الرئيسية / احدث التدوينات / حبوبه (الكيّ)

حبوبه (الكيّ)

بقلم: تبيان ع. ف. خير الله 

كانت الشمس قد لمست شفاه الأرض البكر للحظة الأولى “وقت المغربية” في ذَاكَ اليوم عندما جلسنا مع جَدِّي على “مصلاته” وأقمنا صلاة المغرب، نفس المصلاة ذات الرائحة غير المحببة والمصنوعة من جلد خروف الأضحية المضي، صنعها جَدِّي بعناية بعد أَنْ غطى سطحها ب”الملح والقرض” ليالٍ عدّة قُبالة الشمس.

حكى لي حِينها عن أمّه، حبوبه الكبيرة (كيّ الحاسن بِت مبروك)، كان سرده مختلفاً جِداً ذَاكَ اليوم، وأنا إبنة” الثالثة عشر ربيعاً” هاربة من سجن الإنسان الأول والأكبر – أسرتي – ومن وعكة الدراسة وإكتظاظ الخرطوم “لحوشه الواسع وعنقريب البِرش.” أخبرني أَنْ جدتي الكبرى منذ زمان بعيّد وهي في ريعان شبابها قد قطعت الفيافي – من دارفور – بحثاً عن اخيها الأكبر: “أُمِّي الكيّ كانت فنجرية بالحيييل جات شايلة ” قَرَجَتها” ولافحة توبها وعندها شبشب واااحد كاتحة بيه التراب.” عرفت حِينها أن لدي جذور تضرب بأصقاع دارفور الأم! يَا للهول.

“حبوبه الكيّ” كانت كالباب القديم، شامخة سنين عدّة دون أَنْ تصدأ مفاصلها لتعاني من الخشونة ولا نالها عضال العصر لنحدّث الآخرين ألّا تؤاخذوها فهي مصابة -بالزهايمر- ، كان حديثها مؤلم كالطرف المُهمل مَا أَنْ تفتح ثغرها لتبدي رأيها بأي شيء إلا وتغلق كل الأفواه أبوابها؛  حديثها صدقُ دايماً، بل حلواً مراً كبرتقال دارفور مَا أَنْ تتذوقه إلا وتدمنه، حذائها الوحيد الذي تنتعله في كل المناسبات كان شاهداً على المسافات التي قطعتها بحثاً عن أخيها، كانت تخيط ذات الجَانب كل مرّة لدى الإسكافي إلى أَنْ داعبها ذات يوم قَائلاً: “إنتي يَا حجة شبشبك دا مَا قال الروووب.” لم تهتم بِشَيءٍ البتّة سوى أخيها المفقود، حاملة رايتها “أَلّا مساس” يصيبه مَا دامت تشهق وتزفر، تقصّت أثره من بلدةٍ لأخرى إلى أن حطّت رحالها في النيل الأبيض وأظنها قد ارتوت من نيله ولم تستطع له فراقاً إلى أن تزوّجت وأنجبت جَدِّي واخوته.

لم تعتد “حبوبه الكيّ” أَنْ تجعل أحاسيسها في العراء حالنا الآن، بل كانت ذات سحنة واحدة بشفاهٍ “مدقوقة” وعينان واسعتان يمرح الكحل فيهما كخيلٍ أصيل، تكاد تملّها من فرط رؤيتها على نفس الهيئة سنون طويلة مهما تعددت الاحداث فرحاً وكرها.

ثم أردف قَائِلاً: “شوفتي حبوبتك دي من يوم عرستها، مسكتها أمي الكيّ من يدها و”اتفجنّت” في نص العنقريب وقالت ليها كلام كتير سمعتها وهي ماشة بتوصيها “يَا بِت هوووي حقٰك مَا توريه للراجل ” ولي يوم الليلة مَا شُفتَ ليها حق – ولا أنا بل كانت تعقد نقودها بعد أن تطويها لتصبح مربعة الشكل في طرف ثوبها ثم تخبئه بين ثناياه. وعندما رأيت أبناءنا في الجنينة قد أزهقت أرواحهم بسبب (كوارو)، جلستُ برهة دون أَنْ أعيّ حجم المأساة وحجم السبب – التافه جِداً – الذي آل لهذا، تذكرت كم كان جَدِّي يحكي لي على لسان امه أَنْ دمائهم مستباحة، أيقنتُ حينها أنها لم تكن مجرد “حمير وكوارو” بل عشرات السنين من الظلم والقهر، كانوا يزودون عن عرينهم، كل يوم يمر عليهم يواجهون الموت بسببها، تُحرق قراهم وتُسرق محاصيلهم وتُغتصب نسائهم أمام اعينهم. “الحكاية كانت حمرنة وقوة عين” أكثر من أي معنى أخر.

نفس الفتاة ذات (الثالثة عشر) الجالسة قُرب جدّها ليروي لها عن حبوبه الكبيرة بكل شغف وشراهة لتقول أحياناً لأمها: “أنا فِرفِر – كدلعٍ لأصلها الدارفوري – أنا زولة صعبة مَا بخلي حقي،” تتنازل الآن عن أبسط حقوقها في أَنْ تخرج لتثور، ويحتويها الشارع بما رحب، في أَنْ يعلى هتافها ويعبئ حنجرتها الضيقة، في أن تبكي وتجري وتضرب وتعتقل وترجع “البمبان” لتأتي وتحكي في مواجهة يومية بنقاش عائلي عقيم ينتهي بجملة معتادة: “إنتي بقيتي قليلة أدب ومَا بتسمعي كلامنا ولو طلعتي مَا عافيين ليك!”

هي ذاتها الفتاة المنحدرة من عائلة تراها “متعلمة عنصرية”، كَأنّ هذا الوطن سيسقط بالعاطفة لا جبراً “حمرنة وقوة عين.”

“حبوبه الكيّ يَا جَدِّي  أكيد بريئة من كل دا، وأنا الماحضرتها متاكدة إنها مَا رضعتهم العنصرية بل كانت أنقى من كل الفكر المسموم دا.

أنا نفسي تلك الفتاة التي انسحبت من وسائل التواصل الاجتماعي كونها لم يكن بمقدورها أن تثور بطريقتها ولن تتصنّع وتلوّن الفقرات بِشَيءٍ تراه من على البُعْدِ، لم تستطع أن تفعل سوى مَا هو بسيط في حدود المسموح به من شباك هذا السجن الكبير.

“الثورة مَا دخلت عضامي مَا اتشربتها و لا وصلت نشوة مَا بعد البمبان عشان أترنّح في قوافي بيوتي.” 

لم أبكي أخوتي الخمسة اللذين أُردوا على جباههم بعد ان كُبّلت أيديهم – دون أن أرى ملامحهم لمرة واحدة-، بل بكيت “حبوبه الكبيرة” التي تشبعتُ رؤية سحنتها – الواحدة – في كل نساء موكب الجنينة وهن حاملات “قرجاتن” ويهرولن بدون وجهة، يقتصين الأثر خلف “حريّة سلام و عدالة”، لم يكن كأي موكب عادي، ولم يكن الهتاف عالياً، بل كنّ يبكين وجعتهن وفجعتهن. أملهن الوحيد أَنْ يسقط حكم العسكر.

“كانن ماشات يحشن “المسكيت ” القام ليهن في أرضهن – بدون قدرتهم – ورافض بأنانية أي زرع تاني يخضّر الوديان، كان المسكيت أتعتق وصار لونه أصفر وأكثر مرارة من أنه يضوقوه ويتفوه عشان يحكمو عَلَيّ طعمه، أظن انه حبوبه الكي مَا كانت فاكره انه الشجر الصغار داك حيكبر ويقتل أخوها، كانت ريحته منفّرة من بعيّد زي ريحة العنصرية والظلم والفقر وفقدان أبسط المقومات زي إنه الأطفال يحلمو بشيء تاني غير انتهاء الحروب والإبادات وغير انهم يتمنَّوا الأمان.

ببساطة أكثر رأيتُ في ذَاكَ المقطع الذي لم يتجاوز الدقيقتين – أمهات يبحثن عن أولادهن، ورأيت” حبوبه الكبيرة كيّ الحاسن بِت مبروك الماااا بتغباني بي شبشبها المقطوع” تبحث عن أخيها – بعد أَنْ تعبأ سرداب السلطان المقتول بالكثير من الأطفال الضائعين. عزائي الأكبر أنهم سيصبحون بعد ثباتهم الطويل هذا في أرض عالية وبعيدة قُرب سلطان آخر، على سرر متقابلين.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة