تلاشي

” خرجت زاحفة من السرير، وهي تصغي ناحية الباب، قليلون فقط هم الذين يستطيعون ارتكاب الأخطاء الصغيرة، مثل التدخين، من غير خوف من أن يفتضح أمرهم، لكنها تقدر فراسة أمها، لأن لها حاسة شم خارقة، تعرف رائحة الأكاذيب، والأسرار المدفونة في شغاف القلب. عرفت أمها أنها واقعة في الحب منذ أول لحظة شمت فيها رائحة العشق تفوح منها، لابد أن الوقوع في الحب يغير رائحة الإنسان. في ذلك اليوم حكت لها أنها أحبت أبيها قبل أن تره حتى:

— سمعت من أهلي، أن هناك رجل جاء لخطبتي، لم أكن أعرف عنه شيئًا، ولكني أحببته منذ أن قالوا لي أنه: رجل طيب ومتعلم .

حينها قالت رؤى وهي تتصنع الدهشة؛ لأن العشاق لا يرون أسباب الحب غريبة أو مثيرة لاهتمام، بل كلما ازداد سبب الحب بساطة وغرابة، أصبح هذا الحب جميلاً ورائعًا:

– أحببته بسبب كلمتين فقط!

— نعم، وسهرت الليل كله أفكر في هذا الرجل الطيب والمتعلم، شعرت أن قلبي يفيض بالحب كأنما ملأته سحب الخريف بالمطر .

ضحكت رؤى، ضحكة جميلة و دافئة بسبب الشوق الذي تكنه لحبيبها:

– هذا عجيب، أعرف أنكما تزوجتما من غير أن تلتقيا قط، لكني لم أتوقع أنك وقعت في حبه، لمجرد أنهم قالوا لك: أنه طيب ومتعلم.

تأملت وجه أمها ورأت أنها عادت لعشرات السنين إلى الماضي، التجاعيد الصغيرة الجميلة كحواف الورد، اختفت واضمحلت، إشراق وجهها يخفي ابتسامة خجل عذبة، كان يمكن أن ترتشفها رؤى بنظرة:

— كنت أستمتع بكلام الناس الذين يعرفونه عنه، كنت أجمع أخباره بفرح وأصنع منها ما هي تلك الكلمة فسي…

– فسيفساء

– نعم، كنت أصنع من أخباره فسيفساء أتأملها بفرح، هكذا كنت أشعر أني خارج غرفتي الطينية برفقته، كان يعمل في الخرطوم وحينما أتخيل أني برفقته داخل السينما أو حديقة الحيوان أحمر خجلاً. صفاته كلها حسنة، مع كل خبر يأتي منه أو عنه أحبه أكثر، وأجد سبباً موضوعياً لحبي له، حتى لا يتهمني عقلي بالجنون. كتبت فيه الشعر، كنت أحرقها كلما كتبت أخرى .

ضحكت رؤى بصوت عال، أحست أمها أن ضحكتها جاءت من صدر حار، ومثقل بنار العشق، يضحك العشاق ليسلوا أنفسهم، ويخفضوا حرارة صدورهم، تشبه ضحكاتهم في إرهاقها ضحكات الصائمين والمستغفرين في الأسحار، فهم أيضًا صائمون عن رؤية أحبابهم:

– جميل أنك كتبت فيه شعراً، متى رأيته أول مرة ؟

— رأيته أول مرة في حفل ” رقص العروس” تعرفين هذا الطقس الذي فيه ترقص العروس لزوجها على رؤوس الأشهاد. أظن أن هذا الطقس ابتكر لتشجيع العروسين على أن يتحابا ويتألفا، وأن تشعر العروس بالاطمئنان أكثر، لأنه غالبًا تكون لم ترى زوجها من قبل، حينما تراه في ساحة الرقص لأول مرة، سترقص من أجله وسط تشجيع وتصفيق وزغاريد الفرح، في تلك اللحظة ستدرك أن هيبة أنوثتها لا تقل سطوة عن هيبة الرجل الذي تزوجته .

– لم أتوقع أنك كنت غارقة في حب أبي لهذه الدرجة .

— حينما رأيتك عرفت أنك واقعة في الحب، لن أسألك أن تحكي أي تفاصيل يا رؤى، فقط أقول لك، أحذري الرجال، أكثرهم لا يعرفون ما الذي يريدون؟ وفي أكثر الأحيان ما يرغبون فيه من المرأة شيء أخر ليس الحب . “

مقتطف من رواية ” تلاشي”

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .