الرئيسية / احدث التدوينات / كلمات متجولة (9)

كلمات متجولة (9)

صديق المعتقلات

العم صديق يوسف، بملامحه الحادة تلك، الأشبه بمزارع، اعتقلوه في كل فترات الديكتاتوريات، كل حكم عسكري يحكم البلاد يأخذ من عمر العم صديق سنوات ويذهب، اعتقله الجنرال عبود، واعتقله نميري، واعتقله الدكتاتور الحالي، وفي كل مرة يأخذونه من المنزل، يأخذ معه المنجل الذي يزين العلم الأممي، ويدخل للزنزانة كمن لديه محصول ليحصده.

*****

بُّري

يتمنى الجنود أن يحذف يوم الخميس، أو أن يكون اليوم الذي يلي الأربعاء هو الجمعة، لذلك يتلاعبون بالشهادات المرضية، يعطونها كأعذار للقادة، يتهربون من الشراك كفئران مذعورة، يسمون فيما بينهم ذلك اليوم الكئيب والثقيل (بُري).

*****

ثلاثة فقط

لم يعد ثمة سماء، ثلاثة أولاد في طرف الشارع يعبئون القمر، أحدهم يجر الهالة السوداء، يفتحون ستار الليل المظلم يخرجون من حزام الجبار، يفتحون عبوات الريح ويشتعل اللستك. تمشط عربة الشرطة المكان، تزيح الأحجار من الأرض، يفتشون عنهم في الطرقات والأزقة. وفي السماء الحالكة ثلاثة نجمات تضحك.

*****

العدالة

ميم، الزنجي الذي قُتل في حادث إطلاق نار في جادة برونكس، خرج من مقبرته ليحمل جثته، جمع أجزاؤه التي اخترقتها رصاصات شرطة نيويورك، حشر أصابعه في الجيب الأمامي وطوى قدميه داخل حقيبة الهاندباك، بال علي الحفرة التي قُبر فيها، وبصعوبة أغلق سحابة بنطاله، توقف هنالك ليشتري ساندويتش بيرجر، بالقرب من مستشفى سانت لويس الحكومي.

لقد تفاوض مع يسوع لساعات طويلة، مقنعاً إياه بإعطاؤه فرصة ليطبق العدالة، حاول مالكولم إكس إقناعه بأن قناعاته خاطئة بمثال ساذج: “لو كان الأمر كذلك لرجع السيد وانتقم من اليهود.

*****

الأرواح

الزنازين الباردة، كلهاة حلق ميت، المظلمة والصامتة المحاطة بالجنود، يدخلها المعتقلين وأوجههم مغطاة بالملايات السوداء، ويخرجون منها كذلك. فما أن تنبض حجرات المعتقل بالدماء الحارة ويعود الهتاف كل ليلة، يقف المارة على بعد أميال من موقف شندي، يبسملون ويتعوذون خوفاً. لقد كانت الحياة تدب في المباني الميتة، تتسلل هتافات المنسيين لتعبر الأزقة والمباني، تعبر لتعبئ قلب الخرطوم في الداون تاون بالغناء ليوم جديد.

*****

#الحرية_للمعتقل_مجاهد_الدومة

نحن نعلم أنك لن تبقى هناك يا “جو”، ستُخلِف القليل من الآثار على أيدي رجال الأمن، احمرار خفيف في قبضة اليد، سيقبضون به أيادي أبنائهم، ستنتقل الحُمرة إلي أيدي أبنائهم كالعدوى، وهنالك حيث تفتح يدك البيضاء ستخرج حمامة وستأكلهم.

*****

سُودان

في مساء كل يوم خميس، تصير جدران المعتقلات لينة بالهتاف، تبيت الشوارع موسومة باللساتك، تأكل أوراق محاضر الشرطة سطورها، تلتهمها بسرعة وتتقيأ بلاغ طوارئ آخر، يمسح الباشكاتب بسرعة أسماء وتهم المعتقلين، يمسح العسكري بقسوة على خرطوش الجلد، ويمسح الأولاد في الزنزانة على السودان برفق، على ظهره المجلود بمهل حيث كل واحد فيهم يتفتح كوردة البامية.

*****

المنشورات الطائرة

وصلت شحنة المنشورات المطبوعة لتوها، كان الحبر فيها بارزاً من السطور بقسوة، الأوراق مستوية ومرتبة، ما عدا ورقتين في البداية تظهر عليهما آثار أصبعين، أُخرجت من حقيبة حيث وزعتها يديه النحيلتين، كان ميم يطوي الأوراق في شكل مثلثات ذات أجنحة في غرفة مغلقة، لا يوجد بها مروحة، تتضاءل الإضاءة وتزيد، تطير فراشات ليلية خشنة يجذبها الضوء. حيث السوق الكبير هادئ جداً بالليل، ولا يصدر سوى صوت النَّقِيض من برص مزعج وصوت إطارات موتر تمر بقرب السوق الشعبي.

في الصباح وُجد الباب مغلقً كالعادة، دخلت بائعة الشاي لتخرج أوانيها الخاصة فاستخدمت مفتاحها

الخاص، سمعت جلبة غير معتادة عند نهاية الغرفة، فزعت عندما سقط البرص أمامها والفوضى تعم المكان، فبعض أوانيها محطمة فقامت بضغط زر الإضاءة بكل ما أوتيت من قوة. عندما علا صراخها،

شاهدت فراشات بيضاء تخرج مندفعة من نهاية الغرفة لتحلق في السماء فاردة أجنحتها السوداء اللامعة في هواء يناير البارد، وفي الخارج كانت المنشورات مجهولة المصدر تتهادى محمولة بالريح. وفي الداخل كان البرص يرقد مختنقاً بحشرة أبوالدقيق، وزيله يتقافز كأصبع.

*****

الشطرنج

في معتقل الثلاجات الشهير، تعرف “م” على أصدقاء كثر، أصدقاء صنعهم من الصابون. الغرفة التي بالكاد تتحمل خمسة أشخاص كانت تضج بالحركة ليلاً فيستيقظ جنود رقعة الشطرنج المنحوتين بدقة ممتلئين بالحياة. يدير معركة أخرى ضد جنود أخرين ينتظرونه عند الباب، جنود حقيقين بلحم ودم ولكن بدون أرواح يحركهم فريق في جهاز الأمن، في كل يوم ينتصر فيه على سجانه يعطونه صابونه إضافية، لقد كان الأمر نقياً جداً وغير محتمل.

*****

الثقوب

في المعتقل لوهلة، يمسك رجل الأمن بمجاهد، يمسكه من ياقته ويقتلع هاتفه منه، يبدأ بضربه. يختلس النظر لهاتف مجاهد، يفتح الأستديو يجد جون لينون يضحك، يبعد نظره عن الصورة ليتخطاها فيرى زهرة الصبار، مقاطع صوتيه لظافر يوسف الذي يصرخ في وجههم، موسيقى أخرى، يغلق كل ذلك يبدأ بتصفح النوتس، يشك في صلته بتجمع المهنيين، منذ أن يبدأ بقراءة أولى نصوصه، يخبره عقله الباطن بذلك “تلك اللغة لا محالة أنه منهم”، ينادي رجال الأمن الأخرين الذين يحملقون أمام شاشة الهاتف مشدوهين ثم يقلب الصفحة الأخرى لمدونة الملاحظات و يقرأ: “ﺍﻟﺜﻘﺐ ﺗﻤﻈﻬﺮ ﺍﻟﺮﻳﺢ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﻱ، ﺧﻴﻂ ﺍﻟﻀﻮﺀ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺘﺴﺮﺏ ﺇلى ﺍﻟﻌﺘﻤﺔ ﻓﻴﺸﻌﻞ ﻧﺎﺭﺍﻷﻣﻞ، ﻣﺎ ﻳﻔﺘﻌﻠﻪ ﺍﻟﻄﺎﺋﺮ ﺑﺎﻟﺜﻤﺮﺓ ﻟﻴﺘﺄﻛﺪ ﻣﻦ ﻧﻀﺠﻬﺎ.” لم يستطيعوا إتمامه، انفتح الهاتف كدائرة سوداء، ثقب كبير، وابتلعهم جميعاً.

*****

#تسقط_بس 

النعاس الذي أكتمه كل صباح وأنا خارج للعمل،

الصراخ الذي أكتمه كل مرة أذهب للسوق وتفاجئني الأسعار، 

الأحلام التي أكتمها كل مرة بالوسادة،

السعال الذي أكتمه كل مرة أقف فيها أمام الصيدلية، 

الكلام الذي أكتمه كل مرة في المواصلات العامة بجوار عناصر الأمن، 

الحب الذي أكتمه كل مرة أراكِ فيها،

التململ الذي أخفيه عند سماع الإمام، 

الكلمات التي أكتمها كلما رأيت حائط نظيف،

التعب الذي أكتمه بأقدامي في صفوف الصراف الآلي،

الرسمة التي أدسها في حصة الجغرافيا لخارطة كبيرة، 

الهوس الذي أكتمه بعناوين الجرائد، 

الهبل الذي أكتمه كلما رأيت أطفال يلعبون،

الامتعاض الذي أكتمه كلما مررت بدورية شرطة،

الخوف الذي أكتمه عندما أُفكر بمستقبلي،

لأجل كل هذا “تسقط بس”.

***

بعد موت معمر القذافي في ليبيا، ظهر في التبت وهو يقبل يد الدلاي لاما، بن علي أيضا لم يهرب بل ذهب ليحج لبيت الله، حسني مبارك ذاته أراد تجريب السجون بعدما أدهشه تقرير لجنة العفو الدولية، وهو الأن بصدد تغيير معظم أرائه. كلهم خدعوكم حتى بشار الطيب كانت أذنه “ثقيلة” تسمع كلمة “إرحل” كأنها “إبقى”، في إثيوبيا أحضر الرئيس شخصا ينتمى لقومية الأروموا وأجلسه مكانه، علي عبدالله صالح ركب سيارته وعبر الطريق حتى صنعاء شوقه للحوثي قتله، حتى شاوشينكو ومن ثم الرقيق هتلر إضطربت عواطفه كان خجلا وهو يعود إلى الموت بهدوء، كلهم فعلوا ما في وسعهم، وأنت هل يمكنك أن تعود إلى إست أمك يا أيها الجنرال؟

*****

المتسللون

عندما بدأ السادة المجتمعون اجتماعهم الخاص بقراءة سورة العصر، تسلل الشيطان بينهم، عرف انها اشارة للدخول.

*****

عائلة جُبارة

عائلة جُبارة التي يختلف الناس في أصلها، حسمته جدتهم ذات الشلوخ العمودية، قالت إن جدهم الكبير يمتلك ثلاث خصيات، لذلك لم يكن مستغرباً أن ينجب ثلاثين طفلاً. الجدة كانت قصيرة كأرنب، لم يكن أحد لينظر إلى فقاسة البيض هذه حتى في أوج فترات شبابها اشتعالاً. تعرف فقط أن زوجها مسكيت لعين، يقف مثنياً ظهره بيدين معرقتين ك جذور شجرة.

لعب معها لما كانت في صباها تصنع تماثيل صغيرة من طين البحر وتقول إنهم أبنائي كانت تجتر الطين من عنده، فيحفر في قرارة نفسه، لم يكن نحيلاً عندما كان صغيراً، بخدين ممتلئتين لم يسلم من قرصات على وجهة عندما تثور إحدى البقرات اللائي يصادفهن في البيت.

في أول ليلة زوجية كانت خائفة، فحلمت بدرزينة أطفال سلمها لها رجل ذو لحية بيضاء، قال لها إنهم أمانة، فاختارت ما شاءت من العدد، لملمتهم في طرف ثوبها تضع الواحد ثم تصنع عقدة ببساطة، لذلك عندما كانوا مجرد صبيان كانت تخبرهم بأن يمسكوا طرف ثوبها فقط حتى وقت عبورهم الشارع إلى البقالة.

كانت أسمائهم متشابهة لدرجة أنه عندما كان يأتي الرجل ذو اللحية البيضاء ليستلم أمانته، يغلط فيمن يقابله فيعود لكيلا يقتلع روحاً بالخطأ، في بعض المرات يعود ليمازحها فيرونه يمسك بأوراق فرع مسكيت يقتلع ورقة ويرميها أمامها تشتمه بصوت عالي، يخاف الجميع أن يقطع عليها خلوتها في ذلك الوقت. كان لها نوع من اليقين بأنها قد استدانتهم لكنها تراوغ، كل واحد منهم قضى على فترة خضراء من حياتها، كل واحد منهم جرادة تحط علي ساقها فتلاعبهم، تحتضنهم بصدرها الكبير حتي يغيب رأس أحدهم في مفرقها.

في يوم الجمعة حيث يذهب الأبناء الثلاثين كصرفة الشهر بمن فيهم الحفدة المشاغبين، للمقابر تحت شجرة المسكيت ليقرأوا الفاتحة علي روح الجدة، وجدوا تلك الفتحة بجانب القبر التي خرجت منها أرنبة بيضاء.

عندما رجعوا لجدهم الكبير حك خصياته، وهمهم قائلاً: تريد أن تهرب اللعينة.

***

المسكونة

(الحاجة فاطنه) التي تسكن في قرية نائية بالشمال، أصيبت بحالة فزع هستيرية بعد حلقة من ربوع السودان التي تبث عبر الإذاعة القومية السودانية. قبلها تركت فاطنه كل شيء المنجل في حقل البرسيم، لم تطعم الغنم في الحظيرة، لم توقد “الواقود” لتعد الزلابية. تلفحت ثوبها وأخذت تمشي على خبب، قطعت وادي “الفلاني” المسكون بالشياطين، لم تتعوذ حتى، وقفت عند البقالة الوحيدة مثل الآخرين، لم تكن لتشتري شيء، فقط لتسمع ذلك الصوت السحري الخارج من راديو الترانسستور.

قالت إن الفنان عثمان حسين في إحدى أغنياته أخبرها أن تأتي اليوم، قالت ذلك لنفيسي وهي تعدل ثوبها، بلهجتها في تصغير اسمه للمحبة، وهي تعدل ثوبها في خجل.

بعد نوبة الفزع تلك حملوها للفكي، الذي أخذ يتلو عليها آيات من القرآن ويطلب منها أن تتعوذ، غير أنها سرعان ما بدأت تقاوم أيدي من يمسكون بها، وأخذت ترفع صوتها بأبيات بازرعة التي سمعتها في الأغنية، وفي الأخير أخذ يوعدها بآيات العذاب ويجعل من صوته ضخم جداً، وقتها أفاقت السيدة لكنها لم تستطيع أن تقاوم الرجل الذي أخذ يمسك بأذنها ضاغطاً علي رأسها، بالنسبة للجميع كانت ممسوسة، ولكن كيف تبين لهم وذلك الرجل يعصر لها أذنها لأعلى وأسفل، حينها فكرت وبسخرية تامة صرخت وكأن في حلقها يقبع المذيع محمد خير عثمان: الإذاعة السودانية تقدم برنامج في ربوع السودان، من أمدر يا ربوع سودانا نحييك  “فطنت وقتها لسكوتهم وإنصاتهم لها” ثم واصلت حتى وصلت للمقطع الأخير لسه ما وصلت الميس ودابك يا ربوعنا عريس، أزاحت اليد الثقيلة من فوق رأسها وخرجت، كانت أول حالة مس غير شيطاني، لقد تلبسها برنامج إذاعي.

***

أشباح غريغور سامثا

لقد حلمت بفرانز كافكا، رأيته يعتذر لغريغور سامثا، رأيت الرجلين أو لنقل الرجل ونصف الحشرة، بقشوره وعجزه عن الحركة؛ كان كافكا يحتضنه ويبكي، سمعتهما يتكلمان من بعد، سامثا يلوم خالقه عن الاستيقاظ المبكر والمزعج ذلك، عندما اقتربت من الرجل ذي المعطف الرمادي، كانت ملامح الحشرة التي يمسكها بين يديه تتضح، وما بدا لي أنه غريغور كانت لديه نفس تكشيرتي، كنا عابسين تماماً كما لو أننا الشخص نفسه، والآن أنا خائف من أستيقظ.

عن أيمن هاشم

mm
قاص وتشكيلي من السودان