ثورة


بقلم: إسراء رفعت

كنا نلعب بالكرة أمام مدرسة البنات الثانوية، منها نصطاد البناتِ الخارجات من دروس العصر، ومنها نستمتع بوقتنا، أنا وأصدقائي، تاركين دروس العصر في مدرستنا للطلبة الذين لا يدركون ما يفوتهم هنا، ونحن نظن أنْ ليس باستطاعة أي شيءٍ أن يوقف لعبنا هذا سوى بنتٍ جميلة تمر.

استندنا جدار المدرسة بعد شوط حافل، قلت لصديقي المقرب: أنا أحب البنت القصيرة التي تجلس في المقعد الأيمن في المقدمة، ارفع رأسك بهدوء واختلس نظرة، نظرة واحدة فقط ولا تفضحنا. رفع رأسه بهدوء واختلسها. وحين عاد عاد بغير الوجه، كان غاضبًا علي، كان يحبها. بعدها، ادعى أنه متعب وغادر إلى المنزل قبل أن نكمل اللعبة، وحين نهضت من مكاني اختلست لي نظرة، قبلتُ البنت في خيالي على خدها، لكن جمهرة بعيدة قادمة أخذتني من البنت وأخذت انتباه الأولاد من اللعبة.
خرجنا جميعًا باتجاه الشارع الرئيسي فرأينا مسيرة حاشدة تقترب، كان هذا شارعًا حيويًّا في مدينتنا الصغيرة، رأينا الباعة يهربون بعرباتهم، التجار يغلقون دكاكينهم، وخلقًا كثيرين قادمين من عمقٍ ما نحو الشارع الذي بدا لنا أنه سينهار تحت وقع كل هذه الأحذية والخطوات!

اتسعت حدقات عيوننا ولم نستوعب المشهد، امتلأنا بالرعب الذي ثبتنا في أماكننا ننظر إلى زحف الجموع من كل الشوارع الفرعية، زحفٌ لم يستثنِ شارعنا حيث كنا نلعب الكرة، جمعٌ تخلّق من اللامكان مر جوارنا وانضم إلى المسيرة الكبرى في الشارع الرئيسي، انتفضتُ وأنا أتفحص وجوه الناس ولا أرى فيها سوى وجه واحد صارم الملامح. عبرت في بالي لاحقًا ونحن في شهور حظر التجوال فكرة أن الناس ينقسمون كانقسام الخلايا – في مثل هذه الظروف – من ذات الوجه الصارم، فيبدون كرجل واحد لكن في ثياب عديدة، وأبدان عديدة، رجل واحد يسير بخطوة واحدة وإن ارتفعت عن الأرض آلاف الأقدام وهبطت تستكمل السير.

فجأة تذكرت البنات اللواتي سيفزعن ويخطئن التصرف بالانغماس في الحشد، وربما يختطف أحدهم البنت التي أحب والمدينة في حال انفلات أمني، دق قلبي لهذه الكلمة وتعرقت فزعًا، وتخيلت آلاف الصور، ودلالاتِ الكلمة، تخيلت صورًا متتابعة للخراب تعرض في نشرة إخبارية، تخيلت أنهم سيصوروننا فقراء ذاهلين، تعلق علينا مذيعة محايدة، ونحن لا نملك سوى النظر للكاميرات بعيون ملؤها الأسى والروع، في صمت العالم الذي يختار الصمت في ظروف الثورات، والكلام، بل الإكثار من الكلام حين يهدأ كل شيء. تخيلت ذلك ولم يهدّئني قليلا إلا أن أمرر الفكرة إلى أصدقائي، فكان أن ركضنا باتجاه المدرسة، لكننا لم نعثر على أحد، كنا نسينا أن من البداهة أن المعلمين سيسارعون بأخذ البنات إلى بيوتهن!

تمر شهورٌ ونحن نتبع نظام حياة مختلف، نقتصد في استخدام الكهرباء لأن الخروج لشراء الكهرباء مخاطرة، في فتح النوافذ أو الاقتراب منها أيضًا مخاطرة (فربما طارت شظية أو رصاصة وعبرت من النافذة مباشرة إلى رأس حي!) تقول لنا والدتي. لم نعد نتذكر جيدًا طعم الخبز، الأمهات يحضرن الأصناف البديلة بالفحم ويمررنها لبعضهن، لبعض النساء الشابات لا يحترفن صناعة الطعام بالفحم ولسن أصلا من هذا الجيل، الشوارع مليئة بشظايا الزجاج والمتاريس والإطارات المحترقة، والشرطة رابضة في مواجهة الشعب خلف كل متراس، بينما تنظر أختي الصغيرة خلسة من النافذة وتراجع في كتابها الجملة بصوت مسموع: الشرطة في … الشعب؟ وهي تنظرنا لندلها على الكلمة في الفراغ بينما لا أحد يستطيع.

وأنا السابح في فضاء المشهد الذي رأيت، ولم يخرج من دماغي، يوم أن ملأ الجمع الغزير الشارع، وقبلها بقليل حين كنا آمنين. ثم أرى وجه صديقي وهو يدعي المرض ويرحل، وفي عينيه دمع شعرت به، صديقي الذي لا أدري هل يصالحني إن انتهت الثورة لأن الأمور انعطفت لمسارات زلزلت قلوبنا؟ وأخذتنا إلى نضج كامل في غضون أشهر فقط؟ أشهر كنا سنلعب فيها المزيد من المباريات ونختلس المزيد من النظرات، هل سيصالحني لأن احتياجاتنا اختلفت الآن؟ وتعرّينا وخرج من ادعائنا للرجولة ذلك الطفل الصغير الفزِع الذي يريد الأمان وعودة الأمور لما كانت عليه؟ وقلت لنفسي لو أن لي رؤيته الآن لكنت تنازلت له عن البنت التي لم أعد أذكر ملامحها، شرط أن أراه وآمن عليه، ولأخذته بالحضن واحتفلنا، لو أن لي أن أعرف فقط إن كان ما يزال يسكن الحي الشرقي أم أنه غادر، لو أن لي أن أمرر إليه السلام مع أي غريب، أو لو تهدأ الأمور لمرة واحدة فقط أتمكن فيها من الوصول لبيته وملاقاته والتأكد من أن رصاصة طائشة لم تخترق رأسه. ولكننا كنا نصحو كل يوم على أمور بشعة تستجد، جوع ومرض وموت، وانقطاع كهرباء وماء ومؤن، غابت عن عيون الناس ألفة الجيرة والإنسانية، وحواسهم صارت أشد حساسية لأن تلتقط أي إشارة للحياة، أي قطعة خبز فائضة وأي شربة ماء نظيفة، وقلوبهم صارت متطرفة في العاطفة، يخافون من أي بادرة ومن أي طَرق لباب، من النهار لهول ما فيه من اشتباكات وخطر، ومن الليل وأن يقتحم بيوتهم لص هو في حقيقة الأمر جائع يقايضهم بحياتهم على ما تبقى في البيوت من تموينات بسيطة، بشاعاتٍ كانت أمي تخبئها عنا لكنها تظهر على صفحة وجهها، وحركاتها وبكائها الذي يندلع كحريق من استحالة الحياة في المدة الأخيرة على الناس، الناس الذين بدأوا ييأسون ويلعنون الثورة في السر، بينما لم يتوقفوا عن لعن السلطة أمام بعضهم البعض.

بعد الشهر الرابع بدأنا نفقد الأمل ولكن في ذات الوقت، نستقبل منشورات ورقية مجهولة المصدر ومكتوبة باليد تبشر فيها جهةٌ ما الناس بانجلاء الأمور، وفيها تجد كلمات الناس الذين مرت عليهم مكتوبة في أطراف الورق، تحريضات وشتائم وتخويف، وكلمات قليلة تكاد لا ترى، تبشر بنجاح الثورة، وتحض الناس على الصبر، حينها بدأت أبحث في معنى الثورة، وبدأت أمي تتخلص منها في هلع خشية أن تعثر عليها العيون في بيتنا. ذاهلًا كنت، ما بين مصدق وغير ومصدق حتى بعد كل هذه الشهور، ذاهلٌ وباكٍ وتضع أمي الطعام القليل في فمي كيلا أموت، فأبتلعه وأنا أفتقد الحياة والأمن، وقد خبا في عيني بريق الحياة، وقد أكلتُ نفسي أكلًا بدوامات الأسئلة والأفكار.

ثم كان صباحٌ غريب، أفرغت فيه أختي الصغيرة حقيبة مدرستها من الكتب وفرشتها حولها وأخذت تذاكر وتحل الواجبات، بدا لي أن كل شيء عاد كما هو عليه، لوهلة، وسألت الصغيرة: لم تفعلين؟ فأجابت ببراءة: حذرتنا المعلمة من أن ننسى حل الواجب! ابتسمت. ورحت أبحث في القمامة عن المنشورات وأصلح ما استطعت منها وأمرره، إلى باحة الجيران، وأطيرها عبر النوافذ في الهواء، وأصنع منشورات جديدة بورق دفاتري، أضمنها عبارات من كتابتي أنا وأنا أشعر أنني عظيم وأنني جزء من الثورة وأن نجاحها، كله، سيكون على يدي.

طرق عنيف على زجاج النافذة أيقظنا جميعًا في الرابعة صباحًا، هرعت أختي الصغرى للاختباء في حضن والدتي، وذهبت أنا للنافذة في حذر، فتحتها ببطء فإذا بيد تدفعني، تفتح النافذة على مصراعيها، يقتحم الجيران في ذات اللحظة بيتنا، أنظر لأمي فإذا بها ترتجف وتبتسم وتبكي في آن معًا.
كان قدومهم يشبه العيد، وإن كانت الوجوه متعبة. صوت قادم من النافذة يهتف: سقطوا. حينها فقط كانت الأسئلة في ذهني تبدأ بالاشتباك بإجاباتها!

تعود الكهرباء للسريان في البيوت المطفأة بالتدريج، صوت الماء يسيل من الحنفيات يشرح تماما معنى الحياة، ومن أمام كل مخبز يمتد شريط من البشر يقفون في ابتسام يشمون في نهم وتلذذ رائحة الخبز، صامتين منشغلين بالخبز، ناسين أن لهم القدرة على التحدث.

نعود لصفوفنا المدرسية ولكن لا نعود للكرة، ما زلت لم أر صديقي وإن كنت أعلم أنه بأمان.
ذات عصر أقرر أن أذهب للمكان، مقابل مدرسة البنات، أقف وأتأمل، لكن الرفاق يأتون على غير موعد فنتعانق ونتحدث وننهض لنلعب، ثم أراه يأتي من بعيد مضطرب الخطى، وجهه نحيل ومحتقن بالدمع، كما لو أنه يمسك الدمع من يومها، أتلقاه بكفين مفتوحتين، أحتضنه فننهار من البكاء.
يقول لي: لقد كنا صغارًا. أقول: نعم. ونذهب للعب الكرة، نقسّم الفرق، الكرة في يدي فدائمًا ما كنت أنا من يجلب الكرة، أصفِّر وألقيها في الهواء فتتلقاها قدم وتركل.

موظفٌ يمر بنا، يبدو عليه أنه مدرس، يحمل ورقًا في يد وباليد الأخرى حقيبته، تصله الكرة من الفتى الذي ركلها أكثر بقليل مما أراد، يتقدم في مرح، ويركلها له ركلة قوية ناجحة تدخل رأسًا في المرمى المرتجل للفريق الخصم، نصيح جميعًا في صوت ضخم: هدف! ونحن متعطشون لصخب اللعب، نتحلق حول الرجل الذي قفز هو الآخر فرحًا، وانطلق عجِلًا إلى المدرسة، ويبدو لي أخيرًا ويبدو لنا: أن (الهدف) من كل ما حدث، يتضح الآن -أخيرًا- بعد كل هذه الشهور من الضباب!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة