ظهيرتا حرب

        حسناً، سوف نتحدث عن ذكرى حرب، نعم احداث حرب مليئة بالدماء والماسي. اعرف أنه ليس من السهل اخبار القراء هكذا دون أي مقدمات عن أمر بهذه البشاعة، ولكن الأيام الماجنة في حصارها الجائر لحياتنا تتعمد الا توفر لنا سوى هذا النوع من الذكريات، بل أكثر من ذلك؛ ها هي تسوقنا لحظة بلحظة نحو مستقبل مليء بالفواجع والبؤس، ولكن هل كل هذا الجور الزمني سيقودنا الى التسليم بالقبح؟ أن نعيش لنتعذب أبداً. هيهات.

       ما شهدته بأم عيني وسمعت به من فظائع في مشوار الحياة الذي قطعته حتى الآن، فيما يخص الحرب ليس كله يصلح للكتابة، نظرا للتجربة العنيفة التي مرت بها منطقتي الجغرافية في هذه الفترة. فعندما يصير هلع وفود الضحايا الهاربين من الموت مشهد عادي تتعايش معه وكأنه مرور مترف لسرب من السياح؛ تكون محاولة الكتابة ضرباً من العبث.

     ولكن رغم ذلك سأحاول التحدث عن بشاعة ظهيرتين غارقتين في وحل السنين الطويلة المليئة بالبؤس والموت والخوف التي عاشها أطفال الوطن المترامي الأطراف على امتداد ما نسميه بعهد الحكومات الوطنية. واحدة منهن رواها لي صبي الورنيش حماد تحت راكوبة بائعة شاي بسوق المدينة؛ وهي الظهيرة الأهم، لأنها الحدث الوحيد الذي ظل عالق في ذهن الصبي الضحية الى الأبد، يحمل تفاصيلها الصغيرة ليرويها بتصوير دقيق على زبائنه من متر في المدينة، الذين لم يكن ليتخيل يوما أنه سينتظر منهم أجرا يعينه على شظف الحياة، ولكن؛ لقد تغيرت الموازين يا صديقي، منذ أن عرفت غابات قريتك الحريق الفجائي وجبالها قذائف الاربجي وبراميل الانتنوف.

     قبل الولوج إلى ظهيرة حماد الوحيدة تلك، سأعرج الى ذاكرتي لأخطف تفاصيل ظهيرة كالحة من شتاء 2005 عندما كنت طالب في الصف الأول من المرحلة الثانوية. كان اليوم كله كالح، اتذكره جيداً، تغطيه زوبعة لجوجة من موجة زوابع اواخر يناير المسماة بـ”قروة” صاحبة بشريات الحصاد وطعم المحاصيل الجديدة. المدينة الفزعة تتمايل بأشجار نيمها التي تحف الشوارع، يموج سوقها الكبير الممتلئ بالجوعى والمشردين، تتضور اوساخه بمشيئة الزوبعة الرعناء للظهيرة المغبرة، كانت الجيوش الحكومية التي تتجشأ رائحة الموت تطوف بطرقات المدينة المكسرة، لتثير الرعب في عيون الضحايا المحتميين بطوب ازقتها، وكنت أنا. وكأي طالب “جنيور” ألتقيت بالظهيرة في سوق المدينة الكبير حتى اتأكد من كمال زهو الزي المدرسي القشيب.

    في السوق الكبير ومن بين ضجة بائعيه وزعر العسكر لحظت الجمهرة الكبيرة على شجرة نيم من صف شجر النيم الشرقي لساحة المولد أو ساحة الامام السحيني بحسب سلطة البلدية، حيث تجمهر عدد مهول من الناس مشكلين دائرة متينة البناء من اللحم البشري المكسو بالأقمشة الرثة، غامرت بشق ذلك الجدار المتماسك بمقدمة رأسي المسنون، وبعد معافرة طويلة تمكنت من التسلل الى بطن الدائرة، عندها لم اجد شيء سوى حشد صغير لشباب مهندمون تفوح منهم رائحة المنظمات الأممية، يحمل كل واحد منهم بوستر به صور شخصية مكبرة تحمل وجوه أربعة أطفال ببيان توضيحي  تحت كل صورة، كان الهرج عالياً قبل أن يتحدث احدهم من أصحاب الهندام بمكبر صوت يدوي طالبا من الجميع الهدوء، قال بنبرة هادئة وبلغة تنتمي للمدينة: “يا ناس الأولاد اللي في الصور ديل لميناهم من الخلاء بعد ما شتت الحرب أهلهم وهم من قرى كثيرة أحرقت بالكامل، صورناهم كما ترون والان ووزعنا الصور هذه في مدن كثيرة ولكن لأنهم عايشين في معسكر “كلمة” اتينا الى هنا لعرض الصور بأنفسنا ليتعرف الناس عليهم فلو في زول هنا اشتبه في احدى الصور يأتي الى الامام ليتعرف اكثر على البيانات المتاحة لصاحبها.”

منذ أن غادرت تلك الدائرة ووجوه الأطفال الضائعة في الرعب لم تفارق فكري، تٌرى إلى أي جحيم قذفت بهم هذه الأيام الماجنة؟ كانوا بين الثلاثة والعشرة سنين، عيونهم ملأى بالذعر والضياع. 

   على ظل راكوبة للشاي أجاب بنبرة غير مبالية عندما سألته عن مكان قريتهم: “قريتنا بعيدة” ثم أضاف بعد هنيهة “لكنهم حرقوها”

    في مدينة الضحايا والجلادين- نيالا- اعتاد الناس على سؤال أطفال الورنيش، عن تفاصيلهم حياتهم الأسرية كنوع من ازجاء الوقت، أو لنسيان مشاكلهم التي دائماً ما تتصاغر أمام أكثرهم نعيما، كان الوقت عصراً عندما رميت سؤالي المتواطئ على “حماد” وهو طفل في الثالثة عشر من عمره – عندما روى لي تفاصيل ظهيرته على أنغام موسيقى فرشاة تلميع الأحذية – مسجل المقهى ماركة بانسونيك يضج بأغنية صاخبة، أستفسرتُ بنبرة أعلى:

– كيف أحرقوها؟

وكأن هذا هو السؤال المنتظر، رفع رأسه مجيباً بهمةٍ- دون أن تقف يده التي تعمل في تلميع حذاء صديقي:

– أحرقوها بالقذائف الحارقة بعد أن نهبوا كل شيء حتى الدجاج المستسلم؛ كان أخي وراء الجبل، ذهب لجلب الاتان ليرد للماء، وكنت أنا داخل الراكوبة، فقد كانت الشمس ملتهبة نصف ذلك النهار، أمي تقطع البندورة بجانبي لتجفيفها، أبي كحال جميع رجال القرية ذهب إلى السوق الأسبوعية، لم يكن هناك أي شيء مثير، كل شيء هادئ، كنت أملك قطيع من ابقار الطين الصغيرة اللهو به. أمي بدأت تُرضع أختي الصغيرة عندما دوت القذائف، ثم احترقت القرية في لحظة، نهبوا ثياب أمي، قدور الطعام؛ الاسِرة وأتان الماء؛ احرقوا الراكوبة؛ قطيع أبقار الطين وقطياتنا الثلاثة؛ كما احرقوا معصرة الزيت بعد أن نهبوا جملها. لم تصلي أمي ظهر ذلك اليوم، حيث أن النار شتتنا بعد أن قتلت أخي، مشينا أنا وأمي لمدة ثلاثة أيام قبل أن ندخل أول مدينة.”

– ما الذي جعلهم يهاجمون القرية وفي عز النهار؟” سألته بنبرة تُجاري أنفاسه المتنهدة.

– لا أدري، ولكنا كنا نملك مواشي ومحاصيل وفيرة، وسمعت أمي تقول أن العمدة أخبر الناس بأن الحكومة قالت له أن أبناء القرية انضموا إلى الحركة المسلحة. 

تحدثنا طويلا في ذلك العصر على أنغام مسجل البانسونيك الضاج وفي اخر الجلسة وعندما هم حماد بوداعنا بعد استلام الجنيهات دار في رأسي سؤال مباغت فرميته مثلما جاء:

– ماذا تتذكر يا حماد من قريتكم؟” أجاب بلغة صادقة وصوت خفوت:

– النهار الضربونا فوقو. (أي ظهيرته الأخيرة).

على العموم الحرب ليس موضوعاً مستساغا، فكيف بذكرياته، لذلك سأختم هذا التذكر المتداعي، بالترحم على العدد اللا منتهي من ضحايا الحروب على مدى دوران كرتنا الأرضية.

عن دهب تلبو

mm
قاص وشاعر من السودان