صناعة لتواصل الأجيال عندك، فالتواصل بين كل جيل وثاني تواصل مجتمعي وحركة ليس فيها مكان للسياسة والحكم، فإن كل التأريخ كله سياسة والقراءة كذلك، فمن يوثق لقيادة اجتماعية وضعت قيمة أسنى وأعلى من كل السياسيين، لكنها ما وجدت قيمة معرفة بها، وضاعت كقيمة وفكرة ورؤية، كان يمكن لها أن تقود قيمة الإصلاح المجتمعي في بلادنا، وستضيع أيضاً مستقبلاً لأننا ما زلنا لا نضع لقيادات اجتماعية أضافت قيمة تحريك المجتمع بكل الإيجابيات الانسانية التي هي المسارات المفترض وضع أنفسناعليها كمحرك حقيقي لنكون في هذا العالم.

    تاريخنا لم يضع في ورقاته توثيقاً لصانع مدرسة، أو لصاحب قيمة ايجابية فعلها ثم مضى، أو لشخصية كان عملها كله كيف نقود الناس للمصالحة فيما بينها. غفل عن كل ذلك، وكأنه يريد تاريخاً بلا حركة مجتمع وبلا قيادة مجتمعية، يظن تاريخنا أو الذين كتبوا تاريخنا أن كل التأريخ حكم وسياسة وحكومات ديمقراطية أو عسكرية، ولم يعرفوا أن قيمة الشعب الحقيقة في معرفته لتاريخه المرتبط بحركة إصلاح مجتمعي، أو تجليات قيمة انسانية وضعها شخص ما ثم رحل عن عالمنا، وكانت فتحاً مجتمعياً لنا، نريد من ذلك أن تعرف الأجيال أن قيمة بناء مدرسة، أو صياغة فكر مجتمعي هي الراسخة لنا، وهي القائدة والراجحة لوطننا، نريد أن نعرف أنفسنا عبر قادة مجتمع اجتماعيين دخلوا عبر أبواب معرفة وعلم ورؤى عالمية وعلمية هي الاحتمالات الكثيفة لجعلنا جزءً من هذا العالم، نريد التوثيق لشخصية سودانية مجتمعية، ولكل الشخصيات التي كان عملها من باب ليس فيه سياسة، نريد أن نجعلهم رموزاً مجتمعية أجمل من كل أهل السياسة وكل السياسيين، نريد القول أن احتمالات الجمال في بلادنا واثقة وراسخة من باب مجتمعنا الذي لم يصل له كل تاريخنا على مدى كل الزمن.

    تاريخنا لا يحتاج إلا لإعادة صياغة مفاهيمية الكتابة فيه، ويحتاج لتجديد الرؤى المطلوبة لجعله مادة حياة يقرأ العالم فيها كل صوتنا، كله وليس صوت السياسة وصوت صراعاتنا وحروباتنا فقط، الأيادي الواثقة تعرف أن قيمة كل وطن في معرفة العالم برموزه العلمية والاجتماعية والفكرية والثقافية، فإذا كانت كل معرفة العالم بنا عبر باب السياسة، فكيف يحاول العالم اكتشافنا بشكل حقيقي وصحيح، لن يحاول لأنه سيقرأ في كتاب تأريخنا كله (سياسة وحكم وصراعات وحروبات وقيادات سياسية وهكذا كل متتاليات العملية السياسية)، وعندئذ نغيب نحن كمجتمع ويغيب الوطن كله ويغيب الضوء الوطني. فهيا لنوثق للضوء الوطني بعيداً عن السياسة والسياسيين وهكذا.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن