الرئيسية / احدث التدوينات / رواندا: الحلمٌ تحقق .. فالنحذوا حذوه

رواندا: الحلمٌ تحقق .. فالنحذوا حذوه

القيمة الكتابية الجميلة التي ينثرها الصحافي موسى حامد عن رحلته لدولة رواندا، ظني أنها مشروع دولة إنسانية (حلماً) قريباً من التحقق لو قامت باجتهادات حقيقية، والقراءة لها ثانية من زاوية أنها مشروع رؤية لتوحيدية نضال شعبية نحو قيمة تسامح وصوت تعايش تتحدث به الدولة هناك مؤسسات ثم شعب.

هنالك اجتمع نداء النضال للكراهية والبغضاء كقيمة شعبية لصناعة مستقبل الوطن كله، القيمة في كمية من التجاوزات لنقاط سوداء، والتجاوزات لكل صوت يقول للماضي (اصنع حاضرنا)، بل كانت المقولة (لنصنع حاضرنا وفق حلمنا وأشواقنا)، لا يصنع وطن بمقومات حقيقة وفاعلة ومؤثرة على كل مستويات البناء الحضاري بلا قيمة تسامح وهزيمة لكل نقاط الماضي السوداء، والمحاصرة للفعل الإيجابي للوجدان عندما يحاول صناعة مجد جديد وعمر أجمل للشعب والوطن.

في ظني أن القيمة الثقافية لكل بلد، في صناعة قيمة التجاوزات لماضي مفجع ومؤرق من أجل وضع ثورة ثقافية عامة تبدأ في كل بيت لتكون الرؤية، كيف نتجاوز الماضي البغيض بكل صراعاته وأحقاده والدماء المنثورة هنا وهناك، من هنا يبدأ الإصلاح الحقيقي، فالثورات الثقافية هي التي تقاس بها نهضة الشعوب والأوطان، نهاية الحرب ونهاية الأنظمة الإستبدادية هي بداية الثورة الثقافية المفترضة كقيمة تحقيق نهضة كاملة وفي كل اتجاهات الحياة.

تراجعات مخيفة يمكن أن تحدث لكل نهاية للحرب عند الشعوب، وهي التي تحاول دراسة أسباب الحرب وحدها ولم تضع لنفسها في قيمتها الثقافية معنى صناعة أسباب النهضة الثقافية الجديدة والتي ستحقق تنمية شاملة، فمع نهاية الحرب بالضرورة ترسيخ القيمة الوطنية الثقافية المرتكزة على دراسة أسباب صياغة وطنية جديدة للشخصية نفسها، ويضيع كل وطن لو لم يعرف المثقفين فيه أدوارهم الراسخة في وضع أسباب نهضة ثقافية تصنع شخصية التسامح والتجاوزات الكبيرة لكل ماضي أسود بصراعات دموية وغير ذلك، عبر برامج عمل علمية وأكاديمية لكل فئات الشعب المفجوع بصراعات تأريخية لكنه يحاول صناعة المستقبل الذي يحقق له حياة ثانية بلا صراع ودماء ودموع.

المثقف بطبيعة الحال يفترض فيه رسم معالم المستقبل، وقيادة العمق التواصلي بين كل المجتمعات في منطقة ما، المثقف الذي يناضل ضد الدماء والصراعات مطالب بثورة ثقافية للبناء التفاعلي بين المجتمعات المتصارعة ليُصنع فيها صوت جديد بأبعاد مختلفة عن ماضيها المتناثر بين دماء ودمع وبغضاء تفعل الفعل السلبي الكامل، مثقف يعني صناعة حياة متجددة، برؤى صناعة تفاصيل الحياة في عقول كل فئات الشعب، وللحقيقة صعب تحقيق ذلك بلا عزيمة واشارات قوة شعبية وقوة ثقافية راسخة هي الراجحة والقائدة للحياة الجديدة.

يبدو أن المثقف في بلدان الصراعات دائماً ما يكون على هامش الفعل، أو يُراد له ذلك من كل النظم السلطوية، ولكن في زمن صناعة حياة ما بعد الحرب فهو الذي يقود كل المؤشرات المطلوبة فيها، وعليه يبقى البعد المطلوب هو كيف نصنع المثقف القائد للمرحلة الوطنية الثقافية المتجددة فعلاً ورؤى متكاملة ضد الحرب وأسبابها وعودة الصوت الداعي لها.

رواندا كدولة، رسمت كل ذلك برؤى وطنية، ووضعت كل القياسات المطلوبة لصناعة وطن ما بعد الصراعات الدموية والقبلية ونجحت في ذلك، وعلى دول القارة الافريقية وكل دولة في العالم لها ذات تجربتها في الصراع قراءة كل كتابها في ذلك وتوطين صناعة الحياة المتجددة على طريقتها، فنجاح تجاوزات الماضي الدموي في رواندا نموذج كوني حقيقي، والذي تحقق فيها على مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية يقودنا للقول بأن المثقف هناك ناجح لدرجة الجمال الأسنى في قيادة مجتمع ليكون متماسكاً ودولة لتكون راشدة وشارع ليكون في مودة وصورة قبلية لتكون في إطار وحدة شعارها التحالفات بيننا من أجل بلادنا، ومن أجل مجتمعاتنا.

رواندا هي الحلم الذي تحقق، وعلينا توطين ذلك لو أننا خرجنا من صراعات ودماء متناثرة في أوطاننا. وفي سوداننا هذا نبدو أننا نحتاج لذلك النموذج الإيجابي ومدى فعاليته المنتِجة لحياة متجاوزة لماضي بغيض، فيه كل الأشياء السلبية من صراعات وسلطة استبدادية ودماء قبلية ومحاصرة لكل قيم وجماليات الشعب السوداني، والسؤال (كيف نصنع الحياة القادمة)، وكيف تقام فضيلة التسامح بيننا، وكيف تكون الشخصية السودانية قائدة لفعل المستقبل برؤية تسامحية مبدعة وبرؤية نضالية تهزم كل صوت كان سبباً في ذلك كله أو بعضه أو جزء قليل منه.

فهل المثقف هنا يعرف كيف يقوم بمقام صناعة وطن جديد ومختلف وبرؤى تسامح وتعايش وطني؟ لو عرف ذلك، فهيا للنضال في اتجاه الحياة الجديدة، وهنا يلزم النضال قوة أكثر ووعي حقيقي بمتطلبات مرحلة البناء الوطني بكل اتجاهاته.

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن