الرئيسية / احدث التدوينات / كتابات للثورة

كتابات للثورة

بقلم: عاطف جمال

الشهيد

استيقظ على دقاتِ الطبول ورائحة الإطارات المحروقة، أفرغ على جبينِ والدته القبلات والضحكات ثم رددَّ الكلمتان اللتان أصبحتا رمزًا للتحايا في حيِّهم والأحياء البعيدة. لم يكُ الشهيد قد أكمل الثلاثون ربيعًا، لكن أحلامه التي زرعها وسقاها بإبتسامته تفوق عمره أعوامًا؛ وفي صباحِ الرابع والعشرون من يناير سمع صوت الواجب الداخلي يناديه، صوت التفاؤل الذي لم يخذله أبدًا. وعندما توسطت الشمس السماء عرف أنَّ ساعة الخلاص قد أزفت، وبصمتٍ مهيب خرج إلى فناءِ منزلهم، تنقل من ركنٍ إلى ركن، ومن غرفةٍ إلى غرفة وعانقها واحدة فواحدة. عانق الطريق، وأشجار النيم والأحجار التي رصَّت في الأحياءِ لأهدافٍ سامية؛ وعانق الإطارات التي لطالما صنعت في عينيه الدهشة والدخان المتصاعد من عبواتِ الغازِ المسيل للدموع، عانقها جميعًا بإبتسامته المعتادة.

عندما حانت ساعته لوحت يداه كالملائكة، أتتهُ بوابل الرصاص من السماء والأرض ومن كل ركن لأنّ الجبناء لم يستطيعوا تحمل الابتسامة، استقبلتها صدره بإبتسامةٍ مرسومة بأناقةٍ على وجهه ثُمّ حلَّق. لم تكنْ اللحظة المناسبة نظرًا لتلك الظروف المحيطة، لكن الوجه لم يخفِ الإبتسامة، فكانت تلك رصاصته الوحيدة التي يستخدمها ليقتل بها أعدائه.

نظر إليه الجلاد بعد أن أرداه قتيلاً وقال: “اللعنة، أسلمت الروح لكن لم تُسلم الإبتسامة.”

السفاح

جيرونيمو، جد جوزيه سارماغو، لم يكن أديباً، لكنه كان حكيماً؛ عندما مرض، عرف أن ساعته قد أزفت. وبصمت مشى إلى البستان، تنقل من شجرةٍ إلى أخرى، وعانقها واحدة فواحدة. عانق شجرة التين، وشجرة الغار، وأشجار الزيتون الثلاث أو الأربع؛ ثم عاد إلى لشبونة، إلى الموت. وبعد سبعون عاماً من رحيل جيرونيمو الحكيم، ظهر عمر، لم يكنْ جداً ولا أباً لأحد، ولم يكنْ أديباً أيضاً، لكنّه علم أنَّ ساعته قد أزفت، فتنقل من مدينةٍ إلى مدينة، ومن دولةٍ إلى أخرى. عانق الشيوخ والكهنة، الأصدقاء والأعداء، الأطفال والمسنين. عانقهم جميعاً بحزنٍ أديم؛ ولم يستطع العودة، هرباً من الموت.

المقنَّع

بعد ثلاثين سنة، وبالرغم من الرعب والحصار، كسر الشعب الخوف في كل مكان وخرج إلى الشوارع. قال مدير الأمن محذراً: “لا يمكننا السماح بذلك.” بعد أحد عشر يوماً، تمكن الخوف من قلب الجنرال في قصره، ودفع به إلى التنقل من دولة لأخرى، ودفع بأعضاء حكومته إلى الصراخ والتذمر، لإنقاذ الشمولية القاتلة.

في الخرطوم، جرى تحويل موقف المواصلات إلى سجن. وكان المقنعون يجوبون الشوارع، لا أحد يرى وجوههم؛ بينما هم يرون وجوه الجميع. كانت تلك النظرة تطلق رصاصاً: المقنَّع، وهو طالب رباطي، كان يمشي، يتوقف، ويشير بإصبعه. الرجال الذين يشير إليهم، كانوا رفاقه في قاعة الدرس من قبل، يؤخذون إلى التعذيب أو الموت. وفي السجن لا يستطيع النظر إلى رفاقه القدماء، حتى وهو مقنعاً.

– هذا المقنَّع يبدو كلباً.

يقول السجناء.

– ولكنه ليس كذلك.

تقول الكلاب.

جداريات

(1)

 

في الليلة التي سقط فيها الجنرال: كتبت ثائرة على خد ثائر: “هذه أول مرة تلامس فيها شفاهي النجوم.” وقال عجوز كان يختلس النظر إليهما: “ربما عشت طويلاً لرؤية هذا اليوم.” وعلى جدارٍ في الخرطوم: “أتذكرين تلك الدمعة، جعلت العشب ينمو.” وعلى جدارٍ في القضارف: “أحمل حريتي معي.”

 (2)

كنّا نخطو بخفة راقصي النجوم، هكذا قال ثائر، كان يحكي لصديقه الذي أمضى شهوراً في السجن. وأمضى يقول: “كنت أرى الفتيات يتطايرنَّ من أمامي، ثم تضع إحداهنَّ يدها على فمها، فتتحول الغازات إلى غيوم، والرهبة إلى مسرة؛ وعندما تقول أخرى: “لا تجروا؛ كنّا نرى أرجلنا تترادف نحو الحريّة.

 (3)

في الليلة التي سبقت سقوط الجنرال؛ سمع الناس هتافاً بالقرب من القصر، التفت الجندي ولم يرى شيئاً، حرّك بندقيته وأطلق رصاصةً؛ تململ الضابط في بيته، وابتسم الناس في جاكسون وكل مكان. الجنرال يصرخ، اغلقوا هذا الصوت، واقبضوا صاحبه. “لا أحد” يقول الجندي. الصوت مرة أخرى: “سقطت.”

الموكب

كم من ملايين الأشخاص يمكن أن يتسع لهم شارع وحيد؟ في ظهيرة ذلك اليوم، كانت أمدرمان كلها تمضي نحو شارع الأربعين*، الشارع الوحيد الذي ما يزال صالحاً للحشد والمشي في المدينة. كانوا أناساً مدنيين يهربون من بطشهم وذلّهم، حشداً بسيقانٍ تمشي متعجلة تشهر بالهتافات المختلفة، وحشداً دون سيقان يسرع الخطى ليلحق بأصحاب السيقان المتعجلة، كما لو أنَّ هذا الحيز المنفي عن ملكوت السيارات و(الركشات) لن يدوم إلاَّ قليلاً. ووسط تلك الحشود، لمع البريق من عيني الشهيد ولمح جندي يتجه نحوه بمشقة. رفع الجندي ذو المظهر المنهك بندقيته؛ ودون أن يجد الشهيد متسعاً من الوقت للتفكير، وجد نفسه معانقاً ومعانِقاً. بدا له وجه الجندي معروفاً بصورة غامضة، فلم يجد وقتاً ليقول ما أراد قوله سوى السؤال: نحن أخوانك يا بليد!

*سميَ هذا الشارع لاحقاً باسم الشهيد عبد العظيم.

تشظي

بعد ليالٍ طويلة، عاد طارق وأمه إلى قريتهم التي تتوسط الجبال، نظرا إلى بعضهما طويلاً، لم ينبسا بكلمة. لكن الأم كانت تسمع همسه: “ما زالت مفاوضاتى جارية مع التاريخ وأحاول أن أقنعه بأن بيوتنا كانت جميلة وكذلك غناءنا ونساءنا. ‏غداً نَشرعُ نافذةً أخرى للنهار.”

تحليق

كانت تنام على القطيَّة، في الصباح وقبل أن ترسل الشمس أشعتها؛ هجم على قريتهم رجال ملثمين، يركبون الخيول والجمال. دخل عليها رجل بدين مثل حصانٍ جامح، قيدها، هشّم ملابسها، وغرورها، ثم التهم جثتها، صرخت وحاولت أن تهرب، لكن كيف لطائرٍ أن يحلّق دون أجنحة!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة