مطر

بقلم: نوف عائض

بينما كانت تقف في المطبخ تقطع الخضروات التي تعدها للغداء انهمرت السماء بالمطر، ألقتْ السكين في الصحن وأقتربتْ من النافذة التي تطل على الشارع فرأتْ الأرض يضربها المطر بغزارة…

خفق قلبها وهي تفكّر في ابنها الصغير الذي ألتحق بالمدرسة هذا العام لأول مرة.. أرعدتْ السماء فأهتزت شجرة مخاوفها..وسقط وجه ابنها الباكي ليلة البارحة وهي يقسم لها أنه لن يذهب إلى المدرسة وحيدا لأن صوت الرعد الذي أخافه جعل زملاؤه في الصف يسخرون منه، ثم بكى أكثر وهو يخبرها أن المعلم طلب منه أن يكون رجلا وألا يبكي كالنساء!.. التقطتْ عباءتها وهي تحاول أن تمسح رائحة البصل في مناديل الورق التي أمامها..

شق ضوء البرق عتمة الصالة ودوى الرعد كالصاعقة فالتقطت مفتاحها وخرجت من الشقة مسرعة.. وقفت على عتبة الدرج ثم أختارت أن تعود لتضغط زر المصعد لتصل بسرعة من الطابق الثالث إلى الباب الخارجي..انفتح الباب فدخلت مسرعة وضغطت الأزرار لينغلق الباب ثم يهتز قليلا ويبدأ الهبوط.. وسوستْ أنها لم تغلق فرن الغاز قبل خروجها لكنها قالت:” بإذن الله سأعود بسرعة..المدرسة قريبة”..

شهقتْ عندما أغرقها الظلام في الزنزانة الضيقة.. وأطبق الصمت على الكون كله.. أطلقتْ صرخة فزعة دون أن تعرف ماذا تفعل..ثم أخذت تضرب الباب الذي أمامها بكل قوة..تذكّرتْ هاتفها المحمول.. نفضتْ يدها عن لاشيء..مفتاح شقتها وقع تحت أقدامها يعلن الهزيمة.. وعادتْ تصرخ فنهرها الرعد في تحدٍ لصوتها الذي ألجمه الخوف والفزع.. تهالكتْ على أرضية المصعد تبكي وتضرب الباب بأقدامها هذه المرّة.. دموع طفلها البارحة تحرقها وكلماته عن سخرية رفاقه تقتلها.. كانتْ تعرف أنه يخاف الرعد.. طفلها الحمامة الذي يندس في حضنها كلما صاح والده في وجه..طفلها الذي يركض فزعا كلما سمع صوتا عاليا وظن أنها النهاية حتى لو كان الصوت لأحد يمزح..كيف له أن يكون الآن بخير والسماء تمطر وهي بعيدة؟!… تذكرتْ وعدها له أنها ستأتي لتأخذه إذا أمطرت..وأنها ستؤدب أصحابه وستلقن معلمه درسا… فعادتْ لتقف في الظلام وقد تصبب عرقها وأخذت أطرافها ترتعد وحاولتْ أن تصرخ مرة أخرى بينما الرعد وصوت المطر يطفئان صوتها الذي يهتز مبحوحا في حلقها..

اندفعت تضرب المصعد من جميع الجهات..تضغط كل الأزرار دفعة واحدة..تضع فاها على حد الباب وتنادي باسم طفلها.. ثم تعود لتدور في الغرفة الضيقة كلبؤة جريحة وتصرخ مرة أخرى.. أمهلها الرعد لحظات ثم أعاد ترديد وعيده..والسماء أصغت له وأسلمت للمطر القيادة..

فتح باب الصف وانطلق هاربا..جسده الصغير الناحل يقفز الدرج نحو الأسفل وخلفه أصوات سخرية زملائه تمزّق ظهره..وفي أذنيه يكبر صوت الرعد كوحش كاسر يخطو نحوه ليفتك به.. نزل الدرج كله.. وانطلق نحو باب المدرسة فقد وعدته أمه أن تأتي لتأخذه.. لكنه لم يرها.. رأه أحدهم فنهره وطلب منه العودة إلى الصف.. فتلفت قليلا.. ثم أتجه نحو الدرج الآخر الذي لايستخدمه أحد.. صعده مسرعا..وعند زاوية الانعطاف وجد طاولات وكراسي وأشياء لم يتبينها..انسل بجسده تحت إحدى الطاولات وبقي هناك يدير ظهره للمكان بعد أن قرب كيسا منه ليتوارى خلفه ثم أغلق أذنيه كي لايسمع خطوات الوحش وهي تقترب منه…

بعد ساعات.. عاد أحد الآباء بأبنائه من المدرسة.. اقترب من المصعد وهو يشكر الله أن المطر قد توقف أخيرا.. ضغط الزر فانفتح الباب..على أرضية المصعد رأى أصابع تنزف أظفارها.. ووجه أزرق لامرأة منكبة على وجهها أمامه.. ابتعد مصعوقا فقال ابنه فزعا:هذه جارتنا.. ثم نظر إلى أبيه وقال مرتجفا: نسينا أن نأخذ ابنها من المدرسة.. فتح الأب فمه وعاد متراجعا إلى الخلف.. تماسك قليلا وهو يهتدي إلى هاتفه ليتصل بزوجته لتنزل إليه..وانطلق هو نحو المدرسة ليبحث عن الطفل الذي أدار للعالم ظهره..فانقض عليه وحش الخوف ضاحكا ليغرز مخالبه في روحه الوجلة ويُلقي بها بعيدا..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة