الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: ما هو الإبداع بحقّ؟

ترجمات خاصة: ما هو الإبداع بحقّ؟

لقراءة الموضوع الاصلي(هنا)

برادبيري، إيمز، آنجيلو، غلادويل، أينشتاين، بيرن، دوشامب، كلوس، سنداك، وآخرون.

 “الإبداع” هو أحد تلك المصطلحات المتنوعة مثل “السعادة” و”الحب” والتي يمكن أن تعني الكثير من الأشياء ويمكن كذلك ألا تعني شيئًا على الإطلاق. ورغم ذلك حاول عدد من أعظم العقول في التاريخ التعبير عن طبيعة الإبداع وشرحها ووصفها وتحديدها وتحليلها، وبعد تلك التعريفات المتشابهة الأكثر روعةً ووضوحًا التي قدمها كبار المشاهير في مجال الثقافة للفن والعلم والحب، نأتي هنا إلى تعريف الإبداع.

يرى الكاتب الأمريكي راي برادبيري أن الإبداع هو “إسكات العقل المنطقي” ويضيف:

“يمثل العقل خطرًا كبيرًا على الإبداع…لأننا نبدأ في التبرير، واختلاق أسباب للأشياء بدلاً من التمسك بالحقيقة الأساسية لنا: من نحن؟ وماذا نحن؟ وماذا نريد أن نكون؟ كانت توجد على الآلة الكاتبة الخاصة بي لافتة تحمل عبارة: “لا تفكر”، وظلت تلك اللافتة عليها لأكثر من 25 عامًا، فيجب ألا تفكر مطلقًا عند استخدام الآلة الكاتبة، يجب أن تستخدم إحساسك فقط، ودائمًا ما يكون الفكر داخل هو ذلك الإحساس على أية حال …وأسوأ ما نقوم به عندما نفكر هو الكذب، فيمكننا اختلاق أسباب ليست حقيقية للأشياء التي قمنا بها والتي نحاول القيام بها تمامًا مثل الشخص المبدع، فيجب أن نفاجئ أنفسنا ونبحث عن طبيعتنا الحقيقية ونحاول عدم الكذب ونحاول قول الحقيقة دائماً، والسبيل الوحيد للقيام بذلك هو أن نكون في غاية النشاط وفي قمة العاطفة، وأن نتوقف عن التركيز على أنفسنا، وأن نحدد ما نكره وما نحب ثم نكتب عن تلك الأشياء بغزارة.”

وقبل فترة طويلة من تحوله إلى ذلك الفنان الذي نعرفه ونحبه كتب الشاب موريس سنداك الذي كان يمتلئ بعدم الثقة بالذات رسالة للمحررة الشهيرة أورسولا نوردستورم يقول فيها:

“المعرفة هي القوة الدافعة التي تعمل على تنشيط الحماس الإبداعي”

وعندما كتبت رسالة ترد عليه أجابته نوردستورم بذلك المزيج من الحكمة والطمأنينة الذي يميزها:

“هذا هو الفنان المبدع، إنها إحدى مساوئ الفنان المبدع، فهو يرغب في إنتاج النظام من الفوضى”

وللصحفي الأمريكي بيل مويرزيرجع الفضل في تقديم تعريف معكوس يستبعد النظام ويسعى بدلاً من ذلك وراء الفوضى السحرية:

“الإبداع هو اختراق ما هو عادي للبحث عن العجائب”.

أما عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين فقد أطلق على السمات المميزة للإبداع اسم التفاعل التجميعي“. فنجده يكتب رسالة إلى أحد علماء الرياضيات الفرنسيين في كتاب أينشتاين أفكار وآراء فيقول أينشتاين في تلك الرسالة:

“إن الكلمات أو اللغة كما تُكتب أو تُنطق لا يبدو أنها تلعب دورًا في آليات التفكير لدي، فالكيانات الفيزيائية التي يبدو أنها تلعب دور عناصر الفكر هي علامات معينة وصور واضحة إلى حدٍ ما ويمكن إعادة إنتاجها وتجميعها “طوعًا”.

وبطبيعة الحال توجد علاقة معينة بين هذه العناصر والمفاهيم المنطقية ذات الصلة، ومن الواضح كذلك أن الرغبة في الوصول في نهاية الأمر إلى مفاهيم متصلة منطقيًا هو الأساس الانفعالي لهذا التفاعل الغامض إلى حدٍ ما مع العناصر آنفة الذكر، ولكن عند الحديث من وجهة نظر نفسية نجد أن هذا التفاعل التجميعي يبدو سمة أساسية في التفكير البنّاء، قبل أن تنشأ أي صلة بالتركيب المنطقي في صورة كلمات أو غيرها من أنواع العلامات التي يمكن توصيلها للآخرين”.

أما الكاتبة الأمريكية مايا أنجيلو التي تُعد من أفضل حكماء العصر الحديث فترى أن لغز الإبداع ومعجزته يكمنان في طبيعته المتجددة ذاتيًا،  ففي تلك المجموعة الرائعة التي تحمل اسم محادثات مع مايا أنجيلو التي تحتوي أيضًا على محادثتها اللاذعة مع الصحافي الأمريكي بيل مويرز ، تقول أنجيلو:

“إن الإبداع أو الموهبة يشبهان الكهرباء، فأنا لا أفهمها ولكن يمكنني تسخيرها واستخدامها، الكهرباء التي لا تزال لغزاً، أعرف أنه يمكنني توصيل القابس وإضاءة كاتدرائية أو معبد يهودي أو غرفة عمليات واستخدامها للمساعدة في إنقاذ الآخرين، أو يمكنني استخدامها لإعدام شخص بالكرسي الكهربائي، فالإبداع مثل الكهرباء ليس له رأي، فيمكنني استخدامه على نحوٍ بنّاء أو على نحوٍ مدمر، فالمهم هو أن استخدمه، ولا يمكن استنفاذ الإبداع، فكلما استخدمته زاد.”

ونجد الصحفي الأمريكي توم بيسيل في كتاب الساعات السحرية: مقالات عن المبدعين والإبداع يحتفي هو الآخر بهذه الصفة السحرية للإبداع:

“إن إبداع أي شيء…يعني الاعتقاد ولو للحظة فقط أنك قادر على إتيان السحر، …وهذا السحر…خطر في بعض الأحيان، ومعدي في بعض الأحيان، وهش في بعض الأحيان، ويفشل في بعض الأحيان، ومثير للغيظ في بعض الأحيان، ومنتصر في بعض الأحيان، ومأساوي في بعض الأحيان.”

ولكن قد نجد تعريفًا أكثر تحديدًا وأقل غموضًا لعملية الإبداع، ففي كتاب عبقرية استثنائية: كيف تُولد الأفكار العظيمة (المكتبة العامة) الذي يحتوي على مجموعة رائعة من اللقاءات الصحفية التي أجرتها الصحافية الأمريكية دينيس شكرجيان مع الحاصلين على جائزة “منحة العبقرية” من مؤسسة ماكارثر، نجدها تلخص النتائج التي توصلت إليها على النحو التالي:

“إن مفتاح الإبداع ــــــ إن كان ثمة شيء مقيد واحد يمكن قوله عنه ــــ هو أن يحدد المرء موهبته الخاصة ثم يبدأ العمل عليها لفترة طويلة من الوقت”.

استضافت شكرجيان أخصائي علم الأحافير الراحل ستيفين جاي غولد الذي يُعد على الأرجح، أفضل كاتب علمي على مر العصور، والذي يصف أسلوبه الخاص في الإبداع على أنه فن إقامة الصلات، وتقدم لنا شكرجيان وصفًا متكاملاً لهذا الأسلوب:

“إن تلك الموهبة الخاصة التي يتمتع بها غولد، تلك الموهبة النادرة التي تمكنه من رؤية الصلات بين الأشياء غير المترابطة ظاهريًا هي أساس كل شيء، لقد كان يركز دون قصد على أكثر التعريفات المتشعبة للإبداع شعبية: فكرة الربط بين شيئين غير مترابطين بكفاءة، والمفاجأة التي نشعر بها بسبب هذه الصلة تجعلنا نتوقف ونفكر فنقول: ياله من إبداع.”

وتلك الفكرة ليست جديدة بطبيعة الحال، ففي بحثه الثاقب والخالد في عام 1939 تحت عنوان أسلوب إنتاج الأفكار الذي يوجز المراحل الخمس للتفكير نجد أن رائد الإعلانات الأمريكي جيمس ويب يونغ يؤكد على ما يلي:

“الفكرة ما هي إلا تركيبة جديدة من العناصر القديمة وتتوقف القدرة على جمع العناصر القديمة في تركيبات جديدة بصفة عامة على إمكانية رؤية العلاقات، فعادة العقل التي تؤدي إلى البحث عن العلاقات بين الحقائق تمثل أهمية قصوى في إنتاج الأفكار.”

وبعد ثلاث سنوات وفي عام 1942 أضافت روزاموند هاردينغ بعدًا آخر بالتأكيد على أهمية التركيبات التي تضم فروعًا معرفية مختلفة في مجلدها الرائع الذي نفذت طبعته ويحمل عنوان تشريح الإلهام:

“تعتمد الأصالة على تركيبات جديدة ولافتة للنظر من الأفكار، ومن الواضح إذًا أنه كلما زادت معارف الإنسان أصبح لديه فرصة أكبر للوصول إلى تركيبات لافتة للنظر، وليس فقط كلما زادت معارفه عن تخصصه فقط، ولكن كلما زادت معارفه التي تتجاوز تخصصه إلى موضوعات أخرى، فمن الحقائق التي يجب تأكيدها بما يكفي أن هؤلاء الأشخاص الذين أصبحت لهم مكانة بارزة في الفنون أو الآداب أو العلوم كانوا يتمتعون عادةً بقدر كبير من المعارف في موضوعات خارج مجال نشاطهم.”

وبعد سبعة عقود من ذلك يردد المعلم الشهير فيل بيدل هذا المفهوم في مخططه الرائع الدليل الميداني للإبداع الرقص في المكان: كتيب الإبداع:

“إنها القدرة على اكتشاف الإمكانيات في ناتج ربط الصلة بين الأشياء التي لا تجتمع سويًا في المعتاد، وتلك القدرة هي التي تميز الشخص المبدع بحق.”

وقد عبر مؤسس شركة آبل للكمبيوتر ستيف جوبزعن تلك الفكرة على نحوٍ ممتاز بل وأكد كذلك على أهمية جمع مكتبة شخصية ثرية من الخبرات والأفكار من أجل الربط بينها:

“الإبداع ما هو إلا إقامة الصلة بين الأشياء، فعندما تسأل المبدعين كيف قاموا بشيء ما يشعرون بنوع من الذنب لأنهم لم يفعلوا شيئًا بمعنى الكلمة فكل ما في الأمر أنهم رأوا شيئًا فقط، لقد بدا ذلك الشيء جليًا لهم بعد فترة من الزمن، وذلك لأنهم تمكنوا من الربط بين الخبرات التي لديهم وتجميع أشياء جديدة، والسبب في قدرتهم على ذلك هو أنهم يتمتعون بالمزيد من الخبرات أو أنهم كانوا يتأملون خبراتهم أكثر من الآخرين، ولسوء الحظ نجدها سلعة نادرة جدًا، فالعديد من الأشخاص في مجالنا لا يتمتعون بخبرات شديدة التنوع، ولهذا فليس لديهم ما يكفي من الخبرات لإقامة الصلة بينها، وينتهي بهم الأمر إلى تقديم حلول ذات بعد واحد دون أن يكون لديهم منظور واسع للمشكلة، فكلما كان فهم الشخص للخبرة البشرية أوسع كلما تحسنت الخطط التي يضعها.”

وتعبر الموسيقية أماندا بالمر عن تلك الفكرة على نحوٍ أكثر شاعرية في تأملاتها عن التوصيل بين النقاط والإبداع:

“لا يمكننا سوى التوصيل بين النقاط التي نقوم بجمعها، ويمثل ذلك كل ما يكتبه الشخص عن نفسه ..فالصلات التي يقيمها الشخص تمثل الخيط الذي ينسجه في القماش الذي سيصبح القصة التي لا يمكن لأحد غيره سردها”.

وتقدم لنا مصممة الغرافيكس المحبوبة باولا شيشر تشبيهًا مجازيًا مختلفًا لنفس المفهوم، ففي كتاب ديبي ميلمنز كيف تفكر مثل مصمم غرافيكس عظيم نجد أن شيشر تشبه الإبداع بماكينة الحظ:

“إن كل شيء يحتوي على مقدار معين من التفكير البديهي، ومن الصعوبة الشديدة أن نصف كيف تحدث الأشياء على نحو بديهي، فيمكن تشبيه الأمر بالحاسوب وماكينة الحظ، فالشخص يكون لديه مجموعة من الأفكار في عقله من جميع الكتب التي قرأها وجميع الأفلام التي شاهدها، وجميع القطع الفنية التي رآها الشخص، وجميع المحادثات التي أوقدت شعلة الإلهام داخله، وجميع الأعمال الفنية التي شاهدها في الشارع وهو يسير فيه، وكل ما اشتراه الشخص أو رفضه أو أحبه أو كرهه، فكل شيء هناك، كل شيء في أحد نصفي المخ.

وفي النصف الآخر من المخ توجد تعليمات معينة هي نتاج فهم الشخص للمشروع، ووفق تلك التعليمات نجد أن الحل يتكون من العناصر “أ” و”ب” و”ج” و”د”، فإذا قمت بجذب مقبض ماكينة الحظ فإن تلك العناصر تدور في دائرة، وكل ما يرغب فيه الشخص هو أن تصطف تلك الكَرزات الثلاث في صف واحد فتخرج الأموال من الماكينة.”

ولكن الكاتب آرثر كيسلر في تشريحه الأصيل للإبداع في عام 1964 في كتاب فعل الإبداع يرى إنه بجانب إقامة الصلة يستلزم الفعل الإبداعي التباين أو ما يسميه “الترابط الثنائي”:

” إن النمط الأساسي [للفعل الإبداعي] هو فهم موقف ما أو فكرة ما في إطارين مرجعيين منسجمين بعضهما مع بعض لكنهما متعارضين في المعتاد، ويهتز الحدث الذي يتقاطع فيه الإطارين المرجعيين بالتزامن على طولين موجيين مختلفين إذا جاز التعبير، وأثناء استمرار هذا الموقف غير العادي لا يكون [الحدث] متصلاً فقط بسياق ترابطي واحد ولكن مرتبط ارتباطًا ثنائيًا بسياقين.

لقد قمت بنحت مصطلح “الترابط الثنائي” للتمييز بين المهارات الروتينية للتفكير على “مستوى” واحد إذا جاز التعبير والفعل الإبداعي الذي يعمل…دائمًا على أكثر من مستوى واحد، ويمكن تسمية الحالة الأولى حالة عابرة أحادية التفكير ـــــ والثانية ثنائية التفكير ــــ من التوازن غير المستقر حيث يحدث اختلال في التوازن بين العاطفة والفكر.”

وبعد عشرين عامًا يردد المخرج الفني الشهير والشخصية الحقيقية لمسلسل “Mad Man” التلفزيوني الأمريكي جورج لويس ما قاله كيسلر في كتابة المؤثر فن الإعلان: جورج لويس عن وسائل الاتصال الجماعية:

“يمكن للإبداع تقريباً حل جميع المشكلات، إن العمل الإبداعي والتغلب على العادة بالأصالة يتغلب على كل شيء.”

إلا أن المؤلفة الأمريكية غريتشن روبن ترى أن العادة ليست عدوًا للإبداع ولكنها محركة له، فنجدها في كتاب إدارة الحياة الروتينية: تشكيل الروتينية، وإيجاد بؤرة التركيز، وشحذ العقل الإبداعي، تقول:

“أبدى الكاتب البريطاني أنتوني تروليبي الذي عاش في القرن التاسع عشر وتمكن من تأليف عدد غزير من الروايات وفي الوقت ذاته إحداث ثورة في نظام البريد البريطاني ــــ أبدى ملاحظةً قال فيها: “إن القيام بمهمة يومية بسيطة شريطة أن تكون يومية بالفعل يمكن أن يفوق ما يمكن لهرقل العظيم أن يقوم به على نحوٍ متقطع، فعلى المدى الطويل تعمل عادة التكرار غير الجذابة على تعزيز كلٍ من الإنتاجية والإبداع.

[…]

حيث يكون الاحتمال أكبر بكثير في أن يرى الشخص علاقات مفاجئة وصلات جديدة بين الأفكار، إذا كان العقل نشطًا باستمرار ويفكر في المسائل المتعلقة بالعمل …وعلى النقيض نجد أن العمل المتقطع يجعل من الصعب مواصلة التركيز، فمن السهل أن يُحبط الشخص أو أن يرتبك أو أن يتشتت انتباهه أو أن ينسى ما كان يهدف إلى تحقيقه.

[…]

إن الإبداع ينشأ من خلط الأفكار باستمرار، وأسهل الطرق لإنتاج ذلك الزبد الخصب أن يشغل الشخص عقله بالمشروع الذي يقوم به، فبالعمل المنتظم يأتي الإلهام المنتظم.”

وفي عام 1926 قام عالم النفس الاجتماعي الانجليزي ومؤسس كلية لندن للمال والأعمال غراهام والاس بكتابة فن التفكير، الذي أرسى نظريته عن سر الإبداع، ونجد خلاصة ذلك في الكتاب الذي لا غنى عنه ويحمل اسم سؤال الإبداع وتتمثل تلك الخلاصة في تحديد المراحل الأربعة للعملية الإبداعية: الإعداد، والحضانة، والفهم، والتحقق، والتفاعل الأساسي بينها:

“أثناء التدفق اليومي للأفكار تتفاعل هذه المراحل الأربعة المختلفة باستمرار بعضها مع بعض أثناء بحث مختلف المشكلات، فعالم الاقتصاد الذي يقرأ تقرير البرلمان الخاص، أو العالم الفيزيولوجي الذي يشاهد إحدى التجارب، أو رجل الأعمال الذي يتصفح رسائل الصباح قد يكون أيضًا في مرحلة “الحضانة” فيما يخص مشكلة ما اقترحها على نفسه منذ عدة أيام وأن يقوم بجمع المعلومات في إطار مرحلة “الإعداد” لمشكلة أخرى، وأن يكون في مرحلة “التحقق” من استنتاجاته بخصوص مشكلة ثالثة، بل إنه أثناء بحث المشكلة ذاتها قد يكون العقل الباطن في مرحلة الحضانة بخصوص أحد جوانب المشكلة في حين أن العقل الواعي يعمل في مرحلة الإعداد أو التحقق بخصوص جانب آخر، ويجب أن نتذكر دائمًا أن الكثير من جوانب التفكير الهامة عند شاعر يستكشف ذكرياته الخاصة على سبيل المثال، أو عند رجل يحاول أن يرى بوضوح ارتباطه العاطفي ببلده أو حزبه تشبه عملية التأليف الموسيقي في أن المراحل التي تؤدي إلى النجاح لا يمكن جعلها تتوافق بسهولة مع نظام “المشكلة والحل” ولكن حتى وإن كان النجاح في الفكر يعني إبداع شيء ما يمكن أن نحس بجماله وصدقه وليس حل مشكلة معينة، فإن المراحل الأربعة: الإعداد والحضانة والفهم والتحقق من النتيجة النهائية يمكن تمييزها بعضها عن بعض.”

ولكن الصحافي والكاتب البريطاني الكندي مالكوم غلادويل متأملاً إرث عالم الاقتصاد الشهير ألبرت أُ. هيرشمن في مراجعته لكتاب الفيلسوف الدنيوي: ملحمة ألبرت أُ. هيرشمن، لا يرى أن العملية الإبداعية متعمدة على هذا النحو فيقول:

“يأتي الإبداع دومًا فجأة لنا، ولا يمكننا بالتالي أن نعتمد عليه ولا نجرؤ على التفكير فيه حتى يحدث، أي لا يمكننا عن وعي القيام بالمهام التي تتطلب بوضوح ظهور الإبداع، وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها استخدام مواردنا الإبداعية بالكامل هي الحكم الخاطئ على طبيعة المهام بتقديم تلك المهام لأنفسنا على أنها مهام روتينية وبسيطة ولا تتطلب إبداعًا حقيقيًا، ثم يتضح بعد ذلك أننا لم نقدرها حق تقديرها.”

ولكن الموسيقي الأمريكي دافيد بيرن يعبر عن تشككه في هذه الفكرة الرومانسية بأن الإبداع هو مجرد وحي دون الوعي به ، فنجده في كتاب طبيعة الموسيقى الذي يُعدّ من أفضل الكتب الموسيقية لعام 2012 يكتب قائلاً:

“لقد فهمت الإبداع على نحوٍ بطيء للغاية، ويتمثل هذا الفهم في أن السياق يحدد بصفة عامة طبيعة المصنف أو اللوحة أو التمثال أو الأغنية أو الأداء، ولا يبدو ذلك فهمًا لكنه بالفعل عكس الحكمة المعروفة التي تقول إن الإبداع يظهر نتيجة نوع من الانفعال الداخلي، ومن تراكم الانفعالات أو المشاعر، وأن الحافز الإبداعي لا يتحمل أي مواءمة، وأنه فقط يجب أن يجد منفذًا حتى يمكن سماعه أو قراءته أو رؤيته، فتقول الرواية المسلم بها إن المؤلف الكلاسيكي تظهر في عينيه نظرة غريبة فيبدأ بسرعة واهتياج في كتابة مقطوعة موسيقية كاملة الأركان لم يكن لتوجد في أي شكلٍ آخر، أو أن مغني الروك آند رول تدفعه الرغبات والشياطين، وفجأة تخرج تلك الأغنية المذهلة والكاملة التي يجب أن تمتد على مدى ثلاث دقائق واثني عشر ثانية، وليس أكثر من ذلك ولا أقل، هذه هي الفكرة الرومانسية عن كيفية ظهور العمل الإبداعي، لكني أرى أن طريق الإبداع يتجه في اتجاه معاكس تقريبًا لذلك النموذج، وأرى أننا نعمل في اللاوعي وعلى نحوٍ غريزي على جعل العمل يناسب الأنساق الموجودة مسبقًا بالفعل.

ولا يزال هناك مجال للعاطفة بطبيعة الحال، فليس معنى أن العمل سوف يتخذ شكلاً محددًا مسبقًا ونفعي (أي أننا نقوم بشيء ما بسبب سنوح الفرصة للقيام به) أن الإبداع يجب أن يكون باردًا وآليًا ومتجمدًا، فعادةً ما تنفذ الكآبة والعاطفة إلى العمل، وعادةً ما تتم عملية التكييف ــــ أي تكييف الشكل ليناسب سياق معين ـــــ على مستوى اللاوعي والغريزة بصفة عامة، بل إننا لا نلاحظها حتى، فعادةً ما تكون الفرصة والتوفر هما أم الاختراع.”

ويرى الممثل والكاتب البريطاني جون كليز أن الإبداع ليس خطة واعية للهجوم ولا هو لغز على مستوى اللاوعي لكنه نظام وجود، فنجده في حواره الرائع لعام 1991 عن العوامل الخمسة للإبداع يؤكد بأسلوبه المميز باستخدام كلمات حكيمة موجزة:

“الإبداع ليس موهبة، ولكنه طريقة للعمل”

وفي كتاب داخل مرسم الرسام يقدم لنا الرسام الشهير تشاك كلوز وجهة نظر أكثر دقة عن “طريقة العمل” ويساوي بين الإبداع وأخلاقيات العمل:

“الإلهام للهواة، أما نحن فننهض ونبدأ في العمل.”

وفي البحث القصير الذي يحمل اسم الفعل الإبداعي المنشور في عام 1957 يرى الفنان السريالي الفرنسي مارسيل دوشامب أن العمل الإبداعي هو مشروع مشترك يتضمن كلاً من المبدع والمشاهد:

” العمل الإبداعي لا يقوم به الفنان بمفرده، فالمشاهد يجعل العمل على صلة بالعالم الخارجي بفك شفرة الخصائص الداخلية للعمل وتفسيرها وبالتالي يضيف مساهمته للعمل الإبداعي، ويتضح ذلك على نحوٍ أكثر جلاءً عندما تُصدر الأجيال حكمًا نهائيًا وفي بعض الأحيان تردّ الاعتبار للفنانين المنسيين.”

ولكن في النهاية وعلى أية حال يجب علينا أن نستمع إلى ذلك التحذير من المصمم الأمريكي تشارلز إيمز:

“لقد اتضح خلال السنوات الأخيرة أن ثمة انشغال متزايد بملابسات الفعل الإبداعي والبحث عن المقومات التي تعزز الإبداع، ويشير هذا الانشغال في حد ذاته إلى أننا نواجه نوع خاص من المشكلات، وبالفعل نحن كذلك.”

عن علي زين

mm
كاتب ومترجم من اليمن