الرئيسية / احدث التدوينات / نسخةٌ أخرى للموت

نسخةٌ أخرى للموت

بقلم: معاذ أحمد عبدالحليم

    الثالث من فبراير، يومٌ طويلٌ يتكرر كلّ عام، يزيد من أحزانك، ينتقص من سكينتك، يهدّد خطواتك، يزرع الرعب في صحراء أوردتك، يقترب منك في كلّ دورة ليجد أن سنواتك العجاف ما زلن يتآكلن، يصيبهنّ صدأ الانتظار، والترقب. يأتيك وأنت وحدك هنا، وحدك من يعتصره الخوف، يمضغه الهم. لا أحد يشعل لك الذكريات، لا أحد يغني لك “عيد ميلاد سعيد” ولا أحد يدعو لك بأن تطفئ مائة شمعة.

     صوتك ينادي بلا ذبذبات، المرآة ملّت ملامحك الشاحبة، غطّت وجهها بكفين ذابلتين. كم بقي لك من الشعر الأسود في رأسك؟ كم عدد الليالي التي أويت فيها إلى فراشك وليس تحت سريرك قارورة خمر؟ وليس على صدرك كتابٌ لدوستويفسكي، أو كافكا، أو تشيخوف؟ أعرف أنك تحبّ قابريال غارسيا ماركيز أيضاً، يعجبك اسم روايته “مائة عام من العزلة”، ولكنك تملُّ من غوصه في التفاصيل، أنت شخص قلق. دعنا من هذا كلّه، ما هي خططنا لهذا اليوم؟ أنت لا تشبع من النساء، هنّ نقمتك ونعمتك. أعلم أنك تعشق جمال المرأة الفرنسية؛ لمجرّد صورة في مجلّة. منذ ذلك اليوم وأنت تتصوّر أنّ كل النساء الفرنسيات يشبهن بريجيت باردو. تخيّل معي لو أنّ “خُمرتنا” المحلية هذه تمّ تصنيعها في باريس، تخيّل كيف أنها كانت ستفوح من أجساد فتياتها؟ ألا تحبّ الفتيات الصغيرات؟ عندما تزول تلك التشنجات، كل النساء يصبحن بنكهة واحدة. إنك تكذب على نفسك، تدّعي بطولاتٍ زائفة. كلّ الرجال يبحثون عن أنثى لا تلاحق مخيلتهم، أنثى تأخذ حقها وتذهب، ولا تترك لهم سوى مكان رطب، دافئ ومقزّز. أنا لا أردّد ما يقوله الآخرون. لم أقصد التعميم المطلق. ربما هذا نوع من التفكير المثاليّ.

    العلاقات العابرة تخصم من احترام الرجل لنفسه. الزواج لا يعني النهاية، بل هو اختزال لكل المعارك في معركة واحدة، وفي كلّ الأحوال أنت المهزوم. النساء يستطعن أن يتكيّفن ويتأقلمن مع محيطهن بما يتفق وحاجتهنّ الملحّة. ثمة نساء وهبن أنفسهنّ لتربية أبنائهنّ، ولم يؤثر ذلك على خصوبة كيدهنّ. أحلامك لا تناسب قدراتك وإمكانياتك. ها أنت ذا قد عدت لتلقي باللوم على حكومات دول العالم الثالث. بعض الرجال في تلك الدول يتمتعون بكلّ معطيات العالم الأول. لا تحبّ أن تمارس السياسة؟ أنت من الأشخاص الذين لا يمتلكون القدرة على المواجهة، تجدهم بعيدين عن موقع الحدث، ولكنهم يتابعون نتائجه بشغف، ينتظرون أن يلجأ إليهم من فشل، ويشاورهم من نجح.

    سوف تخرج يوماً ما لتهتف ضدّ “نفسك.” ضدّي أنا!؟ ألا تستحي من التفكير في هذا الأمر؟ لولاي لما كنتَ أنت، أنت. أنا من يذكّرك بالأشياء، وبالثالث من فبراير. أنت تحبّ أن تقضي الثالث من فبراير كالمناضلين في المنفى، تحتسي الشراب وتذوب كالثلج في عَرَق النساء. لست وحدك من يحتفل بعيد ميلاده بلا أهل، بلا أحباب. لست وحدك من يظن أنّ نساءنا يترهّلن بعد إنجابهنّ الطفل الأول. لست وحدك من يعمل بأجرٍ ضعيفٍ لا يسدّ رمقه. كثيرون هم من يشاركونك ذات الظروف، وذات الآراء، ولكنك تختلف عنهم في قدرتك على الاختباء. يشعرك هذا اليوم بأنك ما زلت لا تساوي شيئاً، يحرجك أمام هذه الأكوام من الكتب والمجلات. إنه كالصلاة التي تذكرك بأنك عبدٌ ضعيف. لا تتردد، أخرج من غرفتك، لا تنظر إلى عناوين الصحف، تجاهل التاريخ، اترك الاستماع إلى أغنيات الثورة، تحدّث إلى الناس، وافقهم في آرائهم، كن بلا قناعات، أنت مخطئ دائماً، تذكر هذه النصيحة.

    أنت مُسلِم، لا يهمك إن كنت صوفياً أم سلفياً، تخاف الله ولكنك لا تمانع أن ترتكب بعض الذنوب، تخاف ألّا يسامحك. في هذا التاريخ بالذات تتذكر معاصيك أكثر من أي أمر قمت به، لأنك تفقد عاماً من عمرك، كان أولى لك أن تبذله في الخير. أنت محق، لم يترك الأشرار والفاسدون مكاناً لأمثالك. لا، لستَ فاسداً، أنت مجرد شخص ضعيف. هل تظن أن اللص الذي يسرق لحوجته شخصٌ فاسد؟ لا أقصد المقارنة، لست كاللص، ولكن هناك مبرر لبعض الأخطاء.

    يا للثالث من فبراير في هذا العام، يبدو أنه لا يشبه سابقيه البتّة. يمرّ عليك كتهمة جنائية، يزعجك كصرير المكابح. وهذه الروشتات الطبية المبعثرة على الطاولة، والمحشورة في الخزانة بين ملابسك، تقول إنك بدأت تنفق جُلّ أموالك في ترميم ذاتك. روشتة طبيب الأسنان، روشتة طبيب العظام، روشتة طبيب أمراض المسالك البولية والتناسلية. أنصحك بأن تذهب إلى طبيب أمراض نفسية، طبيبي أنا، علّه يجد لك وصفة تغنيك عن التعايش معي. لن تتمكن من العودة إلى الوراء، لذا تقدم ولا تنظر إلى صورك القديمة.

    بالفعل كنت محاطاً ببعض الأصدقاء، بعضهم يبحث عن مصالحه معك، وبعضهم ينظر إليك كالأسطورة، تذهله حين يقف أمامك. إنها “أكذوبة العلاقات”، كطلاء مزيّف، تتقشّر وتتساقط مع أول اختبار. حبَسَتْك الأيام هنا لأنك اخترت أن تعيش حرّاً، تتعلم من السقوط تلو السقوط، تتساءل، تَشُك، تعترف، تقرأ، تسامح، تعتزل، تتّسخ، تصمت، تبكي، تتراجع، تغازل، تنتظر، تمرح، تتعاطف. من تكون لتفعل ما تريد؟ من يصدّق ذلك؟ حتى أنت لا تصدق نفسك.

    عندما تعلّق قلبك بحبيبتك السمراء؛ غيّرتْ لون بشرتها إلى الأبيض، ربما لتعجبك أكثر، أو ربما ظنت أنك لا تهتم كثيراً بالفرق، بعكس صويحباتها وأمها. لماذا لم تخبرها بأنك لا تنظر إليها كأنثى فقط؟ لماذا لم تقل لها إنك تبحث في جسدها عن خارطة العالم؟ لماذا لم تشرح لها طبيعة شهوتك تجاهها؟ لماذا كتبت حينها القصائد الحزينة؟ كيف صارت المرأة في نظرك محض اعتلاء؟ وأحياناً تكتفي بالتعرّي أمامها فقط؟ هل تعاقب نفسك؟ ماذا تتوقع أن يحدث لك في الثالث من فبراير القادم؟ “المقبل”؟ ما الخطأ في كلمة “القادم”؟ تبّاً للّغة… إنها تشبهك تماماً. إنها تتهاوى مثلك… مثل ذكرياتك. لا لا… لا أظن أن ذكرياتك ستموت، فقط لن ينبت شعرك الذي تساقط، ولن يتغير لون شيبك إلى أسود. لن تتغير نظرتك إلى الخمر. الخمر هذه لم تكن جريمة في نظرك، صنعتها أمك عندما كان أبوك بعيداً، جندياً يقاتل في صفوف الجيش، لولاها لما أكملت تعليمك، ولمتّ من الجوع. لولا أنّ أمك كانت تبيع الخمر لما وجدتَ أنت وإخوتك منزلاً يقيكم من التشرّد. ولا أعتقد أنك ستقلع عنها.
لن تسافر إلى أيّ مكان؛ فأنت تعشق الأرض التي وُلِدت فيها، تدمن التمرّغ فوق ترابها، تخشى أن تفارقها فتعود ولا تجد تاريخك، تحلم بأن تمتلك فيها قطعةً سكنيةً لك ولأولادك. إذا حدث أن تزوجت. الأحرار لا يطيقون أن يُستعبَدوا على أيدي الغرباء. هيا، العام القادم، أقصد “المقبل” لن يكون أسوأ من هذا. ألا ترى أنك وصلت إلى النهاية؟ تردّد ذات الأغنية، تنتقي ملابسك بذات الذوق. ساعات يومك لا يفصل بينها تنبيه. أفكارك تزداد صلابةً، تتحجر، تصطدم بها أحياناً فتؤلمك. وجباتك الثلاث من صنف واحد، قبلها وبعدها تتناول أدويتك بأزمانٍ متفاوتة. ليلك كنهارك، تتوجّس من الأجسام المتحركة، صديقك كتاب، عدوّك كتاب. حكاياتك محفوظة لدي الجميع، لا أحد يريد أن يسمعها، لا أحد يتحدث معك. متى كانت آخر مرّة تجاذبت فيها أطراف الحديث مع أحدهم؟ هل كان الموضوع يتعلّق بالنساء؟ بالرجال؟ بالمال؟ لا ترهق نفسك بالبحث عن إجاباتٍ لأسئلتي، لا ترهقها بتذكر تاريخ اليوم، إنه الثالث من فبراير، أليس كذلك؟ أليس اليوم هو عيد ميلادك؟ ماذا يكون إذن؟ ولكن، هذا لا يعقل! كيف نسيتُ ذلك؟ هل فات الثالث من فبراير أم أنه لم يأت بعد؟ أنت شخصٌ لا يطاق. تقرأ كلّ ما يقع عليه بصرك، ولا تكتب، لا تحتفظ بشيء تتعدّد وتتفرّد، أجدك وأضيع، أسألك وأجيب، أكرهك وأحبك، أعرفك وأجهلك. ألا تدري ماذا يعني هذا اليوم بالنسبة لنا؟ لن ألومك على ذلك. قدري أن أكون معك، عبثاً أحاول إخراجك منّي، أو أخرج منك. ليتني كنت قبلك نسياً منسياً، ليتني كنت فراغاً.

لم تنته القصة بعد.

إلى أن يثبت الثالث من فبراير.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة