الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: فن إثبات الوجود

ترجمات خاصة: فن إثبات الوجود

ترجمة: تقوى سامي

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

بالرغم من كل المعوقات التي تقف أمام حُرياتِهِن، النساءُ العربيات ينتقلن إلى مرحلة جديدة من آلاف الانتفاضات الصغيرة في تفاصيل حياتهن اليومية.

إيماءة فرعونية في وجها نحو أمها المصرية التي تسيل التجاعيد بكثافة في وجهها.
العضلات التي يستند عليها جسدها تكشف بوضوح عن التعب المختبئ في جسدها جراء الوقوف لعدد لا متناهي من الساعات امام بركة المياه، وقدماها تضغطان على ماكينة خياطة الثياب التي تصنعها تشابه في هزالتها، الأردن، حيث تعيش! شديدة التحفظ على مبادئها امرأة مفرطة التهذيب والاتزان وهكذا فقط، تعيش حياتها.

سأطلق عليها اسم “هدف”، اسم عربي بما فيه الكفاية يليق تماماً بامرأة عاشت أربعةً وثلاثين عاماً لم تكن فيها سوى “هدف” كما ينبغي لمعنى اسمها أن يكون. لا اللمحة الأولى، ولا حتى إعادة النظر مجدداً اليها، ولا انتماءها لهذا المجتمع الأردني ينبئ عن شيء مفاجئ أو مميز.

الأحداث المميزة، هي كالتالي: شهادة بكالوريا في التصميم الجرافيكي من جامعة اليرموك في أقصى شمال إربد. وكالة إعلان ناجحة، متبوعة بوظيفة مرموقة جداً في إحدى أكبر الشركات العالمية ودراسات عليا في MBA من كبرى جامعات إدارة الأعمال في لندن. وعلى غير المعتاد في الأردن، تنورة ضيقة تعكس انتماءها إلى الطبقة الغنية التي تمتلك وظيفة جيدة ومستقبلاً ناجحاً.

لنحاول التعرف على “هدف” عن كثب لنكشف الستار عن حياة مغلفة بالصعوبات وعلى الدوام ولكن صعوبات ومعوقات تم التغلب عليها بنجاح بواسطة امرأة عربية تمكنت من تحوير كل هذه الظروف القاسية والتي لا ترحم أبداً إلى واقع مختلف تماما.

والد هدف الفلسطيني، والذي كان مهندساً زراعياً التقى والدتها المصرية والتي كانت تدرس التصميم الداخلي في العام 1960 في مصر. كحال أغلب الفلسطينين الباحثين عن لقمة العيش وقتها، وعن وطن، انتقل والد هدف إلى الكويت للعمل في مجال التدريس. سرعان ما لحقت به أمها لتعمل في التدريس هي الأخرى، الجميع يعلم بأن التصميم الداخلي كان ليجلب لها أموالا أكثر الأمر الذي من شأنه أن يجعل زوجها يشعر بأنه أقل منها وتتأذى رجولته.

تخلصت من الزواج من ذلك الميكانيكي عبر ارتداء “تيشيرت” أمام مكان عمله، وكان هو، من أنهى الخطبة عندما بدأ صدام حسين في احتلال الكويت عام 1990 وتولى ياسر عرفات جانبه، وجد الكثير من الفلسطينيين أنفسهم، غيرَ مرحبٍ بهم مجددا في الإمارات مما أضطرهم للهجرة إلى الأردن للحصول على حياةٍ كريمة.  والد “هدف ” كان أحدهم، بدأ عملاً خاصا بقطع غيار السيارات وسرعان ما تحطم من قبل أن يشتد عوده، جارفاً معه الأسرة بالكامل لوضعٍ أقرب للفقر المدقع.

لم تكن هنالك أحداث أشد درامية من قبل أن تبدأ معاناة “هدف ” الخاصة. لا دوافع من شأنها أن تحركها للبحث عن شيء مختلف، والدها هبط سريعا من الطبقة المتوسطة إلى خط الفقر، ومحيطها المجتمعي كان مترابطا بصورة مجتمعية أكثر من كونها اقتصادية. ارتدت والدتها البرقع تماما كما تفعل كل النساء الأخريات عند بلوغهن الأربعين. توقف والدها عن تناول الكحول ولكنه لم يكن يصلي، الكثير من الحب بصورة ما كان يحيط بالجميع.

خطوة بخطوة، هذا ما فعلته للهروب من الزواج بذلك الميكانيكي عند بلوغي السادسة عشر من العمر، قمت بتقصير تنورتي قليلا، وكفكفت أكمام قميصي بعض الشيء. جهزت نفسي للسفر إلى اليرموك، المكان الذي سأعمل فيه كنادلة في الصيف، “هارد روك كافيه”.  جادلتُ أمي كثيراً، استمتُ في النقاش مع والدي، أحضرته الى اربد ليقابل مالك المقهى بنفسه. كنت أحاول أن أحصل على حياة ولم يتمكنوا من منعي من الإقدام على فعل ذلك. وبالطبع كان هنالك الكثير من التحديات، الأخطاء والأكاذيب. انتقلت للعيش بمفردي عندما وصلت إلى السنة الدراسية الثانية، وتهربت من الزواج من ذاك الميكانيكي فقط عبر إرتداء تيشيرت والوقوف به أمام مكان عمله وكان هو الذي بادر بإنهاء الخطبة. وأقنعت والدي وقتها بضرورة إنهائي لدراستي. وتمكنت أيضاً من كسبهم في صفي، كانت لدي خزانتان للملابس، إحداهما للملابس التي أرتديها وأختارها في حياتي والأخرى لزيارتهم في المنزل.

قصتها قصة عظيمة، وذلك لا ينفي بالطبع أن العديد من النساء الأخريات يقاتلن بأسنانهن وأظافرهن لخلق انتفاضاتهن الصغيرة الخاصة بهن. الفلسطينية ذات الاثنين وعشرين ربيعا، سأسميها سعاد
تعمل معي في نفس المنطقة، كانت لها مخاوفها ورغباتها ايضاً. “أنت تقلق من التفكير في العواقب، سرعان ما تقرر أن تأخذ خطوة، ثم التي تليها ثم التي تليها، بعد ذلك تستفيد من كل انفراجة. اكتشافها لما تريد، هذه الخطوة تحديدا، كان الأكثر تأثيرا ودفعا على الإطلاق، قامت سعاد بكل ذلك وهي في سن السابعة عشرة وفي آخر سنة دراسية لها.

بالرغم من أن كل الفتيات في صفها كن منتقبات إلا أنها اختارت طريقا مختلفا. لم يقلب الموازين إلا حديث معلمتها معها قبل ان يبدأ الصف وتأتي بقية الفتيات بأن والدتها ستدخل النار إن لم تقم هي بالاحتشام وما كان منها إلا أن استسلمت. منذ شهرين، خلعت سعاد حجابها، خلال تلقيها لدروس اللغة الإنجليزية، أحست وقتها بأن هذا هو حقا ما تنتمي إليه. ردود الأفعال تجاه ما أقدمت سعاد على فعله كانت متباينة جداً. كان والدها سعيدا برؤيتها تحرر شعرها كما تريد أما والدتها فقد تمنت لو أنها قد ماتت قبل أن تشهد هذا اليوم.

الجيران كانوا قد أبدوا قلقهم وتوترهم إزاء ما يحدث بصمت غريب. صديقة واحدة فقط خاطبت سعاد قائلة: “إذا كان هذا ما تريدينه حقا فأفعليه.” ما حدث مع هدف وسعاد هو جزء يسير فقط من الذي تخوضه وتعانيه المرأة بصورة يومية في المجتمعات العربية.

“آصف بيات” البروفيسور بجامعة الينويس والمختص بالدراسات الإسلامية والمجتمعية في منطقة الشرق الأوسط أطلق على ذلك “فن إثبات الوجود.” هذا المصطلح بوضوح يصف كل النساء اللاتي دافعن عن حقهن في التعليم والرياضة والموسيقى والعمل وغيرها رغم كل المعوقات والتحديات اللاتي تواجههن. ووصفهن بأنهن الأشد فعالية في إصلاح كل الأعطاب المجتمعية.

كإسلامي أنا أرى بوضوح كل هذه الانتفاضات الشخصية التي قامت بهاء كل أولئك السيدات والخوف الوحيد الذي يظل قائما هو أن يتم أسقاط كل هذه الحقوق التي تم الحصول عليها بصعوبة.

حتى في العصور التي تعتبر أكثر ليبرالية ومنذ عقود مضت سلكت النساء نفس الطريق. قصة هدف تشابه جدا قصة الكاتبة اللبنانية حنان الشيخ. خطوات صغيرة تخبئ بين طياتها أحلاما كبيرة.
إذا ألقت إحدى فتيات القرى في الجنوب نظرها نحو التعليم سيتوجب عليها الانتقال إلى بيروت لدراسة الجامعة. أو عوضا عن ذلك سينتهي بها المطاف لتحمل دبلومة أو كورسا في التمريض.

رواية الكاتبة ليلى بعلبكي “أنا أحيا” اشتملت على الكثير من المحرمات والممنوعات التي تتعرض لها المرأة العربية في تلك الفترة. بأقدام واثقة وخبيرة قررت الكاتبة حنان الشيخ المضي قدما في هذا الطريق. وقد وجدت رواياتها رواجا كبيرا حتى في تلك البلدان التي حجبت منشوراتها فيها.

ليس من المفاجئ أبداً أن تبدو انتفاضات النساء الصغيرة في ذلك الوقت فعلا قاسياً وحاداً. عندما ثار الرجال من أجل الحريات مطلع القرن العشرين ثارت النساء معهن جنباً إلى جنب آملات في الحصول على بعض هذه الحريات. لم يحصلن عليها! والخوف الآن من أن يسرق الإسلاميون القليل جداً من الحريات التي حظيت بها النساء من خلال انتفاضاتهن الصغيرة. حتى القرن الواحد والعشرين النساء الأردنيات واللبنانيات لا يستطعن منح أبنائهن الجنسية! جرائم الشرف في منطقة الشرق الأوسط تصنف اعلى معدلات فيها من قبل النساء. ماذا ينبغي لذلك أن يعني؟ كيف يحدث ذلك والنساء كما هو مفروض عليهن مقيدات بالحجاب والنقاب؟

بلدان كثيرة مثل مصر والأردن أصبحت الآن تقف بصلابة أمام الرياح العاتية. ولكن لا يزال الحكم بالدين والشريعة يهزم كل الحريات التي تعتبر حقوقا لهن من الأساس. ليس من المفيد على الأطلاق تضخيم قضية والدعوة لدعمها وهي إحدى أبسط الحقوق الانسانية منذ البداية. احتشام المرأة والتزامها بالقواعد من المحري أن يكفل لها حرياتها، كأن يغلق أحدهم الشباك وهو ينظر للباب مفتوحا. في الواقع، بالنسبة لعدد كبير جدا من النساء العربيات النقاب ليس أمرا قابلا للمفاضلة والاختيار، هو أمر حتمي لابد منه. على عكس القلة التي يظنن أن ارتداءه هو تقرب من الله وإرضاء له.  ولكن ما كشفت عنه الأبحاث بهذا الصدد أن المسبب الرئيسي لإرتداءهن النقاب لا يتجاوز كونه ضرورة مجتمعية أو سياسية.
حيث كانت استراتيجية الكثير من الحكومات الإسلامية فرض النقاب لكي يبدو السمة الأساسية لتطبيقهم للشريعة الإسلامية. إحدى الدراسات التي قامت بها الدكتورة ليلى أبو لغود أسفرت عن أن التغيير الذي قد يطال النساء ويدفعهن للتخلي عن هذه القوانين هو احتكاكهن بالغرب بصورة ما.
في حين أن استماع البعض للمناصرين القدامى قبل عصر الحريات والحداثة يجعلك تؤمن به أيما إيمان، ولكن ها هن النساء يمشين في الشارع يمارسن حياتهن بصورة اعتيادية ويؤدين أدوارهن بدون الحجاب الآن. أما عن الدوافع التي تقبع وراء ارتداء النساء للنقاب فهي متعددة. بعضهن يفضلن الإختفاء فقط وراء الستار، البعض يؤمن بأنه وسيلة حقيقية للتقرب إلى الله. وغيرها
ثلاثون عاما مرت الآن على عودة النساء لإرتداء النقاب بصورة كبيرة الآن ولا تزال الأسباب مختلفة ومعقدة.

إلى أي مدى يمكننا أن نكون متفائلين بوجود دين بخضع بصورة مستمرة للتدخل السياسي؟ نحن الان بصدد مواجهة حقيقية امام خطابات الكراهة الموجهة ضد الحكومات والشرائع الاسلامية.  بين أولئك المتعصبين الذين ينظرون للإسلام فقط على أنه مجموعة لوائح وشرائع والآخرين الذين ينظرون إليه على أساس أنه مجموعة من القيم الأخلاقية. ومستقبل العالم العربي يقبع تماما خلف كل هذه النزاعات وبالتالي مستقبلنا كنساء عربيات مسلمات.

بالنسبة لدينا ذات الثلاثين ربيعا والقليل من السنوات والتي رفضت ارتداء الحجاب واكتفت بعقليتها الليبرالية التي تجعل قضية الإيمان بالنسبة لها مسالة قلبية. برغم معارضات الأهل والمجتمع المستمرة.
السنوات القادمة بالتاكيد ستحمل في طياتها الكثير والكثير من ثورات النساء وانتفاضاتهن الشخصية.

عن تقوى سامي

mm
طبيبة وكاتبة ومترجمة من السودان