الرئيسية / احدث التدوينات / ثورة 1919 ورمزية النسوية برواية “جِرَامَافُونْ”

ثورة 1919 ورمزية النسوية برواية “جِرَامَافُونْ”

إن الوقوف على ثورة 1919 ومحاولة فهمها، وفهم تأثيراتها على المجتمع المصري والشرق بشكل عام، لهو أمر جدير بالاهتمام.

فتلك الثورة لم تكن برمزية أنثوية الثورة ككلمة، أو كمعنى مجرد تاريخ يُدرس فقط، لقد كانت نقطة تحول في حياة أمة بأسرها، لقد تغير وجه الشرق حينما خلعت هدى شعراوي غطاء وجهها، برمزية إسقاط على الوطن، على مصر، برفع الحجب التي تمنعها الاستقلال والحرية..  

حين بدأت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة، لم تكن أكثر من دعوة قوية شقت طريقها إلى العقول لكنها، لم تجد الحيّز المناسب لتفعيلها إلا بقيام الحركة النسوية في الشرق، في مصر والتي واكبت أحداث ثورة 1919، كان هذا بكتابيه “تحرير المرأة” والذي يُعد أول مظاهر الحركة النسوية الداعية إلى تحرير المرأة والذي تلاه بكتاب آخر اسمه “المرأة الجديدة”.

والرجل بدوره لم يكن يتبرأ في دعوته لتحرير المرأة من الإسلام؛ بل يَعُدّها دعوة أصيلة تنطلق من الدين للتسوية في الحقوق بين الجنسين، وقد نبتت بذور النسوية وأهدافها على يديه أيضا؛ إذ دعا إلى التسوية في الحقوق بين الجنسين، وكما كان ملحًّا على ضرورة تعلم المرأة ولو بالحد الأدنى للتعليم لتحقق شروط إنسانيتها كما يرى، وقد طالب أمين بوضع الطلاق في يد القضاء منعًا لتعسف الزوج في إيقاعه، في حين رأى أن التعدد احتقار شديد للمرأة، وحدد موقفه الخاص من الحجاب.

 لم تكن المرأة المصرية بمنأى عن الأحداث الساخنة التي شهدتها ثورة 1919، بل أنصفتها كتب التاريخ في الدور الكبير الذي قدمته في تلك الأحداث والدماء، التي سقطت من السيدات في المعارك الدموية التي شهدتها تلك الفترة، وهو ما جعل عددًا من المؤرخين يسلطون الضوء في كتاباتهم على الشرارة التي أشعلتها المرأة آنذاك. ويؤرخ عدد من الكتاب لـ“حميدة خليل”، ابنة حي الجمالية، باعتبارها أول شهيدة في تاريخ النضال النسائي تسقط في ثورة 1919 برصاص الاحتلال الإنجليزي، في أثناء مشاركتها في الصفوف الأولى في أثناء تظاهرات أمام مسجد الحسين في 14 مارس 1919.

اعتبر كثيرون استشهادها بمثابة الشرارة التي أطلقت الثورة، حيث تلاها استشهاد سعدية حسن، التي سقطت في مظاهرة شعبية بحي بولاق وتبعتها شفيقة عشماوي، التي أقيمت لها جنازة مهيبة، ثم عائشة عمر وفاطمة رياض ونجية إسماعيل وغيرهن.

وهذا ما مهدّ للحركة التي قامت بها هدى شعراوي وتأسيسها للاتحاد النسائي العام في مصر، حيث استلمت هدى شعراوي من قاسم أمين عصى الحراك النسوي؛ وقامت بإقناع الجامعة المصرية عام 1908 بتخصيصي قاعة للمحاضرات النسوية، كما أنها دعت إلى خلع غطاء الوجه على غير المألوف في ذلك العصر، وأسست “الاتحاد النسائي المصري” عام 1923، وفي عام 1966 أصبح اسمه “جمعية هدى شعراوي”،  وكانت السيدة شعراوي عضوًا في “الاتحاد النسائي العربي” وإضافة إلى نشاطه النسوي فإن هذا الاتحاد كان يدعو للقومية العربية ويدافع عن قضايا العربية عمومًا ثم الفلسطينية خصوصًا فيما بعد.

ونعود لثورة 1919، أو بالأحرى للعام نفسه عام 1919، في الحقيقة لفت انتباهي أكثر من شيء يتعلق بالمرأة حدث في هذا العام..

ففي منتصف يناير من هذا العام قتلت الفيلسوفة روزا لوكسمبورج في انتفاضة سبارتكوس الاشتراكية في برلين والتي تحولت لثورة شيوعية..

وفي 9 مارس تبدأ ثورة 1919، في مصر وفي 16 مارس تسقط أولى شهيدات الثورة المصرية الشعبية، لتتحول الثورة إلى تغيير مسار أمة بأكملها.

أما في7  مايو لنفس العام تولد امرأة أصبحت رمزًا لبلادها وشعبها وملهمتهم الروحية هي إيفا بيرون، أو إيفيتا زوجة خوان بيرون  الرئيس الأرجنتيني، والتي توفيت وللمصادفة 26 يوليو 1952

وفي 4 يونيو من هذا العام وافق الكونجرس الأمريكي على التعديل التاسع عشر لدستور الولايات المتحدة، الذي من شأنه ضمان حق التصويت للمرأة، وأرسله إلى الولايات الأمريكية للتصديق عليها.

وفي 1 ديسمبر من هذا العام تم انتخاب الأمريكية المولد نانسي أستور ثاني امرأة في مجلس العموم البريطاني وأصبحت أول نائبة بأخذ مقعدها.

 بين ميلاد ووفاة وانتفاضة وحقوق سياسية تُكتسب للمرأة كان هذا العام.. 1919  أما بالنسبة لشهر مارس نفسه والذي اقترن باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تزامنا مع مظاهرات نسوية للمطالبة بحقوق المرأة العاملة ومساواتها مع الرجل، أما يوم المرأة المصرية فقد وافق ذكرى استشهاد حميدة وسعدية بثورة 1919 المصرية، مارس الذي اقترن بفصل الربيع في نصف الكرة الشمالي، برمزية ما يعنيه الربيع من حياة..

ربما هي مجموعة من الصدف، تحمل معان يكفينا فقط التوقف أمامها بشكل يدعو للدهشة لارتباطها بالمرأة بشكل قوي.

 وأعود لثورة 1919 تلك الثورة التي تغير شكل الحياة في مصر بعدها مع مكتسبات نسوية توالت ومكتسبات سياسية واجتماعية شكلت وجه الحياة في مصر لبعض الوقت..

هنا يبدأ رصد الحركة النسوية تلك برمزية الدور الأنثوي في رواية جرامافون، وهي رواية ترصد تاريخ أمة بين ثورتين، أولاهما ثورة 1919، والثانية هي ثورة 2011.. سيكون هناك مقال خاص عن الرواية وتقديم قراءة لها بوقت لاحق…

أما الآن فدعوني أقرأ معكم الدور النسائي في تلك الرواية العامرة بالإسقاطات والاستعارات بين السطور.

في هذه الرواية بذل الكاتب الكثير من الجهد والاهتمام بأدق التفاصيل التي تخدم عمله في قالب اجتماعي إنساني بالموازاة مع أحداث التاريخ.. إن عام 1919 يحمل من المساواة الرمزية المتكافئة ما يبدو حتى في مفردات الرقم.. فهو إن لم يخونني التشبيه يقترب من أن يكافئ الميزان، الذي تتلاقى كفتيه وتتساويان.. بين رجل وامرأة.. بين نصف وآخر.. أو بين امرأة وأخرى أو رجل وآخر، بين نقيض وما يكمله، ويكتمل به.. وفي أكثر من موضع خاصة بالعلاقات الإنسانية بين أبطال الرواية حاول “علي الزناتي” كاتب الرواية اختيار ما يقارب بين الأبطال، كنصفي علاقة واحدة.. ليس هذا فحسب، بل إن التتبع الهادئ لشخصيات الرواية سواء من النساء أو الرجال سيكشف عن تغييرات جيل عن آخر، رغم الانتماء لعائلة واحدة.. هذه التغييرات تتناسب طرديا وتتكافأ مع التغييرات المجتمعية، التي تبدو معها مصر الفتاة في 1919 غير مصر الجريحة المنهكة في 2011.

أما ما تجدر الإشارة إليه هاهنا، هي تلك الشخصيات النسائية التي تطورت باختلاف الأجيال، والمتغيرات الاجتماعية المحيطة بهن.

البدء وفي أوّج الثورة وعنفوان البدايات.. هنية ودليلة بطلتي العمل، تجمعهما علاقة مصاهرة، هما عديلتين، زوجتا محمد ورزق الهلالي الشقيقين، كبيرا عائلة الهلالية، هنية هي تلك الزوجة التي كانت مصدر سعادة الزوج كونها أم ولده الوحيد علي الهلالي، ذلك الامتداد الذي عنى أن الرجل لم يقطع نسبه وأصله من الحياة.. وعلى الجانب الآخر في مساواة من نوع آخر، هناك دليلة وزوجها رزق الشقيق الأصغر لمحمد الهلالي، دليلة قصة حب رزق الوحيدة، فتاته التي تبعها ورجل معها بعيدًا عن القرية وغادر إلى المدينة حيث كانت هي دليلته في حياة جديدة لم تكن يومًا لهما ولأبنائهما فحسب، بل لعائلة الهلالية بأكملها..

هنية ودليلة في البداية كانتا لا تتقبلا بعضهما البعض.. تجمعهما غيرة النساء, أو رفضهن لما يخالفهن، أو سوء فهم لم تتتضح أسبابه وتتجلى لترحل إلى غير رجعة إلا بمحك التجربة التي عاشتها كلتاهما معا بمنزل واحد هو منزل العائلة..   مع ألم التجربة وبين أفراح وأتراح، تتشكل علاقة مختلفة أصبحتا صديقتين، دون صداقة واضحة المعالم تجمعهما، تبدى نضوج كلا منهما في قبول الأخرى، بل وأيضا قبولها للحد الذي يجعل هنية تطلب من دليلة المحافظة على منزل العائلة وأفرادها، أن تجعلهن مثلها، لأنها وحسب رأي هنية بها أفضل منها. هذا الرأي لم نعلم به إلا بوصية هنية التي طلبت فيها من دليلة أن تهتم بالأبناء والأحفاد وتجمعهم  تحت كنفها ورعايتها..

لقد كانتا السيدتين معا عماد العائلة، لكل منهن مناطق قوتها التي يعلم بها زوجها ويتعامل معها وفق ما يتناسب معها، يعلم رزق متى وكيف سيقنع دليلة بعمل شيء، ويعلم محمد متى يضع لهنية حدًا توقف لديه اعتراضاتها  لتقبل الأمر الواقع على حياتيهما معا.

في هذا الوقت، قوة النساء رغم تأثيرها الواضح، كانت قوة ناعمة، فهنية ودليلة يعلمن أن أنثوتهن دون شطط أو ابتذال، أنوثتهن تلك التي تقترن بإنسانيتهما هي جُلّ ما تحتاجه العائلة، قوتهن ليست بصاخبة ولكنها راسخة وعميقة ومؤثرة.

 وهاهما شخصيتين أخريتين، زوجتا خالد وعلي ابني العم، سمية وزينب، نموذجين مختلفين تماما عمن سبقتيهما.. سمية زوجة خالد الفتاة الجميلة الواثقة التي يزيدها حب زوجها ثقة وقوة.. لتنعكسا على الحياة في منزل عائلة الهلالي.. أما زينب، فهي الزوجة التي تحب دون أمل في محبة زوجها، ومع هذا تبقى على حبها له، وتقدم له ولأبنائه ما يحتاجونه من دعم ومحبة.. رغم ما يبدو على أنه ضعف زينب حيال عليّ إلا أنه ضعف المحب، وهو سر قوته الذي لا يدريه إلا من يحب. فالحب الصادق لا يكون أبدًا ضعفًا. وعلى عكس علاقة هنية ودليلة التي بدأت باختلاف ورفض وغيرة، كانت علاقة سمية وزينب ناعمة هادئة دون شد أو جذب، ليس هذا فحسب، بل إن الأمر وصل للحد الذي يجعل سمية ووفق حبها لزينب رافضة لغريمتها في حياة عليّ، فهي تدرك محبة زينب لعلي، وترفض أن تشاركها أخرى، ولا تجد غضاضة في أن تخبر عليًا أن من اختارها حبيبة بوجود زوجته، لا تصلح له ولا تناسبه، ولا يخجلها أن تخبر جميلة أنها ضيف غير مرغوب به في منزل الهلالية.

ولأن جميلة رمز للحيرة التي تصيب امرأة لظروف تنشئتها أو غير هذا من الأسباب كرؤيتها لنفسها مثلا ودرجة قناعتها أو ثقتها بقدرتها، على التعايش مع وضعها الأسري كسليلة آل الخطاب، أو كزوجة ثانية لعلي الهلالي. ربما كان هذا أحد أسباب علي الزناتي أن تكون ملامح شخصية جميلة مشوشة ترمز لحيرتها وتدلل على نقصانها، فلم تكتمل جميلة يومًا، لا بجمالها ولا بالحب الذي وهبته قوتها واستسلمت له.

ولأن علي يستلهم من أحداث التاريخ ما يسقطه على الحياة الاجتماعية لأبطال روايته، نستطيع أن نستنتج أن جميلة وحيرتها ليست فقط انعكاسا لطفولتها الناقصة باختفاء الأم، أو بافتقادها لسر قوتها، إنما هي شخصية تدل بوجودها على حدوث تغييرات في نسيج المجتمع نفسه وطبيعة شخصياته، فجميعنا كتب مغلقة من يملك أن يفتحها ليقرأ.

الأنثى هي نقطة البداية ونقطة النهاية، هي الدائرة التي يمضي عليها الرجل، وهي العصا التي يسترشد بها في  طريقه هذا.. ولأن المتغيرات عديدة مما يحدث بين ثورتين، فالوطن في حالة حراك دائم وتفاعلات سريعة, لم تعد النساء فيه كما كن من قبل، لم يعدن تلك الجميلات هادئات الملامح والطباع، لم يعدن من يخترن ويفاضلن فيما يستمعن إليه من موسيقى، ويعلن رأيهن بوضوح وقت اجتماعات العائلة ومشاركة الجرامافون لهم، لم تعد للنساء القدرة الحاسمة على اختيار ينبع منهن، فاختياراتهن تخضع لاعتبارات أخرى، وقد كانت جميلة هكذا، فهي وإن أحبت، إلا أن حبها مشوب بحيرة من يفكر في الحب دون أن يحب، من يقنع أن الحب سيكون سر ضعفه، وهو يرفض أن يكون ضعيفًا..

إننا ولا شك نتاج مجتمعاتنا، أوطاننا، عندما تشارك الرجل والمرأة الثورة كان الوطن مزيج منهما معًا، كانت المساواة، وبقيت وامتدت آثارها لتمنح من في الوطن ذلك الاستقرار النفسي، فيختارون بثقة ويتصرفون بثقة، وعندما يأتيهم العدوان يستطيع كل فرد فيهم أن يؤدي دورًا يكتمل بدور غيره دون أن يتساءل بينه وبين نفسه ماذا أعطي وماذا أمنح، وماذا سأنال؟

لكن عندما يختل ميزان الوطن لصالح قوة دون أخرى، عندما يتم إقصاء البعض على حساب البعض الآخر، تأتي لحظة التخبط سريعًا، و لا نملك من زمام أمرنا شيئًا.. وينعكس هذا على علاقاتنا الإنسانية والعاطفية وحتى في أعمالنا فهناك من يرى في نفسه أفضلية وهناك من يعتقد أن خياراته ملكًا له وحده، وأنها ستكون وفق ما يمثل مصلحته الشخصية.. عندما يبدأ الوطن في إقصاء أبنائه، لتتوارى بعض النساء، أو ينعزل بعض الرجال، فهم انسلخوا من وحدة واحدة وتشتتوا  وتفرقوا.. ليسوا هم من يقفوا معًا في الميادين يدًا بيد مطالبين بالجلاء، أو بعودة سعد, وليسوا هم من يقاومون لقد أصبح من يحملون السلاح هم مصدر قوة الوطن، لقد تم إقصاء نصف الوطن، لصالح نصف مالت إليه كفة الميزان، أما الكفة الأخرى فتحمل من لا يملكون حق الاختيار، لم تعد الكفة بين نصف ونصف ، بل بين جزء ومجموع، وتلك أبدًا كفتي ميزان لن تتزنا بيوم.

ولهذا شيئًا فشيئًا أصبح الوطن يفقد جزءًا من توازن كفتيه لصالح ميزان مختل غير متكافئ، ميزان يميل كل الميل، إنها تلك اللحظة التي لا تدري الأنثى أي شيء ستصنعه لأجل الوطن، أي شيء تستطيع تقديمه!

وربما عند تلك اللحظة تصبح شخصيات النساء أكثر هامشية، أو حيادية باهتة بعيدة، فلا يميزهن شيء عن غيرهن، هن لا تجدن لأنفسهن متسعًا في براح الوطن، ربما ما عاد بالوطن براح يحتويهن! لقد تغير منطق الأشياء.

حينما استبدل قاطني دار الهلالية الجرامافون بالمذياع، صدأ الجرامافون انتفت فائدته وتضاءلت قيمته، تبهت الأشياء عندما لا تستعمل، عندما لا تمنح، ويبهت الأشخاص عندما يوضعون في قوالب لا تتسع لهم أو لما يملكون من مقومات.. فإنهم لا يستطيعون حتى ممارسة حق الاختيار…

ومجتمع يهمش نسائه لن يبلغن  غايتهن ولن يعلمن ماهيتهن، قد يحدثن الكثير من الجلبة ولكنهن لن يبلغن أكثر من ترديد صدى لأصوات لم تتفق، نغماتها، صوت النشاز يعلو وقتها فوق صوت كل النغمات..   

ولكن بين كل هذا هناك نغمة تتضح ويجلو صوتها بين حين وآخر، ولهذا ومع التطور الزمني للأحداث، حين يقرر محسن أحد أحفاد الهلالية الزواج، فإنه لا يستطيع أن يتزوج فحسب، لا يستطيع أن يكون لغير تلك العلياء التي أحبها يوم أن التقاها منذ وقت بعيد، يترك الأخرى التي خطبها وفقًا لمعاييرهم، ويوم تركها لم يدر إن كان ترك خاتم خطبتهما لها أو لأختها أو لأمها، كلهن سواء إلا حبيبته.. وهناك بالقرية بعيدًا حتى وإن اختلفت المعايير وساد منطق الهمج، فإن عز العرب الحفيد الآخر لا يستطيع إلا أن يكون لبهية، تتشابه كل النساء وتعلو أصوات جلبتهن، ويميز القلب صوت من يحب، يستمع له كما يستمع لنغمات يحمل عبقها جرامافون عتيق عبر الأثير.

ربما تخفت أصوات من لابد أن نستمع لأصواتهم، ربما تتلاشى أدوارهم في غمرة ذاك الصخب الذي يعلو ويرتفع فوق كل الأصوات.. لكن هناك لحظة فاصلة يكف الضجيج، وتعلو نغمات واضحة للحن واحد قوي يتردد صداه فينبعث ضوء الشمس بعد ظلام طويل، إنها اللحظة الحاسمة، والتي قد تكون لحظة ميلاد ثورة جديدة..

تبدو أحيانًا الأصوات النسائية خافتة في رواية جرامافون، تتردد منبعثة بين صعود وهبوط ولكن كخلفية بعيدة غير مسموعة، وأحسب أن هنا ذاك الإسقاط الخفيّ على أوقات الركود والاستسلام في بلادنا، إن الثورة التي بدأت منذ مائة عام لتفتح السبيل إلى حرية تجمع بين نصفي المجتمع في مساواة لا تقبل تمييزًا أو تحيّزًا، لا تضيع ولن تذهب هباء وإن اعتنقت الغياب، لكن لحظة شروق الشمس آتية، فهناك من يتطلعون إلى العلياء، انتظارًا لوصول، ولبلوغ غاية وتحقيق هدف لحماية تلك البهية، ربما كان سنا بهائها هو ما ينعكس على صفحة السماء معلنًا شروق الشمس من جديد.. صوت الإناث ليس بخافت، إنه مسموع فقط لمن يجيد الإصغاء، لمن يعلم أن الميل إلى كفة واحدة دون الأخرى يعني  الهزيمة يعني الانكسار يعني أن يدرك أحدهم أنه أحبها دائمًا ولم يدرك هذا إلا برحيلها.. سواء أكانت زينب تلك النقية القلب، أو كانت بهية التي تنتظر من يزود عن شرفها… أو كانت برمزية الأنثى وطن..

 

 

 

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .