الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: نساء فلاسفة

ترجمات خاصة: نساء فلاسفة

بقلم: Dag Herbjørnsrud 

لقراءة الموضوع الاصلي (هنا)

▪ كانت الفلسفة ذات يوم عالم فسيح للمرأة، يمتد عبر آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والآن قد حان الوقت لاستعادة ذلك العالم المفقود.

{لقد أتيت لأتحداك يا يانافالكيا بسؤالين اثنين، تمامًا كمحارب عنيد يشد قوسه بأقصى ما يستطيع، وفي يده سهمان مميتان لا يخطئان الهدف، يهب واقفًا لمواجهة عدوه… فلتعطني إجابتك عليهما . إذن}

بهذه الكلمات الجريئة استهلت  ” جارجي فاتشاكنافي” ، الحكيمة الأنثى، جدالها الفلسفي مع ” يانافالكيا” الملك الفيلسوف شبه الأسطوري وأعظم حكماء زمانه. لقد تحدته مرارًا بأسئلة حول العالم والوجود… أسئلة جوهرية في صلب الوجود وماهيته، من نوعية: ما هي تلك القوى التي تربط الكون ببعضه البعض؟، فأجابها يانافالكيا في النهاية بأن تلك القوى ما هي إلا {  الخالد } وأن العالم إنما يدور في رحابه.

فنظرت فاتشاكنافي إلى جمع الحاضرين من البراهمانيين وقالت: {  إنكم لمحظوظون بتوقيركم لهذا الرجل، فما من أحد بقادر على أن يهزمه في أي نقاش فلسفي}…

وردت تلك القصة في الفصل الثالث من ” الابانيشاد” – [  أحد مصادر الديانة الهندوسية، وهي جزء من مجموعة الكتابات الهندوسية المسماة الفيدا  /المترجم] – وهو نص سنسكريتي مركب يعود إلى حوالي 700 قبل الميلاد، ويدور حول مواضيع ميتافيزيقية وأخلاقية.

جارجي فاتشاكنافي…. هي واحدة من شخصيات نسائية خفية عديدة، حفل بها تاريخ الفلسفة في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية؛ لقد بات فلاسفة اليوم يدركون تمامًا حجم الإسهامات الفكرية التي قدمتها النساء عبر تاريخ الفلسفة الأوروبية، أمثال إليزابيث من بوهيميا، مارجريت كافنديتش، آن كونواي في القرن السابع عشر، ولكن بالرغم من ذلك، بقيت إسهامات النساء الفلسفية خارج أوروبا خفية غير معترف بها إلى حد بعيد.

لم تكن فاتشاكنافي المفكرة الأنثى الوحيدة التي أسهمت في تشكيل أقدم فلسفات العالم القديم؛ حيث نجد في الفصل الثاني من الابانيشاد ذكر لامرأة أخرى هي ”  مايتري”   وهي تقوم بمناقشة أهمية الذات الداخلية ” آتمان” – [  كلمة سنسكريتية تعني الذات الداخلية، النفس، وهي إحدى المصطلحات الأساسية في الفلسفة الهندوسية / المترجم] – في اكتساب المعرفة، حيث تصورها النصوص وهي توجه أسئلتها الجدالية ليانافالكيا- والذي يوصف غالبا بأنه زوجها وان كان في الأغلب نظيرها في الحوار الفلسفي- حول الوجود الإنساني : {  لو أنني امتلكت العالم بأسره، بكل ثرواته، فهل سيجعلني هذا خالدة؟} فيجيبها يانافالكيا نافيا، فتبادره مايتري بسؤال آخر : {  إذن ما قيمة الحصول على شيء لا يجعل مني خالدة أقاوم الفناء؟ } ومن هنا يمكن اعتبار تلك المحاورة بمثابة حجر الأساس لدراسة العلاقة بين المعرفة والمادية.

أيضا نجد فيلسوفة أخرى هي ” سولابها” الفيلسوفة الزاهدة ، والتي تصور لنا ” ملحمة ماهابهاراتا” الهندية انتصارها في النقاش الفلسفي المطول الذي جرى بينها وبين الملك الفيلسوف ” جاناكا”، حين قالت له : { جسدي مختلف عن جسدك، ولكن روحي لا تختلف عن روحك}

والحق أن الفلاسفة الذكور في الهند لطالما اعتمدوا على نظرائهم من الفيلسوفات الإناث على مر القرون، وأشهر مثال على ذلك نجده في تلك القصة عن الفيلسوف الهندي الأشهر” آدي شانكارا ” ( 788-820 ميلادية) والذي أسس المدرسة الواحدية لمذهب الادفياتا فيدانتا والذي يعد ركنا حيويا في الفلسفة الهندوسية – [ تقوم تلك المدرسة على وحدة الذات الداخلية، الاتمان، مع الذات العليا أو الروح الكونية العليا، البراهمان / المترجم] – حيث تذكر سيرته الذاتية كيف أنه انخرط في جدال فلسفي قوي مع الفيلسوف ” ماندانا ميشرا” والذي ينتمي لمدرسة ” الميمامسا” المنافسة لمدرسته – [ الميمامسا هي إحدى مدارس الفلسفة الهندوسية، وتعرف بأفكارها الأصولية التي تركز على الطقوس الدينية /المترجم] – وكان الحكم في تلك المناظرة هو “أبهايا بهاراتي” زوجة الفيلسوف ماندانا ميشرا، والتي حكمت لصالح شانكارا مما يستوجب أن يقر زوجها بمدرسته المنافسة، إلا أنها استوقفت شانكارا قائلة : {  لا يمكنك أن تظفر بالنصر الكامل على زوجي إلا لو استطعت هزيمتي أنا، نصفه الأفضل، ولهذا وبالرغم من كونك تجل للألوهية، فإنني أرغب في مناظرتك}، فوافق شانكارا وبدءا في الجدال حول نصوص الفيدا والمدارس الفلسفية المختلفة، على مدار 17 يوم.

لم تتمكن بهاراتي من هزيمة شانكارا، وكادت أن تسلم بانتصاره، ثم واتتها فكرة أن تناظره حول ال”كاماسوترا ” أي فنون الحب والجنس، وكانت بهاراتي تدرك جيدا أن شانكارا ظل عازبًا منذ طفولته ولا خبرة لديه في الأمور الجسدية، إلا أنه قد قبل التحدي لكنه طلب مهلة شهر قبل إجراء المناظرة لدراسة فنون الحب، وفي النهاية فاز شانكارا في الجدال الصعب، وأقرت بهاراتي بفوزه، بنفس طريقة فاتشاكنافي في الاعتراف بعظمة يانافالكيا، حيث تخبرنا الابانيشاد بأنها قد قالت : {  لقد عبرت كل الصعاب حتى استطعت إجادة علوم الجنس وفنونه… إن ما تلقيناه من هزيمة على يديك لا يمثل عارًا لنا، فالقمر والنجوم لا يخجلون إن فاق نور الشمس ضوئهم}. وعقب تلك المناظرة قامت أبهايا بهاراتي بتأسيس مدرستها الفكرية المستقلة.

أكا ماهاديفي… فيلسوفة هندية أخرى، ولدت في مدينة أودوتادي في كارناتاكا بجنوب غرب الهند، وكانت تنتمي لحركة “فيرا سايفا” الداعية للمساواة بين الجنسين والمناهضة لكافة أشكال التفرقة بين أبناء الجنس البشري، سواء على أساس الطبقة الاجتماعية أو العرق أو الجنس أو اللغة أو الملبس.

وقفت ماهاديفي بفلسفتها الراديكالية في وجه جميع رجال الدين، وربما لا تزال تلك الفلسفة تثير الجدال حتى الآن… {  كل الفيدا والنصوص المقدسة والتقاليد والشرائع والتنظيمات، ما هي إلا حبوب طحين تدور في رحى مطحنة}.

والحق أن ماهاديفي قد آمنت بكلماتها وعاشت بها ولها، حيث كانت امرأة مكتفية ذاتيا، اختارت طريقها بذاتها بدلا من إتباع النصوص المقدسة أو التقاليد الاجتماعية أو الأسرية.

تزوجت ماهاديفي وهي شابة من الملك المحلي” كوشيكا” وقد اشترطت عليه أن يعيشا في غرفتي نوم منفصلتين وان يفسح لها حرية التصرف؛ وحينما أخل الزوج بوعده معها، ما كان من ماهاديفي إلا أن قامت بالتجرد من ملابسها وخرجت متجولة في الشوارع لا يستر جسدها سوى شعرها الطويل، إلى أن وصلت ل ” أنابهافامانتابا” والذي كان مركز النقاشات الفلسفية في زمنها، وهناك قامت بمناظرة الشاعر و الصوفي ” ألاما برابهو” ، فانخرطا معا في نقاش فلسفي وروحاني تمكنت فيه ماهاديفي من إقناع برابهو بقيمتها الروحية، حتى أنه سمح لها بالدخول في دائرته المقربة فصارت في زمرته؛ وفي الغالب أمضت ماهاديفي ما تبقى من حياتها كشاعرة ومفكرة روحية تحظى بالاحترام والتوقير.

وقد يقول قائل أن ماهاديفي لم تكن فيلسوفة وإنما مفكرة تدور أفكارها على حدود الدين، والحقيقة أن  الحركة الفكرية اللاهوتية الغربية القائمة اليوم إنما ترتكز في المقام الأول على العديد من الشخصيات المماثلة الذين لم يكونوا من الفلاسفة الأقحاح وإنما كانوا مفكرين دينيين، مثل القديس أوغسطين الذي يعد أحد آباء الكنيسة، والقديس توما الاكويني الكاهن الكاثوليكي والراهب والطبيب الكنسي.

ومع ذلك فإن النساء اللائي تم ذكرهن هاهنا كن أقل التصاقاً بالعقيدة من أوغسطين أو الاكويني؛ والحق أن تحديد “الحدود” التي تبدأ منها الفلسفة والتي تنتهي عندها، لهو سؤال فلسفي في حد ذاته.

وفي الفلسفة الصينية كان للنساء أيضا حضورا قويا لا يمكن إنكاره، ففي كتاب ” تاو تي شينج” يقول لاوتسي (القرن 6قبل الميلاد) أن الدولة العظيمة كالمرأة الذكية؛ كما تؤكد النصوص الكونفوشيوسية على حكمة المرأة من خلال الإطراء على حكمة وتفكير “ينج يانج” التي أرسلت إبنها للتعلم على يد كونفوشيوس، وقد نقل عن يانج قولها: { عندما يجتهد الناس فإنهم يفكرون، وعندما يفكرون فإن عقولهم النيرة تولد}

فلا عجب إذن أن يقول عنها كونفوشيوس : { إن تلك المرأة من عشيرة جونجفو لهي امرأة حكيمة بحق}.

وقد أشار الباحث في الفلسفة الصينية بريان دبليو فان نوردن إلى أن كونفوشيوس كان يستخدم ينج يانج كمثال لتعليم تلاميذه.

كما يذكر لنا تاريخ المفكرات النساء في الصين إسم باحثة أخرى هي “بان زاو” والتي استطاعت استكمال واحدة من أعظم الدراسات الصينية في التاريخ : كتاب هان، والذي بدأه شقيقها بان جو، ولايزال المرجع البارز لعصره، ويضم بين جنباته أطروحات مطولة عن الجغرافيا والأدب، إلى غير ذلك من فروع المعرفة.

في دروسها المخصصة للنساء، والتي كرستها بشكل خاص لبناتها، تدافع بان زاو عن المساواة في تعليم الفتيات والفتيان القراءة والكتابة،  وهو الموقف الذي يشبه إلى حد كبير آراء الفيلسوف لي زي والذي أشاد بأهمية المفكرات والباحثات الصينيات عبر التاريخ.

وفي كوريا نشأت وازدهرت “ايم يوني دانج” والتي تعد أول فيلسوفة في شبه الجزيرة الكورية في العصر الحديث. ولدت يوني دانج في يانجسون بمقاطعة كيونجي بالقرب من سيول؛ وللأسف فإن تحفتها الفكرية “يوني دانج يوجو” لم يتم ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية حتى الآن.

ولطالما دافعت يوني دانج عن المساواة الأخلاقية بين الرجل والمرأة، وكثيرا ما كتبت معبرة عن أمنيتها في أن تصبح حكيمة، تماما مثل الحكماء الرجال :{ أنني والحكماء من نفس النوع}.

ولننتقل الآن إلى الشرق الأوسط، فإن بحثنا بين جنبات تاريخه الحافل عن دور النساء في ميادين الحكمة فلابد لنا أن نقابل “رابعة” – العدوية- تلك الفتاة المولودة في البصرة (714-801 ميلادية) والتي بيعت لسوق العبيد وهي بعد صغيرة، وعرف عنها زهدها وتقواها الشديدين، حتى قيل إنها كانت تتوسد قطعة من القرميد طوال حياتها.

تعد رابعة أحد مؤسسي الصوفية في العالم الإسلامي، ولقد ألهمت الرجال والنساء المسلمين على مر القرون.

وفي القرن السادس عشر سوف نجد الشاعرة “عائشة الباعونية” المولودة في دمشق والتي كتبت عشرات الأعمال في النثر والشعر. ارتحلت الباعونية إلى القاهرة حيث درست الفقه، واشتهرت بسمعتها كمعلمة صوفية ذات باع، وربما هذا ما جعلها أهل لمقابلة السلطان الغوري.

وقد قام توماس اميل هومرين بترجمة واحد من أعمالها الأساسية عن مبادئ الصوفية، والذي قامت فيه بتحديد ملامح فلسفتها، مرتكزة في ذلك على المبادئ الأربعة الأساسية؛ التوبة، الإخلاص، الذكرى، الحب، حيث كانت ترى أن الحب هو السر الأعظم للإله.

ومع استئنافنا لرحلتنا عبر الزمن للتنقيب عن دور النساء في الفلسفة والحكمة في العالم الإسلامي، فسنقابل “نانا أسماء” (1793-1864( الفيلسوفة المسلمة من سوكوتو في شمال نيجيريا اليوم. مثل كافة أقرانها من الفتيات والفتيان قبل الاستعمار البريطاني، التحقت نانا أسماء بالمدرسة وهي في الخامسة من عمرها، وكان والدها باحثا، يدافع دوما عن حقوق المرأة، وكان يتحدث إليها يوميا عن القراءة والكتابة.

ومع نضجها، صارت نانا أسماء زعيمة سياسية ومؤسسة للشبكة التعليمية ” يان تارو” والتي لا تزال تمارس نشاطها حتى يومنا هذا.

كانت نانا أسماء تجيد عدة لغات، وقد كتبت أعمالها باللغات : الفولانية- الهوسا-العربية.

وجاءت أولى أعمالها تحمل عنوانا بارزا : تحذير للمقصرين وتذكير للنبهاء بطرق وأساليب الورع.

وقد دعت نانا أسماء في أعمالها لقيم التواضع بين الناس وإقامة علاقات طيبة مع ذوي القربى والخدم والرفقاء من خلال التودد إليهم وفعل الخير وعدم التصرف بما يوحي بالأفضلية أو السيادة، وتقديم المشورة لهم، وفي نفس الوقت عدم التستر على أخطائهم، إلى غير ذلك من التعاليم الأخلاقية.

فإذا انتقلنا إلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، إلى قارة أمريكا الشمالية، فسوف نقابل هناك ” سور خوانا اينس دي لا كروز” (1651-1695 م).

كتبت سور خوانا عدد من الأعمال باللغات اللاتينية والناهوليتية – لغة الازتك – وقد قامت اديث جروسمان بترجمتها إلى الإنجليزية مؤخرا.

وقد تنقلت سور خوانا بين ميادين المعرفة، حيث كتبت الشعر والمسرحيات والدراسات العلمية والرياضيات و، بالطبع، الفلسفة.

ولعل أشهر أعمالها هو رسالتها للرد على نظيرتها الراهبة سور فيلوتيا، والتي قالت إن هناك عدد من الميادين الفلسفية ينبغي على النساء ألا يدرسنها أبدا، حيث قامت سور خوانا بتفنيد كلامها وحججها.

كما انتقدت سور خوانا هؤلاء الرجال الذين يظنون أن مجرد كونهم ولدوا ذكورا فإن ذلك يجعل منهم حكماء.

ولم تكتف سور خوانا بذلك، بل استعانت بعدد من الأمثلة من التاريخ القديم عن نساء شغفن بمحبة الحكمة، مثل العالمة السكندرية هيباتيا، وذلك للدلالة على مدى شغف النساء بالمعرفة وما يمكن أن يحققنه في ميادينها.

ولكم كان خبرا سارا لسور خوانا حينما علمت أن سور فيلوتيا التي جردت قلمها من أجل الرد عليها، ما كانت سوى رجل!، نعم، كان سور فيلوتيا هو اسم مستعار للأسقف مانويل فيرنانديز دي سانتا كروز، قام باستخدامه كساتر له يبث من ورائه آرائه المناهضة للنساء.

في حقيقة الأمر، لم تكن الفلسفة أبداً حكرا على الرجال أو على الأوروبيين، بل إننا لنجد إقراراً واعترافًا بذلك في كتابات أعلام الأوروبيين أنفسهم، ففي محاورة فايدروس يقول أفلاطون أن العلوم إنما كان منشأها ومردها إلى مصر. أما كليمنت السكندري فقد أكد على أن الفلسفة عالمية أوجد أصولها الأولى المصريون والكلدانيون والفرس والهنود، قبل أن يتم إقامة بنيانها المتكامل في اليونان.

أما المؤرخ ديوجين لايرتيوس (180-240م) فقد كتب فصلا كاملا عن “هيبارخيا” – [ هيبارخيا من ميرونيا، فيلسوفة من المدرسة الكلبية عاشت في حوالي 325 قبل الميلاد وكان لحياتها وسيرتها تأثيرا كبيرا على العديد من الكتاب على مر العصور/المترجم] – وتأثيرها الضخم على الفلاسفة، وذلك في تأريخه ل : سير وآراء أعلام الفلاسفة. وحينما تم نشر ذلك الكتاب في أمستردام عام 1758 جاء الغلاف حاملا لصورة امرأة. وقد تمت إضافة مجلد ثالث إلى العمل في تلك الطبعة، حيث تضمن 100 صفحة عن الفلاسفة النساء في العالم القديم، كالفيلسوفة جوليا دومنا من دمشق والفيلسوفة تيودورا من الإسكندرية والتي كانت تنتمي للمدرسة الأفلاطونية المحدثة.

ولكن للأسف، منذ أوائل القرن التاسع عشر – كما يقول بيتر جي. كيه. بارك من جامعة دالاس – بدأت العنصرية تجتاح التأريخ الفلسفي، مكتسحة ذلك الاعتراف القديم بتنوع الفلسفة وعالميتها، حيث بدأ إفراغ المناهج الدراسية من سيرة النساء والفلاسفة من غير الأوروبيين، واختار طائفة من العلماء الأوروبيين إعادة تشكيل التاريخ الفلسفي في نسخة أوروبية تماما تتمحور حول الفكر الأوروبي وحده، وهو ما كان يتناسب بشكل كبير مع العهد البطريركي الإمبراطوري القائم على التفوق العرقي.

ومن بين هؤلاء العلماء البروفسور كريستوف ماينرز والذي كان يؤيد التفوق العرقي الأبيض، حيث نجده في عمله : تاريخ نشأة وتطور وانحدار العلوم في اليونان وروما(1781م) يقوم بتعريف الفلسفة كنتاج لعقلية الرجل الأوروبي فقط.

وفي خلال جيل واحد، نجح هؤلاء الفلاسفة الأكاديميين في إقصاء الإسهام غير الأوروبي من عالم الفلسفة تماما.

واليوم، يحاول الفلاسفة المعاصرون إعادة تصحيح تلك النظرة القاصرة والعنصرية لتاريخ الفلسفة، فعلى سبيل المثال كانت الرابطة  الأمريكية للفلسفة قد تبنت فكرة إعادة بناء التصور التاريخي الفلسفي على أسس أكثر عالمية وشمولا، ووضعتها على جدول مناقشاتها خلال اجتماعها السنوي في أوائل العام الجاري.

كما شهد العامين الماضيين عدد من الحملات الطلابية المناهضة لفكرة “أوروبية الفلسفة”، حيث جاءت تلك الحملات تحت شعار : لماذا يكون المنهج الدراسي للفلسفة” أبيض”؟، مطالبين ب”تحرير” الدراسات الفلسفية من الاحتكار الأوروبي العنصري.

كما جرد عدد من كتاب الأعمدة في كبريات الصحف – مثل الكاتبة مينا سلامي بصحيفة الجارديان- أقلامهم دفاعا عن ضرورة جعل الفلسفة أكثر شمولية وعالمية من أن تكون مجرد حكر على الرجل الأبيض، ذلك لأن الفلسفة هي في الأساس مجال لدراسة الوجود الإنساني ككل.

في يوليو 2018 تم اختيار البروفسور “أنيتا. إل. ألين”، أستاذ القانون والفلسفة بجامعة بنسلفانيا، لتصبح أول امرأة سوداء ترأس القسم الشرقي في الرابطة الأمريكية للفلسفة، والتي بات أعضائها يتبنون قضية التنوع كقضية أساسية.

كما يسهم” تجمع النساء الفلاسفة السوداوات ” بجامعة بنسلفانيا، والذي تم تأسيسه على يد” كاثرين صوفيا بيلي”، بشكل حيوي وفعال في قضية عالمية الفلسفة وتنوعها.

ولا تتوقف عملية إعادة إحياء تنوع الفلسفة على أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فقط، فقد بدأ عدد من الكتاب الكنديين في مجال تاريخ الفلسفة في الانضمام إلى تلك الحملة العالمية لاستعادة “عالمية الفلسفة”.

ومع ذلك فلا يزال الطريق طويلاً، حيث تظهر الإحصائيات أن إسهامات النساء “الملونات” في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا في مجال العلوم الطبيعية أعلى بكثير من حضورهن وإسهاماتهن في أقدم حقول المعرفة : الفلسفة، والتي لازالت مناهجها الدراسية وأساتذتها بل وحتى طلابها أقل تنوعا منهم في باقي أقسام العلوم الإنسانية الأخرى.

والآن، وبعد قرنين من إقصاء النساء وغير الأوروبيين من عالم الفلسفة، فلا عجب أن يختفي ذكر الفلاسفة النساء من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية…. ولكن، من يدري، ربما يأتي اليوم الذي تستعيد فيه النساء مكانتهن، ويصبح صوت الفلاسفة النساء المهمشات، مسموعا؛ أولئك النساء اللائي استطعن صياغة وطرح الأسئلة الأكثر عمقا و إلحاحا في زمنهن، وخرجن بنظريات فلسفية لازالت صالحة لزمننا الحاضر وقابلة للنقاش والجدال بشأنها في القرن الحادي والعشرين…

لقد كانت الفلسفة ذات يوم عالم فسيح للمرأة، والآن حان الوقت لاستعادة بعض من ذلك العالم المفقود.

عن هبة الله الجماع

mm
مترجمة من مصر