الرئيسية / احدث التدوينات / متلازمة اللستك: محاولة قصصية توثيقية لبعض مشاهد الثورة

متلازمة اللستك: محاولة قصصية توثيقية لبعض مشاهد الثورة

    فجأة أصبح “اللستك” حدثاً غير اعتيادياً في الشارع. يبتعد عنه المارة، تتحاشاه السيارات، يرمقه الشحاذ من بعيد بحذر، ويتأكد من عدم اشتعاله، ثم يغير وقوفه إلى الرصيف الآخر، ينظر له أصحاب الدكاكين بتوجس، ويجهزون ترابيس أبوابهم تحسباً لقفلها، يقسم “العجوز الجالس أمام بيته” أن اللستك هذا شيطاني. ويبرر كلامه بأنه ظهر فجأة دون أن يضعه شخص بعينه، صدقه العجوز الجالس معه وقال: “أعوذ بالله”! فلم يختف اللستك! فتاتان توقفتا بجانب اللستك وأخذن “سيلفي”. بضعة شباب مرو به ضاحكين، أحدهم أدى تحية عسكرية له. رأته امرأة من بعيد فدخلت إلى الحي لتجعله موضوع ثرثرتها في كل البيوت التي دخلتها. كل نساء الحي عرفن أن هنالك لستك “لم يشتعل بعد” في الشارع الرئيسي، كل امرأة أعطت ولدها كبريتاً وأوصته بالاستعجال للستك لينال شرف إشعاله، كل أولاد الحي خرجوا ب”كباريت” في جيوبهم. في مدخل الحي كانت هنالك ستة تاتشرات، عليها ثمانون شرطياً، خمسون بندقية كلاشنكوف، عشرون بندقية بمبان. كانوا يقصدون هدفاً محدداً. لستك في طرف الشارع “لم يشتعل بعد”.

***

     يومان في معتقل “موقف شندي” علمتا الفتاة أن تتفرس في الوجوه طويلاً، كانت تفعل ذلك في المواصلات، في الشارع، وحتى في الفيسبوك، الأمر كان مزعجاً للآخرين، لكنه مريح لها، فما زال يحدوها الأمل بأن تجد وجوه النساء اللواتي استقبلنها في المعتقل بالسياط والضرب والإهانات المتكررة. بعد عدة أيام وأثناء تصفحها في الفيس أظلمت الشاشة بالوجه الذي تبحث عنه؛ أكثر “بت أمنجية” ضربتها وعنفتها وأهانتها هناك، حفظت الصورة ثم سريعاً نقلتها الى بعض رفيقات المعتقل للتأكد، ثم فوراً نشرتها في الفيس وحكت القصة، ضج الفيس بهذا الخبر، تمت مشاركة البوست إلى الآن أكثر من ألف مرة. وحصل على أكثر من ألف تعليق، تناقلت الصفحات صورة “البت الأمنجية”، امتلأت التعليقات بالمندهشين والمصدومين، البعض انصدم من وجود أمنجيات يضربن البنات ويعنفوهن، والبعض انصدم من وجود أمنجيات أصلاً، هنالك أيضا تعليقات من “ناس دفعتها” و”ناس حلتا” وصديقاتها اللائي انضممن لسيل الاندهاش، بقية التعليقات انقسمت ما بين الساخرين من شكل حواجبها، المتوعدين لها، والمطالبين بمزيد من معلوماتها الشخصية، وصل المدد سريعاً من “قروب منبرشات” برقم هواتفها، “الزين والأريبا والسوداني”، صفحتها في فيس بوك، عنوان البيت، “ولون الباب كمان.” أحدهم ذهب بعيداً حين أتى بهوية خطيبها “ومعلوماتو ورقم تلفونو”، وأحدهم ذهب أبعد حين قال أن هذا خطيبها السابق وأن خطيبها الحالي هو كذا “وذكر اسمو ورقم تلفونو وصفحتو في الفيس. “فانتقلت خيام المعلقين إلى صفحة خطيبها الذي كان يجهز بوستا عن الموضوع، إذ أعلن فيه أن علاقته ب”البت الأمنجية” كعلاقة الروح والجسد، وأنه سيدعمها مهما فعلت. الغريب أن صفحة هذا الشخص مليئة ببوستات مناصرة الثورة، وفي أحد البوستات كان يؤكد بالنص على ضرورة حماية البنات داخل المظاهرات، هل ربما لأنه كان يعرف أن خطيبته تنتظرهم في المعتقل بالسوط؟

***

     ينزل الشاب من الحافلة ثم يسأل عن مكان الكتمة، ويمشي باتجاهها. يبدو حدثاً عابراً، عادياً وروتينيا، لكنه البطولة بعينها. يقابله أمنجي وثان وثالث. يكررون له نفس الأسئلة، لكنه لا يكرر لهم نفس الإجابات، يقول للأمنجي الأول أن اسمه علي، وذاهب إلى السوق ليشتري بنطلون جديد ويسأل الأمنجي عن الماركة الأفضل والمحل والأفضل، ولا يجد الأمنجي خبيراً بالماركات، يقول للأمنجي الثاني أن اسمه مازن، وأنه ذاهب للقاء حبييته في “حبيبي مفلس”. ثم يسأله عن أفضل هدية يقدمها لها، فيمتنع الأمنجي عن الإجابة “إذ لم يحصل أن قدم هدية لحبيبته.” الأمنجي الثالث كان قاسياً، طالبه أولاً بالبطاقة الشخصية. فقال الشاب: “أنا ذاهب أصلاً لاستخراج البطاقة الشخصية” يطلب الأمنجي رؤية هاتفه، فيخرج الشاب الريبيكا، يستغرب الأمنجي ويسأله لماذا ليس عنده تلفون جلاكسي، فيقول الشاب أنه عاطل فمن أين يأت بالجلاكسي، يرن هاتف الأمنجي في تلك اللحظة، وكان ريبيكا أيضاً.

    يصل الشاب إلى مكان الكتمة، ميدان الاعتصام، يجلس مع مجموعة شباب وينتظر دوره في قيم الليدو، قد تعتقدون أنه فعل تافه وفارغ، عادياً وعابراً، لكن لا.. كل معاني الوطنية، الجهاد، البطولة، تتلخص في أن تلعب قيم ليدو في ميدان الاعتصام.

***

     بين تجارة الأسلحة النارية، البمبان، الرصاص المطاطي، القنابل الصوتية، مدافع المياه، كانت تجارة “اللساتك” هي الأكثر إزدهاراً. فجأة أصبح الطلب عليها كثيفاً جداً، مما جعل حتى تجار البطاطس في شرق آسيا يتحولون إلى اللساتك وتصديرها للسودان، دون أن يعرفوا حتى لماذا يريدها السودانيون، “فدائماً كان للسودانيين طلبات عجيبة”، الكوريون أرسلوا للحكومة السودانية عبر الإيميل مستفسرين عن سر الإقبال الكثيف على اللساتك، لكن حكومتنا لم تستقبل الرسالة “لأنو ما عندها vpn ظابط” الصينيون كعادتهم بدأوا بإرسال لساتك لنا بكل الأحجام والأشكال، اليابانيون حاولوا الاستفادة من الأمر عبر تصدير سيارات، فطالما هناك إقبال على اللساتك فسيقابله إقبال على السيارات، لكنهم اندهشوا جدا حين لم يشتر منهم أحد، فالسودانيون لم يكونوا يريدون سوى اللساتك، اللساتك فقط، وكان لابد من تدخل الاستخبارات الأمريكية لمعرفة سر هذا الإقبال العجيب، ثم أتى في تقريرهم السري الذي رفع الى الرئيس “ترامب” أن اللساتك بعد شرائها تخزن في البيوت السودانية، ويحافظ عليها جيداً حتى لحظة معينة، وتكون غالباً في بداية المساء، إذ يقوم الأطفال بإخراج كل اللساتك المخزنة في بيوت الحي ونقلها لأقرب زلط، ثم حرقها! فهم ترامب أنه طقس تعبدي، “فالهندوس كان يفعلون نفس الشيء تقريبا”، أما اليابانيون فاتخذوا موقفاً اخلاقيا من إحراق اللساتك، لذلك امتنعوا عن تصديرها للسودان، أما الفرنسيون، “حيث أجود صناعة لساتك في العالم”، فامتنعوا عن القيام بأي إجراء قبل الاستفسار، إذ قام وزير الاستثمار الفرنسي باستدعاء رجل أعمال سوداني وسأله عن هذا الأمر. تأوه السوداني، أعني كيف تشرح لخواجة لماذا يقوم طفل صغير بإحراق لستك في نص الزلط!

***

     الكبريت هنا لا تشعل السجائر، بل اللساتك، الجرادل ليست لنقل الماء، بل لصد البمبان، إنها أيام نادرة، لا شك مقدسة، حيث لكل شيء وظيفة أخرى أكثر نبلاً، حتى النبلة، لا تصيد الطيور، بل قبعات الأمنجية، حتى “الطوب”، وهو يؤدي دوره التاريخي في الانهمار على التاتشرات، “دوراً ليس بأقل من العنكبوت التي نسجت خيطها في باب الغار أو الحمامة التي باضت أمامه.” الخل ليس للطعام وإنما ضد البمبان، كذلك البيبسي، لا نشربه، بل لغسل الوجوه، واللستك، “آآه من اللستك”، كان فيما قبل أشياء كثيرة، كان ريح العربة يجرها إلى حيث تريد، قاعدة “طش” الأمهات في غسيل الملابس، لعبة الأطفال يدفعونه أمامهم في الشوارع، كان شيئاً مهملاً في الغالب، أما الآن فاللستك هو نارنا، نار الفراشة، “ما مسها مسنا .. شبه داكن بين ضوء ونار،” نحرقه في الزلط لا لكي نوقف حركة السير، “ألم أقل لكم أن لكل فعل هذه الأيام وظيفة أخرى أكثر نبلاً،” نحرقه في الزلط لكي يستعيد الزلط إستقامته، لكي يستعيد الوطن عافيته، هذه أيام الثورة، “حدائق التاريخ”، حيث المشاركة في المظاهرات هي حج غير المستطيع، كفارة الذنوب الكبيرة، أن تفتح بيتك للمتظاهرين، تعد لهم سندوتشات عدس، زغرودة فتاة في الشارع. للشارع، دون أن يكون هناك عرساً، شاب يحمل جردلاً.

**

     أثناء حصة التاريخ للصف الثامن – بالضبط أثناء تحدث المعلمة عن معركة كرري وتضحيات الأنصار العجيبة وهم يصطفون أمام المدافع البريطانية واهبين أرواحهم للوطن – كان التلميذ في الكنبة الأخيرة يفكر في شيء آخر، اللستك الخامس! اللستك الإضافي المربوط في الصندوق الخلفي لعربة المدير “البرادو”! التلميذ الذي بجواره كان يفكر باقة البنزين التي يخبئها المدير في مخزن المدرسة، التلميذ الثالث كان يفكر في نكتة مضحكة ليحكيها للبواب، فالبواب عندما يضحك يغمض عينيه حتى تنتهي الضحكة، وهي مدة كافية لإخراج اللستك عبر الباب، المشكلة كانت في كيفية قطع الجنزير المربوط به اللستك في عربة المدير، وهذه تكفل بها التلميذ الرابع في الكنبة، الذي جلب في حقيبته – بدل الكتب – كماشة كبيرة من بنشر والده، فجأة خبطت المعلمة بيدها على كنبتهم لينتبهوا مفزوعين، صاحت فيهم بصوت عال:

    – ناديتكم تلات مرات وانتو ولا كأنكم جوة الفصل .. سرحانين في شنو انتو؟

    التفتوا إلى بعضهم دون أن يتكلموا، فأردفت المعلمة وهي تشمر عن “السوط الغليظ”:

     – طيب الحصة كانت بتتكلم عن شنو؟!

     واستمر التلاميذ الأربعة في سكوتهم، غضبت المعلمة ونهرتهم قائلة: “افتحوا يدينكم”. أعطت كل واحد خمس جلدات شداد، ثم عنفتهم وأمرتهم بالانتباه وقالت:

     – الحصة كانت عن معركة كرري الضحى فيها السودانيون بأرواحهم من أجل هذه البلاد، لكن إنتو يا ناس الكنبة الأخيرة ما حتتعلموا كلو كلو.

     بعد الحصة التف التلاميذ الأربعة حول بعضهم لمراجعة الخطة، أثناء ذلك قال أحدهم مشفقاً:

     – المدير دا زول كويس ياخ ليه نظلموا ونشيل لستكو ونحرقوا؟!

     فحدق فيه تلميذ آخر بعين حازمة وقال بصوت خافت حذر:

     – لأنك إنت ما عارف لقينا شنو أمس في منبرشات، المدير دا طلع كوز يا حبيبنا.

     ارتفعت حواجبهم في تلك اللحظة، وغضبت ملامحهم وأصروا أن يحرقوا لستكين من عربة المدير لكن التلميذ الآخر رفض قائلاً:

     – ما دايرين انفعالات يا أخوانا، كفاية لستك واحد بس.

      وبدأ تنفيذ الخطة انكسر الجنزير، تحرر اللستك من العربة، تحررت باقة البنزين من المخزن، حكيت النكتة للبواب فضحك وأغمض عينيه، خرج اللستك إلى الشارع واستقر في قلب الزلط، اشتعلت فيه النار، تجمع حوله التلاميذ، في البداية كانوا أربعة فقط، ثم عشرة، عشرون خمسون، مئة يهتفون جميعا: “سلمية سلمية .. ضد الحرامية.” وجيش من التاتشرات كان في الطريق إليهم!

      سمعت معلمة التاريخ الضجة من مكتبها، فخرجت إلى الساحة وسألت أحد التلاميذ عما يحصل فقال:

     – معركة كرري الزمان حضرتيها بعيونك؟

     فقالت مندهشة:

     – لا طبعا.

     فقال لها التلميذ:

     – طيب أجري الحقي الإعادة بره ما تفوتك!

**

       فجأة توقف المارة عن المشي، التفتوا لجهة واحدة بأعين حازمة كأنما أصابهم المس، حتى ملاححات الباعة مع الزبائن توقفت، حتى أبواق العربات، سماعات المطاعم الصاخبة، صيحات الطراحين، حتى شرطي المرور سرح للحظة في شيء ما، ست الشاي وقفت على حيلها وبدأت بالتلفت، بينما زبائنها على البنابر، ولو وجههم قبلة الساحة الرئيسية في السوق، كلهم في نفس اللحظة، كان ذلك في تمام الساعة 12 و59 دقيقة. بعض أصحاب المحال بدأوا في الإغلاق، بعضهم أغلق ضلفة واحدة وأخرج كرسيا وجلس عليه يتفرج، في ماذا؟ ليس هناك شيء إلى الآن، عربية الكجر كانت واقفة في آخر الشارع، عليها عساكر يتنفسون بسرعة، بجوارها تاتشر بدون لوحات عليه رجال ملثمون، وقفوا على حيلهم أيضاً ينظرون، إلى ماذا؟! ليس هناك شيء، “بتاعي الورنيش” أعادوا الأحذية إلى زبائنهم دون أن يورنشوها، الشحاذ أخذ إنائه من على الطريق وهمس لزميله: “تبقت دقيقة واحدة”، الكلاب اختفت أسفل العربات، القطط عادت لمخابئها، الطيور عفت عن بقايا الطعام رغم جوعها وغادرت المكان، حشد من المصلين خرجوا من المسجد، كذلك الخارجين من نوادي المشاهدة “قبل انتهاء الفلم”، ومن محلات الشيشة “قبل أن تنتهي أحجارهم”، كل هؤلاء وقفوا ينظرون إلى بعضهم البعض، إنسدت بضعة نوافذ في العمارات المجاورة، بينما انفتحت أخرى لتطل منها وجوه مترقبة إلى الشارع، إلى ماذا تنظر؟ لم يحدث شيء بعد، الساعة الواحدة ظهراً، انطلقت زغرودة!

**

     عرفتني ست الشاي في ساحة الإستاد .. قالت لي: “إنت الجيت الخميس الفات قبل الساعة واحدة صح؟!” .. عرفني بتاع العصير سألني: “إنت مالك بتجي من خميس لخميس؟!” .. بتاع الورنيش ينظر لي بريبة وهو يراني أمر به أكثر من خمس ست مرات في غدو ورواح، “هو يظنني أمنجي وأنا أظنه أمنجي”، فارش الكتب يقول لي: “أنت بتجي كل خميس وتسأل عن أسعار الكتب لكن ما بتشتري” .. بتاع الكافتريا يسلم علي سلام معرفة، فأرتاب منه وأمشي للكافتريا التالية فيسلم علي سلام معرفة أيضا، أسأله هل تعرفني؟ .. فيقول هامساً: “مش إنت الجيت الخميس الفات والقبليو في نفس الوقت دا ؟! .. أرتاب منه أيضاً وأختار كافتريا بعيدة فيقول لي صاحبها قبل أن أتكلم حتى: “الليلة ما عندنا فول والله معليش لكن عندنا حاجات تانية” .. أسأل نفسي متى عرفني كل هؤلاء الناس، كم خميساً أتيت إلى هنا ولففت بين كل هذه المحال، أجد نفسي محبوساً داخل قصة بورخيسية يعرفني فيها كل الناس وأنا لا أعرف أحداً .. تعطيني ست الشاي كوبي قهوة تباعاً، ولا تأخذ سوى قيمة كوب واحد، تسألني هل أحضرت هاتفك معك أم مثل المرة السابقة!، أقول: “لا لم أحضره”، تقول لي: “أحسن”، إنها حتى تعرف نوع هاتفي، تعرف إسمي، تعرف ماذا أنتظر بالضبط!، يا إلهي! .. حتى صاحب الكشك غمز لي قائلاً: “الزغرودة لسة؟!” .. بتاع السجائر في وسط الساحة كان يضحك كلما مررت به، لم أشتري منه قط لكني وقفت عنده عدة مرات وسألته عن سعر العلبة “لزوم التأمين” .. كلهم عرفوني، كلهم يعرفوني .. إلا الأمنجي .. إلا الأمنجي الملثم الواقف على عربته في بداية الشارع، لا يعرفني، إذ سألني بنبرة غاضبة: “من أنت؟ والى أين تذهب؟!” ..

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .