الرئيسية / احدث التدوينات / ثوب مطرّز بورود حمراء

ثوب مطرّز بورود حمراء

الأنيقة للثياب، بقالة الأكرم، صيدلية الوالدين، صالون الهيثم للحلاقة الرجا …. أووه، اللعنة،  ألا تكفي حرارة الشمس لكيّ وجوهنا حتى يعكسون ضوءها بالمرايا المرصوفة على واجهات المحال؟!  

(صوت متكرر لفرقعة في الهواء أطلقته أصابع الشاب العشريني الذي انتصب محتلًا الفراغ المنخفض المخصص لدوران الباب)
من أول من أخترع هذه الحركة لتنبيه الركاب بوقت دفع الأجرة ؟ كيف أتفق الجميع على معناها ؟! سأدّعي ذات يوم عدم الفهم  حتى يُضطر الفتى لإخباري شفاهةً . تلزمني محفظة جديدة بدل هذه البالية، عليّ تذكر شراءها غداً، سيقول البائع سعراً غير منطقي متعللاً بالغلاء الذي يعم الدنيا، وتغير أسعار العملات، ما هو المنطقي هذه الأيام؟! لن أسمح له بخداعي، جميع الباعة مخادعون، يريدون أن يصبحوا أثرياء بين ليلة وضحاها، لا أحد صادق هذه الأيام، لا أحد على الإطلاق .

(هز الشاب يده محاولاً تنبيهي فأصدرت العملات المعدنية ضوضاء جديدة، وقبل أن تستقر في يدي توقفت الحافلة فجأة فسقطت إحداها) .
– ألا يوجد غير هذا المقعد ؟! اوووف . نطق بذلك صوتٌ أنثوي رخيم، حين التقطت النقود ورفعت رأسي كان ظهراً عريضاً بلونٍ رمادي عليه نقوش بورود حمراء يتململ محاولاً الاستقرار في المقعد أمامي.

من أين أحضرت  مثل هذا الثوب يا ترى؟، في هذه البلاد لم يعد أحد يملك ذوقاً في اختيار الملابس. بكم اشتريته؟ هل أقنعك التاجر بأنه آخر صيحات الموضة؟  هل قال بصوت غليظ :

– لالا، ألوانه ليست قوية بالنسبة للصيف، إنه مرغوب جداً هذه الأيام، لقد خبأت هذه القطعة الأخيرة من الشُحنة لأهديها لزوجتي، لكنك تستحقينه، إنها القطعة الوحيدة في السوق كله، جميع الثياب التي تشبهه تم بيعها، لكن اطمئني أنا لا أبيع إلا لعلية القوم . 

كان سميناً، يضع خاتم فضة ضخم في يده اليسرى المنعّمة، ربما لمس يدكِ مرتين خاطفتين وهو يستعرض الثوب أمامك، أووه لقد تمكن من خداعكِ، ما أسمك ؟ لابد أن يكون اسماً صغيراً مادمت بدينة إلى هذا الحد، هناء؟!،  لا، إنه ميّ، والآن يا ميّ ماذا تفعلين؟  ثلاث دقائق كاملة تقضينها خافضة رأسك في محفظتك، ألا تملكين نقوداً ؟ لابد أنك تملكينها مادمتِ قادرة على شراء ثوبٍ غالي الثمن أنتِ حديثة عهد بالثراء، لم تنشئي في عائلة ميسورة تفرغت فيها الأمهات للاهتمام بألوان ثيابهن حتى تتوارث فتياتها الذوق الجيّد  .

تبحثين عن الورقة الممزّقة من بين نقودك. صحيح ؟ بالتأكيد تفعلين ذلك الآن، فأنا أعرفهن جيداً أمثالك من النساء،  تعتقدن بأنكن تمتلكن درجة عالية من الذكاء والحصافة، تحاولن القيام بخدعات صغيرة هنا وهناك، تصنعن حيلاً ساذجة لتشعرن فقط بأنكن أذكى من الآخرين، بينما في الحقيقة السعادة الصغيرة المتوهمة التي تحصلن عليها من هذه الخدعات هي بالضبط ما يجعلكن عرضة للخداع . زوجك الذي تظنين أنك تراقبين كل هفواته، ودسستِ قريبتك لتعمل مساعدة في مكتبه فتتجسس عليه وتأتيك بالأخبار، لم تنطلِ عليه الخدعة كما اعتقدت لكنه تظاهر بذلك حتى يستطيع إقامة علاقة مع قريبتك التي كانت تعجبه منذ البداية، إنهما يخدعانكِ ويضحكان على سذاجتك كل يوم، والآن أيضاً تم خداعك، وممن !! بائع الثياب ذو الخاتم الفضي !! إنه لا يملك زوجةً أصلاً!! .

(مستشفى الأمل التخصصي، صيدلية مستشفى الأمل المركزية،  بقالة الحياة، توجد لدينا كهرباء الدفع المقدم، مشغل زهرة للسيدات، كوافير ال… ) يا إلهي، ستعمى عيناي يوماً.

لماذا تحنين ظهرك إلى هذا الحد ؟ لماذا تتكورين على نفسك ؟ أووه، هل يضربك زوجك ؟ لماذا لا تتطلقين منه إذاً ؟ لماذا لا تشتكين لأهلك ؟
– ما العيب في أن يضربك حين يكون غاضباً؟ ألا يعتذر لك بعد ذلك ويغدق عليك بالهدايا؟! كل الرجال سيئون، أبوك كان أسوأ بالإضافة إلى بخله، لا تتطلّقي منه، فلا أحد سيكفلك أنتِ وأطفالك، فكري بهم ولا تتصرفي بأنانية .

اااه يا نجلاء،  هل طأطأتِ رأسكِ  حين تفوهت أمك بذلك؟ أنت لست ضحية زوجك بل ضحية أمك، هي من غرست في عقلك أن الرجال كلهم سيئون لكن لا يمكن للنساء العيش من دونهم،  لقد أفسدت حياتكِ إلى الأبد، وحياة من بعدك حين تقولين شيئاً مماثلاً لابنتك في المستقبل، أرجو ألا تملكي بنتاً، لكن يا نجلاء إن كنتِ تملكين أولاداً فقط فهذا أسوأ، سيرون في أبيهم قدوة لهم، سيسيئون معاملتكِ وحين يكبرون سيضربون زوجاتهم أيضاً. لا، الصغير لا يشبههم أنتِ تحبينه أكثر من البقية أليس كذلك ؟ ذلك اليوم حاول احتضانك بين ذراعيه الصغيرين حين رآك مرتمية على أرضية المطبخ وخيطاً رفيعاً من الدم يتسلل خجلاً من جانب فمك .

إنه أكثرهم عطفاً، لكن مهلاً ربما عطفه زائدٌ عن الحد، وحين يتزوج من الفتاة السيئة  التي ستعامله بلؤم،  لن يكون في مقدوره أن يصبح حاداً معها، لخوفه المفرط من أن يشابه أبيه، سيراها دائماً ضعيفة مهزومة مثل أُمه، أما هي فستشكو لصديقه من جبنه وضُعف شخصيته، صديقه الوسيم عريض المنكبين الذي ستخون ابنك معه، لتجلسا سوياً تبكيان على أرضية المطبخ نهاية المطاف.

كان عليك المطالبة بالطلاق، لا شيء سيقدمه لك يصلح اعتذاراً كافياً عن ضربكِ، ما الذي يقدمه على أية حال ؟ ثوباً مطرزاً بورود حمراء لارتدائه منتصف النهار ؟! .
(مقهى المدينة، مكتبة الفردوس،  جامعة السلام …)
أنا أعرف لم تحنين ظهرك يا سلمى ؟ نعم هذا اسمك بلا شك، لقد كنتِ خجولة جداً منذ صغرك، ربما أكثر مما يجب، لم تمتلك صديقات في مثل سنك، كنت الفتاة الوحيدة في بيت مليء بالأولاد، ارتديتِ خماراً على رأسك منذ الصباح وحتى موعد النوم، كدتِ تقتلين نفسك حين رأيتِ دماً ينزل منك للمرة الأولى، اختبأت ولم تخبري أحداً،  أمك هي التي عرفت بالأمر حين رأت ثوبك الملطخ مع الغسيل، قالت لك أنه أمر طبيعي لكنك واصلت الاختباء من عيون إخوتك، بدأتِ تسدلين خمار رأسك على صدرك الذي لم ينمُ خلال السنوات الخمسة التالية عن صدر الأطفال بكثير، لكنك تمنيتِ لو لم يكن لك صدراً أبداً، لو لم تكوني أنثى منذ البدء، كنت تنحنين على نفسك كأنك تحاولين إطباق كتفيك على بعضهما، كأنك تريدين أن تكوني ظهراً لا صدر له، ليت بإمكانك الدخول إلى ظهرك والاختباء داخله كسلحفاة، لكن أتعلمين شيئاً ؟ خجلك الزائد عن حده هو ما أوصلك إلى هنا، ألم يتزوجك ذلك الملتحي الذي يكبرك بعشرين عاماً ؟! ألم يخطبك من أبيك ويعقد قرانه عليك دون أن يراك؟! ومنذ زواجك لم تري الشارع إلا للضرورة القصوى، لقد زاد وزنك كثيراً من قلة النشاط، فأنت ممنوعة من الحركة لخطوات أبعد من المطبخ وغرفة نومك،  وفوق كل هذا أمرك اليوم بالذهاب لمنزل أهله لزيارة أخته المريضة بالثوب الذي أشتراه لك بنفس الطريقة التي تزوجك بها: دفع ثمنه وأخذه للبيت دون أن يراه .

(بقالة المصباح، بقالة الإحسان، معهد أنغام للموسيقى …)

لم يختر لك أحدٌ الثوب يا نوال صحيح ؟ أنت من فعلت ذلك، لاعتقادك بأنك لا تزالي تملكين ذوقك القديم، وأنك كسابق عهدك فتاة يانعة، أنيقة، تخطف قلوب الشباب، وتثير غيرة الفتيات، تختار بعشوائية قطعة من خزانة ملابسها فتصير مثلاً تحتزيه كل فتيات الحي حين يبتعن ثيابهن . عليّ يا نوال تذكيرك بشيء هام  : حين كنت تقضين الوقت تستعرضين جمالك أمام المرآة، درست بقية الفتيات، تعلمّن، وتخرجن من الجامعات. وحين أحضرتِ لأبيك نتيجة تحصيلك المتدنّي، تدخلت أمك في الجدال قائلة : لا داعي لإهلاك الفتاة بالتعليم، ما الفائدة ؟ كل الفتيات يتخرجن بشق الأنفس، يعملن في المصالح الحكومية ليجدن أزواجاً فيتركن العمل ويتفرغن لمهام بيوتهن بنهاية الأمر، لكن أبنتنا لا تحتاج لإرهاق عينيها الجميلتين بالتركيز في الدفاتر والكتب، ستحصل على أفضل زوج بإشارة من إصبعها .

لكنك لم تحصلي على الأفضل أليس كذلك ؟ كيف لذلك أن يحدث وقد رفضت أمك كل المتقدمين لطلب يدك حتى تأخر سنك كثيراً وأرهقت عينيك من نار موقد الطبخ، ثم كان عليك القبول بذلك الرجل الوحيد الذي طلب يدك بعد سنوات طويلة قضيتها منسية لا يذكرك أحد. الآن تحاولين أن تبرهني للجميع بأنك لم تفقدي الخصلة الوحيدة التي جعلتك مرئية في السابق : ذوقك في الملابس، لكن ألهذه الدرجة تحاولين لفت الانتباه ؟! ترتدين ثوباً مطرزاً بورود حمراء منتصف نهار صيفي !! .

اِلتفت الشاب إلي ليتأكد أنه لا يتوهم فرقعة إصبعي، أعدت فعل ذلك ثانية، فتوقفت الحافلة، أدخلت محفظة نقودي إلى حقيبة يدي ونهضت، في تلك الأثناء كانت المرأة في المقعد الذي أمامي قد ترجّلت عن الحافلة، شرع السائق بالتحرك لولا تنبيه بقية الركاب له أني لا أزال واقفة لم أنزل بعد.

يا لتعجل السائقين، ما الذي يحاول اللحاق به ؟ سيسبب الأذى لأحدهم بطريقته هذه  . يوماً ما سأمتلك سيارة خاصة بي وسأرتاح من تعجل سائقي المركبات العامة ومن تدني ذوق ركابها في الملابس  .

أليست تلك هي المرأة ذاتها ؟ آمال أم ماذا كان أسمها ؟! لماذا  تتجه إلى باب بيتنا، ما الذي يجعل امرأة كهذه تزورنا؟! لابد أنها جديدة في الحي، وإلا كانت ستعرف أن أُمي لن تصادق أبداً من هم على شاكلتها، لابد أنها ستكون حديث اليوم على الغداء، ستحاول أمي وصف الثوب بأنه الأبشع على الإطلاق، ستقول بأنها لم تتمالك نفسها حين رأت المرأة تقف على الباب، ستبالغ في وصف قبح الثوب وسوء اختيار نساء هذه الأيام، لن تصدقني حين أخبرها أنني احتملت وجوده أمام عينيّ طوال الطريق، لن يصدق أحدٌ ذلك .

– أمي!!، مرحباً، هل هذا ثوب جديد ؟!

– نعم، أليس رائعاً ؟! لقد حلمت دائماً بامتلاك ثوبٍ مثله، لن تصدقي بكم اشتريته من ذاك البائع البدين، لقد كان الأخير، لم أكن لأحصل عليه لولا أنه خبأه لزوجته. لكن دعك من هذا الآن . وقولي لي كيف وصلنا في الوقت ذاته، هل ركبنا ذات الحافلة ؟

– ااه، لا، لا أعتقد ذلك .

عن رهام حبيب

mm
كاتبة من السودان