الرئيسية / احدث التدوينات / أُحدوثة الحرب

أُحدوثة الحرب

بقلم: أحمد شيكاي

تَلْقَى الحرب نفسها في الشوارع عندما يتحدث الناس عنها، ليس وجودًا طارئًا فيُنسى، بل تواجدًا يؤدي إلى إيقافها ومن ثم مسحها من ذاكرة الأجيال القادمة. وتستمر في الاستعار بالسكوت عنها، فإنها في الوقت الذي تحرق الأخضر واليابس وتحصد أرواح الناس، تحرق في الآن نفسه قلوب وأرواح الناجين منها، إذ يقتلهم صمت الناس عما يجري لهم، والالتفاتة عنهم. فالحربِ بقدر قدرتها على إخفاء حيوات أناس، فهي تخلقها في جانب آخر منها؛ المصاب واحد، رغم فداحة ألمه وما يسببه من شرخٍ.

بطبيعة الحال يكون الحديث عن الحرب لشخص لم يشهدها شخصيًّا، جانب من التضامن، يحتضن لمسة عاطفيّة، تتجاوز التعاضد  للاحساس به إلى معايشته، خاصة حينما يتعلق الأمر بالذاكرة، ففي حياة الناس يحرصون على ذاكرتهم وفي مماتهم يحرصون على قبرٍ، منفصل، أوحد،  مما يعني موتًا طبيعيّا، وطبيعيّا هذه تطرد الحرب من الحضور، لكنه، على كل حال، ليس كل الناس، هم الناس الذين لم تصم أذنيهم بأصوات المدافع، ولم يشهدوا حرق المنازل، وحرق الأرض بمن فيها، بقر بطون الحوامل، اغتصاب الطفلات، تعذيب المعذبين بالصمت وقلة الحيلة، لذا، تظل الحرب باردة على من لم يمسسها، لا بخير ولا شر؛ إذ أن أشرارها، أول المكتوين بنارها، تلسعهم بليهبها، تحرقهم، تحرق نومهم الهاني، فينتهي بهم الحال مجانين مصفدين بالسلاسل الحديدية، كما حدث مع ابن حيّنا، الذي عاد من جنوب السودان وهو عبارة عن عظمتين وكيلو لحم، وذاكرة مليئة بالرصاص وأصواته، وتهيؤات بقرب خروج روحه عن جسده.

كاتب هذه السطور، لم يشهد الحرب علانية، لكنه رأى خرابها، اشتم رائحة البارود في أجساد النازحين منها، قرأ الخوف في أعينهم، رأي صور المجازر، والجثث المتناثرة في لمعان أعينهم، ثم أنه شهد الأمراض الوبائية التي تلي كل حرب، رأى الفتيات الصغيرات تدمع أعينهن الدم، ويفرغ باقي جسدهن كل السوائل، وكل سؤال عن فهم ما الذي يحدث كانت الإجابة: النازحين أصيبوا بوباء (الكوليرا)، ما هي هذه الكوليرا، التي تجعل أجمل بنت في حينا يختلط ما يخرج عن فمها بما يخرج عن تحتها؟!

أنه من الحرب، ومنذ يومها لم تعد الحرب إلا صورة، تُقبِّح المحبوب في نظر عشاقه.
هذه الأحداث جزء من ذاكرة بعيدة عن حرب دارت في 26 مارس من العام 1997م في شرق السودان، في منطقة جنوب طوكر، راح ضحيتها آلاف البشر الطيبين المساكين، الذين لم يتعدَ همهم من الحياة سوى قطعة خبز وسلامة أطفالهم حتى مرحلة الزواج وتحمل المسؤولية، لم يكن لهم طموح بحكم بلدٍ ما، أو منافسة صاحب جاه في سلطانه، حتى أنهم لم يسعوا لخلق ما يضعهم ومنطقتهم في مكان اختلاف عن غير هم من ضحايا جاه وسلطة المركز، كانوا هانئين بعيشتهم، قابلين بالكفاف من الحياة، صبروا على كل قبيح من تقلبات الطبيعة وبني البشر، لكن الطغاة لا يعجبهم في ضعف الناس إلا موتهم!

حرب جنوب طوكر، هي طشاش في ذاكرة السودانيين، لأسباب موضوعية، واحدة منها مركزية الدولة وعنصريتها، وبجانب أسباب ذاتية يعاني منها كل سوداني في ذاته، وحربه الجماعية أو الخاصة مع السلطة، لكن ما يقتل الضحايا مرتين هناك، إنهم قتلوا ثم تشرد ذويهم ثم لم يسأل عنهم أحد.
حتى أنه بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على اتفاقية شرق السودان، والتي كان واحد من بنودها رفع حالة الطوارئ عن منطقة جنوب طوكر وإعادة إعمارها، ونزع الألغام عنها ما زالت تأن تحت كل يوم موت جديد نتيجة انفجار لغم في قرية، أو اعتقال فرد بسيط لأن المنطقة تحت قانون الطوارئ.

فبالعودة للحديث عن حرب جنوب طوكر، في شرقي السودان، لابد من المرور عن الترابط الاجتماعي والتواصل الشعبي والاختلاط الهوياتي عن مجموعة ثقافية عرقية، اجتماعية، تعيش في دولتين ذات سيادتين حكوميتين مختلفتين، خلقتها ظروف الدولة القُطرية الحديثة. عادةً يكون نصيب هذه المجتمعات، نكران الهوية وحرمان من امتيازات الدولة في حالة السلم والمواطنة، والحرق والابادة في حالة الحرب، بل أشد أنواع  التعذيب كما حدث لمواطني جنوب طوكر إبان حرب العام 1997، وواحدة من الصور الأكثر حضورًا في ذاكرة الناجين هي اقتلاع اللحية عن فك شيخ ثمانيني  قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت التعذيب، وبقيت جثته تلهبها الشمس لأيام ولم يقدر أحدهم على الاقتراب منها، مخافة الحكم بالاعدام الذي أعلنت عنه القوى المحتلة للمنطقة، بغض النظر إن كانت القوة تتبع لتجمع المعارضة السودانية أو الحكومة الإرترية كان حري بسلطة دولة السودان أن تحمي مواطنيها، لكن، للحماقة والأسف في آن، كانت قد أعلنت حكومة السودان أن منطقة جنوب طوكر منطقة دفاع متقدم، وهذا يُفهم في عُرف العسكريين أنها خارج حدود التضحية والدفاع عنها وساكنيها من المواطنين.

بطبيعة الحال هناك متهمين متعددين ولغوا في دم إنسان جنوب طوكر، السلطة الحالية في الخرطوم، معارضي سلطة الخرطوم، وسلطة أسمرا ومعارضيها، فالحرب مجمّع الأشرار، مصاصي دماء الأبرياء في كل زمان ومكان.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة