الرئيسية / احدث التدوينات / أمادو همباطي با: كاتبٌ ملهم وبصير

أمادو همباطي با: كاتبٌ ملهم وبصير

بقلم: إبراهيم الروسي

قبل عقدين من الآن، حينما كنت في الثامنة من عمري، سمعتُ جدتي السبعينية أنذاك، تقول بصرامة لجارتنا التي كانت تحدثها عن خصومتها مع زوجها، قالت الجارة دون مبالاة: إنها خصومة صغيرة، غداً سيعود كل شيء كما كان، فقالت لها جدتي بحزم: لا وجود لخصومات صغيرة؛ إن الخصومة الصغيرة إذا لم يتم تداركها ستصير غداً خصومة كبيرة. بعد ستة عشر عاماً من هذه الواقعة، تحديداً في خواتيم العام 2014، بينما كنت أتجول في الكوكب الأزرق الجديد – فيسبوك – وجدت بعض الحكايات من كتاب (لا وجود لخصومات صغيرة) للأديب المالي الشهير أمادو همباطي با، نقلها من الفرنسية إلى العربية الأستاذ حمزة عبد الله، وقام بنشرها في صفحته على الفيسبوك، قبل أن أكتشف فيما بعد أن هذا الكتاب سبق وأن ترجمه المغربي محمد أحمد بنعبود، ونشر ضمن سلسلة إبداعات عالمية في يونيو 2008 بعنوان (لا وجود لخصومات صغيرة، حكايات جديدة من السافانا) وهي الحكاية التي استخدمها بصورة ملخصة جداً عام 1969م أمام المجلس التنفيذي لليونسكو بمناسبة الصراع العربي الإسرائيلي، كي ينبه المجتمع الدولي إلى الأخطار الكامنة في وضع كهذا، قائلاً: “ليست ثمة مشاجرات صغيرة، أو حريق صغير، لا أحد يعرف ما الذي ينجم عن ذلك.” أي أن عود ثقاب صغير كفيل بإحراق غابة كاملة. ما إن أكملت قراءة هذه القصص حتى تملكتني رغبة لا تقاوم للبحث عن من هو أمادو همباطي با، وما الذي كتبه، فبدأت أبحث بشراهة، فوجدت نفسي أمام شخصية عظيمة، كاتبٌ ومؤرخٌ وعالمُ أنسابٍ وشاعرٌ وراوي حكاياتٍ أفريقية وأحد كبار المتخصصين في الثقافة الفولانية والتراث الأفريقي وسبقت شهرته الأفاق، ولا تتميز حكاياته فقط بالجانب الإنساني الذي تدور فيه، إنما ببساطتها وغناها الروحي وفي أسلوب معالجته لها، كما يقول محمد أحمد بنعبود في مقدمة ترجمته لكتاب أمادو همباطي با الآخر (حكايات حكماء أفريقيا، وأسطورة نجدو ديوال)، وتتميز كتابات همباطي أيضاً بخصوصية، هي خصوصية الثقافة المحلية الأفريقية، ففي حكاياته يأخذنا إلى أفريقيا الحكمة والأسطورة والتنوع والسحر. وفي هذا المقال سأحاول تسليط بعض الضوء عن عالم همباطي با، وأشير إلى أن لضخامة إنتاجه الأدبي وتنوعه يبقى من المحال الحديث عنه في مقال واحد، لذا هذا المقال سيكون قيض من فيض عالمه الغني والثرى.

ولد أمادو همباطي با الذي ينحدر من أسرة فولانية أرستقراطية عام 1900 في بلدة باندياغرا غرب جمهورية مالي، كانت باندياغرا عاصمة لمملكة ماسينا الشهيرة في غرب أفريقيا، واسم (أمادو همباطي با) اسم مركب من اسمه واسم والده ولقبه، فاسمه (أمادو) مأخوذ من اسم (أحمد) ففي غرب أفريقيا كثير من الشيوخ الذين لم يدرسوا اللغة العربية بعمق يسمون أحمد بأمادو وأمثاله كثير من الأسماء أخرى كـ (بَكَرَ) من أبوبكر، و (مامادو) من محمد وغير ذلك، أما (با) فهو لقب من القاب الفلانية كـ (سيدبي، جالو، سنكارى، وديكو، وغير ذلك). يعد همباطي با أحد أوائل المثقفين الأفارقة الذين جمعوا ودونوا وفسروا كنوز الأدب الشفوي التقليدي لأفريقيا الغربية من حكايات ونصوص وأساطير وخرفات وسيَر. أصبح باحثاً بالمعهد الأساسي لأفريقيا السوداء في داكار منذ عام1940 ، وسفيراً لمالي في ساحل العاج بعد الإستقلال ومستشار خاص لرئيس ساحل العاج لفترة طويلة، ثم عمل عام 1962 بالمجلس التنفيذي لليونسكو. إنما يميز همباطي با ليس أنه كاتباً فقط إنما مقدم ومريد في الطريقة التجانية لذا نجد بصمات الدين واضحة في كل كتاباته، منها: (يسوع كما يراه المسلم)، (حياة وتعليم شيرنو بوكار)، (لا وجود لخصومات صغيرة)، (بودييل الصغير)، و(حكاياتٌ من السوانة)، والملاحظ أيضاً إن جل كتبه وحكاياته تدور حول الموروثة لدى الشعب الفولاني المسلم الذي ينتمي إليه، فقد عمل على بناء أو إعادة بناء الحكايات الفولانية، ومن أبرزها (أمكوليل الطفل الفولاني) (الحكاية التلقينية الفولانية وأسطورة كايدرا) و(حكايات حكماء أفريقية. إضافة إلى كتب أخرى كـ(نعم أيها القائد) التي نشرت في فرنسا عام 1991م، و(المصير الغريب)  وغيرها.

لماذا صرخ أمادوا قائلاً: في أفريقيا حينما يرحل رجلٌ مسن، فإن ذلك بمثابة إحتراق مكتبة كاملة؟

إلى وقت قريب – قبل التوسع المدني – كانت الرواية الشفوية الوسيلة الوحيدة التي تنقل عبرها القصص الشعبية، الحكايات، الأمثال والمعرفة التقليدية من جيل لآخر، ومن قبيلة إلى أخرى في أفريقيا، قبل أن تتقهقر يائسة أمام الرواية المكتوبة منذ منتصف القرن العشرين، مع محاولة المستعمر فرض ثقافته ولغته. وكان الراوي يحتل مكاناً متميزاً في مجتمعه لإمتلاكه قدرة بلاغية خاصة وقوة الذاكرة، وغالباً ما يكون رجلٌ مُسن وذو معرفة وخبرة كبيرة، لذا عندما يموت يذهب بمعرفته دون أن تدون لتبقى ذخيرة للأجيال القادمة. هذا ما أثار إنتباه همباطي با وجعله يطلق صرخة إنذار قائلاً: “في أفريقيا عندما يرحل رجلٌ مُسن، فإن ذلك بمثابة إحتراق مكتبة بكاملها.” هذه الصرخة أبرزت حالة من الوعي بضرورة تدوين التراث الشفهي.

إن إدراك أمادو بأهمية التدوين جعله يعمل بجد في تدوين الحكايات والموروثات الأفريقية خاصة الفولانية، وبدأ ذلك، حينما عاد إلى مالي عام 1933 إلى حيث نشأته، بلدة بندياغرا، ويمضي بقرب شيخه (شيرنو بوبكر) المعروف بحكيم باندياغرا- والذي أثر على حياته تأثيراً كبيراً – ستة أشهر لينهل من تعاليم الطرق الصوفيه، ويدون كل ما يسمعه من شيخه، الذي مات بعد سبعة سنوات. وكتب همباطي كتاب (شيرنو بُكار، حيكم بندياغرا؛ حياته وتعالميه). ويشتهر شيرنو بكار بمواقفه العالمية والتسامحية تجاه الأديان، وفي هذا الإطار سأل أمادو همباتي با شيرنو بُكار يوماَ: “شيرنو! هل أستطيع النقاش في الأمور الدينية مع غير المسلمين؟” فرد عليه شيرنو: “نعم… إذا كان بوسعك أن تحترمهم.” كان شيرنو يعلم تلاميذه التسامح ونبذ العنف وحب المعرفة وطلبها حتى من الفرنسيين، وعندما يتحلق حوله تلامذته معجبين بقدرته الخارقة على معرفة أوقات غروب الشمس وشروقها، فإنه يبتسم لهم مظهراً ساعة جيبه قائلاً: كان هناك من يجب أن تشكروه، فهو مخترع الساعة. وقال أمادو همباطي با في شيخه: إن حب شيرنو بكار للإنسانية تجاوز بكثير محيط جماعته الدينية ليشمل كل الجنس البشري، بل تجاوز ذلك ليضم كل المخلوقات بما فيها الأكثر تواضعاً من خلق الله وأيضاً وصفه قائلاً: كان شيرنو بُكار يتميز ببساطة مثالية، وليس من صفاته التنطع أو الغرور، وكان يتميز بقدرته على النظر إلى الأشياء بروح الفكاهة، يحب أن يرشد بلطف وبطريقة مسلية، ويكرر لنا من الحين لأخر على سبيل التحذير ولفت النظر المقولة التي تقول: “دائماً الإفراط في الجدية ليس من الجِدية”. وكل هذا عرفنه من ما كتبه همباطي عن شيخه.

هل خلاف بسيط يفسد للود قضية أحياناً؟

كثيراً ما نقول: “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.” هذه المقولة تؤكد بأن لكل شخص رأي ووجهة نظر خاصة به تختلف من شخص لأخر، وعلى كل إنسان أن يحترم وجهات النظر التي تختلف معه وعدم التشدد برأيه. لكن أحياناً إختلاف وجهات النظر تفسد للود قضية. في حكاية (روح التسامح: الحياة الملهمة لشيرنو بوكار) يحكي لنا همباطي قصة خلاف بين أتباع الطريقة التجانية الصوفية في إحدى مناطق مالي على عدد المرات التي ينبغي فيها تكرار الدعاء أثناء الصلاة، بينما رأى بعضهم أن إحدى عشرة هي الطريقة الأصل، بينما يرى أخرون أن إثنى عشر مرة هي الطريقة الوحيدة لتكرار الدعاء في الصلاة، وما بدأ أنه خلاف بسيط لا يفسد للود قضية، سرعان ما تطور ليتحول إلى خلاف قبلي أشبه بالحرب الأهلية الطاحنة، خاصة مع تدخل السلطات الفرنسية ودعمها فريق إثنى عشر على حساب الفريق الآخر، الذي يمثل شريف حمى الله مرجعه الروحي، لتتخذ منه السلطات الفرنسية عدواً مباشراً لها، قبل أن تعمل إلى عزله ثم نفيه خارج البلاد ليموت وحيداً ومريضاً في باريس، وكان شيرنو بكار من أتباع طريقة إثنى عشر. تشتد الإقتتال بين الفريقين المتناحرين على مرأى من شيرنو الذي ينبذ العنف طول حياته، فيقرر أن يزور الشريف حمى الله الذي لا يرضى بدوره عن العنف الدائر ويصرخ بأنه لا خطأ في إتباع أي طريق الإثنى عشر، إلا أن شيرنو كان قد إتخذ قراره، أي التحول إلى طريقة الشريف وهو متيقن أن قراره سيثير حنق أهله وقبيلته الذين يمثلون غالبية مدعومة من الفرنسين، لقد أراد شيرنو أن يثبت أن لا فرق بين الطريقتين وبالتالي لا مبرر للإقتتال، (ليس لدي أي شيء ضد الرقم 12، فقل ما لديك أنت ضد رقم 11) هكذا يجيب شيرنو زعيم قبيلته الذي يصرخ في وجهه غاضباً، قبل أن يأمر الجميع بمقاطعة زاويته، حتى أنه يأمر شيرنو بأن لا تطأ قدمه أرض المسجد وألا يغادر زاويته حتى يعود إلى طريق الصواب، هكذا يقضي شيرنو أيامه الأخيرة وحيداً ومعزولاً ولكنه صابراً ومبتسماً.

المصير الغريب:

أما في حكاية المصير الغريب يحكي لنا أمادو همباطي با عن قصة البطل (وانغري) الذي يعمل مساعداً لإحدى الفرنسيين المستعمرين، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى، يغادر الفرنسي ويترك له مهمة إنجاز بعض شؤونه إلى أن يعود، ومنها تزويد الجيش باللحوم، فيقوم (وانغري) بتوفير اللحوم من أبقار أهله الفولان الرعاة، ويصير في وقت وجيز فاحش الثراء، ويصعد نجمه، ويتزوج نساء من قبائل مختلفة، وكان من قبل عند ما كان فقيراً قد التقى بعراف أخبره بأنه سيصبح غنيا وسيصعد نجمه ولكن أيضاً سيهبط نجمه أيضاً، وعلامة هبوط نجمه حينما يرى طائر قمرى جالس في غصن شجرة جاف، وفي ذات يوم بينما (وانغري) مسافراً أراد أن يتبول فرأى طائر قمرى جالس في غصن شجرة جاف كما وصف له العراف، فأدرك (وانغري) أن نهايته قد حانت، فأصيب بحالة نفسية سيئة، فأخذ يعاقر الخمر لينسى مصيره المحتوم، فكان موته مأساوياً، فقد كان المطر شديداً فسقط مجرى مائي ومات.

كتاب حكايات حكماء أفريقية:

في هذا الكتاب نقل إلينا أمادو همباطي با حكايات وأساطير فولانية، عددها عشرة حكاية، منها: حكاية خيارات الناسك الثلاث، الشيطان ومارتاكمبا، الأزواج لماذا هم على هذا الحال، المبرر المقيت للضبع، الكذبة التي أصبحت حقيقة، الشيطان والمعرض، الكارثة دجينا نبارا الجني المقعد، حفنة رمل، الملك والرجل الأحمق، درس الخضوع. ويقول محمد بنعبود الذي ترجمه هذه الحكايات إلى العربية ونشرت في سلسلة إبداعات عالمية في أبريل 2013، التي تصدر عن مجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب – الكويت- إن همباطي حاول من خلال نقل هذه الحكايات الإشارة إلى القيم الإنسانية السامية التي يتقاسمها البشر بإختلاف ألوانهم وأعرافهم وثقافتهم، فمثلاً حكاية المبرر المقيت – الأب، تبرز مدى ضعف النفس الذي يسكن أفئدة بعض الكائنات، حتى لتصبح في لحظة، متحللة من كل التزام أخلاقي أو اجتماعي، بل حتى ليصبح الأب أقسى على ابنه من أي أجنبي متوحش، أما حكاية الكذبة التي أصبحت حقيقة، فتلفت إلى صغار الكائنات امام الوهم، حتى لقد يكذب الفرد من فرط ما يكرر كذبته، ينخدع هو نفسه بها فيصدقها، وتلمح حكاية خيارات الناسك الثلاث، إلى قصة ادم وحواء..الأنثى بإغوائها، قد تكون أحيانا سبباً في إخراج الذكر من الجنة، بل سبباً في خروجها هي أيضاً معه منها.

يمكن القول بأن أمادو همباطي با يحظى بإحترام واسع عند الشعب المالي والكتاب الفرنسيين، ويحتل مكانة عالية ومنزلة رفيعة بين شعوب غرب أفريقيا عامة، ولمؤلفاته حفاوة كبيرة، حيث أن تاريخه وكتبه يدرس في مدارس مالي وبعض الدول الأفريقية، لما تحمله من مضامين إنسانية راقية.

أشرت في بداية المقال أنه من المحال التطرق إلى كل ما كتبه همباطي با في مقال صغير كهذا، لكن هذه إضاءة بسيطة لهذا الكاتب البصير والملهم، ولمن يريد أن يرتشف من نهر أمادو همباطي با العذب والغني، أيضاً لمن يتتوق للغوص في سحر وعجائب أفريقيا، عليه البحث عن هذا الأديب الشهير.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة