الرئيسية / احدث التدوينات / متلازمة اللستك 2

متلازمة اللستك 2

“محاولة أدبية توثيقية لبعض مشاهد الثورة”

سوق أمدرمان .. وأثناء صلاة الظهر في الجامع الكبير، كان الأمنجي كلما سجد يدعو هامسا: “يارب الموكب ما يقوم!” .. بينما كان دعاء الشاب بجواره: “يارب الموكب يقوم” .. إرتبك “الملاك” الموكل بتسجيل دعوتيهما، “لم يكن يعرف ما هو هذا الموكب”.. ولكن كيف يسجل في دفتره دعوتين بهذا التعارض “لمصليين متجاورين في صف واحد”!، تأفف وانتظرهما حتى السجود التالي فكررا نفس الدعوتين بنفس الإصرار والتضرع، لم يكونا حتى يرددان أذكار السجود .. بل بمجرد ما تحط جبهتهما على الأرض يبدآن فورا في التمتمة ليكرران الدعاء لأكبر عدد ممكن: “يارب الموكب ما يقوم .. يارب الموكب يقوم!” .. إحتار الملك جدا من هذا الموقف المعقد، فحتى لو قرر تجاوز الموضوع وتسجيل الدعوات بشكلهما هذا فأي دعوة سيسجلها كأولوية في دفتره، طاف على دعوات المصلين الآخرين، كلها كانت عن الزرق والمال والعرس والصحة والعمر الطويل، “إلا دعوة الإمام كانت أن يجنب الدولة هذه الأيام الفتن ما ظهر منها وما بطن، ولا تبدو دعوة مجدية لأن الفتن تحوم في البلد منذ ثلاثين سنة” .. المهم أن الدعوات طبيعية ومفهومة ولا تتعارض مع بعضها، وليس كما الأمنجي والشاب اللذان يتبارزان بدعوتيهما كما السيوف، “يارب الموكب يقوم، يا رب الموكب ما يقوم”! .. إنتهت الصلاة ولم يسجل الملك دعوتيهما بعد، كان الشاب يحمل في جيبه كمامتان، أربعين جنيها، موبايل ريبيكا، وورقة مكتوب فيها “تسقط بس” .. أما الأمنجي فكان ملثما بشال، يلبس زيه  العسكري، ويحمل في جيبه ريبيكا أيضا وجزلان فيه ستين جنيها، حين خرجا من المسجد جلس الشاب عند ست شاي قبالة الساحة الرئيسية وطلب كوبا، بينما صعد الأمنجي إلى تاتشر الأمن المرتكز في مدخل الساحة، واستلم عصاه .. حاول الملك الإستسفار من الملائكة المنتشرون في الساحة، فقال له أحدهم: لا نعرف شيئا، ولكن 90 في المئة من الناس المتواجدون هنا ينتظرون الساعة الواحدة لأمر جلل، ولأن الملك مضطر تقدم نحو الشيطان في طرف الساحة وسأله فقال الشيطان: الساعة الواحدة بالضبط تنطلق زغرودة، ثم فجأة يقول الكثير من الناس في سرهم .. “بسم الله” ويقومون، فأضطر حينها الى مغادرة الساحة، نظر الملك الى ساعته، تبقت خمس دقائق فقط على الساعة الواحدة ولم يقرر بعد أي دعوة سيسجلها في دفتره، هل يسجل دعوة قيام الموكب او عدم قيامه، “ولكن ما هو هذا الموكب أصلا”، قرر أن يتأنى ليشاهد ما سيحدث، أتت الساعة الواحدة ولم يحدث شئ .. مرت دقيقة ودقيقتين، تذكر قول الشيطان له أن كل شئ يبدأ بعد الزغرودة، ثم من باب الفضول وضع يده في فمه وأطلق زغرودة.

في نهاية ذلك اليوم قيل أنه أكبر موكب تشهده أمدرمان، وقيل أنها اعلى زغرودة تتردد في السوق .. وفي نهاية ذلك اليوم أيضا صعد ملاك الى السماء فرحا بكلمة جديدة: موكب !

***

سؤال بسيط مثل “الساعة كم؟” يصبح مخاطرة أمنية، من أجله أتأمل كل الأشخاص الجالسين بجواري في السوق باحثا عن شخص “من المرجح ألا يكون أمنجيا”، لا أثق حتى في ست الشاي، ولا في الولد الذي يأتيها بباقات الماء، لا أثق في شخص يحمل موبايل جلاكسي، لا أثق في شخص يلبس شالا، لا أثق في شخص يجلس وحده، “بالتالي هناك شخص يجلس وحده لا يثق فيني” .. أثناء تلفتي هذا أصر وجهي وأخلف رجلي لكي أبدو كأمنجي مبعدا عني نظرات الأمنجية، “هذه اللعبة اللانهائية”، أفتح كتابا لسلافيو جيجاك، “ولكن الأمنجية لا يقرأون لجيجاك!”، أحاول حينها تخيل أمنجي يقرأ له ثم يضحك من تصرفات قائده المتناقضة، و في النهاية ينفذ كلامه بحجة الأوامر، “حينها أضحك أنا”، والضحك كما تعلمون مخاطرة أمنية هنا، فأقوم مسرعا وأغير مكاني، ست شاي أخرى، جيران آخرين أحاول التلصص على ساعاتهم، معظمها “ما شغالة”، ولا أعرف ما الذي تعنيه ساعة “ما شغالة”، أما الساعات الشغالة فتتطلب مني أن أحني رأسي وألوي رقبتي بطريقة معينة لكي أستطيع رؤية عقاربها، وإحناء الرأس بهذه الطريقة “مخاطرة أمنية أخرى” غير مأمونة العواقب، يأت شخص ويجلس بجواري ويطلب شايا، يحاول الثرثرة معي ، يقول أن الليلة الأحد ومن المحتمل قيام مظاهرات هنا، فأقول له أن المظاهرات تخريب وأن الخروج على الحاكم حرام أصلا! ، يقول لي: لكن الحاكم ظالم، فأقول له: “حتى لو ظالم، حتى لو دكتاتور باطش، تسمع كلامو يعني تسمع كلامو، شكلك شيوعي إنت!”، بعد قليل يجلس شخص بجلابية وعمة ويبدأ في شتم المظاهرات والمتظاهرين، أشتمه حينها وأقول له: “تسقط بس ياكوز” ثم أقوم وأذهب سريعا الى ركن آخر من السوق، ست شاي أخرى “لا أثق فيها أيضا”، جيران آخرين أبحث بينهم عن شخص من المرجح ألا يكون أمنجيا لأسأله “الساعة كم”! .. أكره هذا الحذر، وأشتهي زمنا لا يحمل فيه سؤال الساعة كل هذه الإيحاءات، لست شخصا إنتقائيا في العادة، “حتى الزهرة أقطفها لحبيبتي من طرف البستان”، أما الآن .. في السوق .. وفي يوم الأحد .. “وقبل الساعة الواحدة” .. فعلي أن أكون إنتقائيا جدا في اختيار الشخص الذي سأسأله عن الساعة .. أو ربما أنتظر إجابة الزغرودة ..

***

الخرطوم هذا الشتاء .. أغرب المدن الجميلة، “أجمل المدن الغريبة” .. السجون مليئة بالشباب الذي يحبون وطنهم، بينما التاتشرات مليئة بالعسكر الذين يحبون الأوامر، لا يكتب الطلاب في الإمتحان مقالا عن معركة كرري أو أم دبيكرات، بل عن مظاهرة العباسية التي تبدأ حينما تنغلق فجأة جميع الأنوار، يقول الأمنجي بسم الله مخلوعا لكن الشياطين لا تفر من حوله، بل تبدأ للتو في التجمع، خلال دقائق تصير العباسية منطقة محررة، لا يرسم الطلاب كذلك في إمتحانات الجغرافيا خريطة آسيا حين تطلب منه .. بل خريطة بري والحاج يوسف، إنه لا يعرف آسيا ولكنه يعرف بري جيدا، جرى في شوارعها ودخل معظم بيوتها، أكل في بعضها وشرب القهوة بينما كان مختبئا تحت السرير، اذ يطرق الأمنجي الباب ويسأل صاحب البيت هل يوجد متظاهرين هنا .. فيحلف صاحب البيت أنه وحده، ثم يغلق الباب ويستغفر في سره، ففي غرفة الجلوس وحدها كان هناك عشرون متظاهرا، .. في المحكمة يسأل القاضي عن تهمة القابعين في القفص، فيقول الأمنجي: “كانو يحملون علم السودان”! .. تظهر فجأة مجموعات من تاتشرات الأمن ضاجين ومحتفلين بتحرير ميدان بري الدرايسة!، ممن؟ .. في الشارع يجري طفل وهو يضحك بينما تلاحقه 10 عربات عليها عساكر غاضبين ومتوعدين، يوم المظاهرة في السوق العربي تجد الشحاذين أمنجية، الباعة المتجولون أمنجية، حتى بائع الأعلام، كلما اشترى منه أحد أتى تاتشر واعتقله، أيام الأحد والخميس يكتم الشخص حبه للبلد حتى الساعة الواحدة، بعد الساعة الواحدة ينقسم الشارع لصنفين متحاربين، صنف يحمل الأسلحة والبمبان والرصاص، وصنف يحمل الأغاني .. “هل هذه هي الخرطوم؟!” .. فيما قبل كانت مدينة عادية لدرجة الملل .. حتى هذا الشتاء .. فماذا حدث؟! إكتشفنا أننا نحب وطننا، والحب كما تعرف يا ولدي أمر متعب .. وسحري ..

***

إستاء “الأمنجي الطيب” من تصرفات زملائه الشريرة تجاه المتظاهرين! .. “ضرب وتعنيف وصفع وشلاليت وشتائم” .. بينما كان عليه مراقبة كل هذا “حزينا ومكتئبا” من مكانه في ركن التاتشر دون استطاعته فعل شئ، حاول أكثر من مرة نصح زملائه بتقليل قسوتهم لكنهم كانوا يضحكون عليه ويشتموه، حكى ذلك لمدير الوحدة فشتمه أيضا!، حكى ذلك لطبيبه النفسي فذهب الطبيب للحمام وضحك هناك ثم رجع له ونصحه بمحاولة تحويل مشاعره هذه الى فعل، حينها اهتدى “الأمنجي الطيب” الى فكرة؛ وهي أن يأخذ معه في التاتشر شوال ورود !! ، فبعد أن يؤتى بالمتظاهرين المعتقلين الى ميدان أبو جنزير مثلا “متوجعين من ضرب الأمنجية الأشرار وخائفين مما سيحدث” يأت هو ويعطي كل متظاهر وردة حمراء ورسالة اعتذار عما بدر له من زملائه!، محاولا تطمينهم بأن ‘القادم أفضل”! .. رفض قائد التاتشر هذه الفكرة رفضا قاطعا لكن “الأمنجي الطيب” لم ييأس، إذ رفعها الى الضباط الأعلى حتى وصلت الى “الضابط الكبير”!، فاستدعى “الأمنجي الطيب” وأبدى إعجابه بفكرته ورأى أنها ربما تحسن من سمعة الجهاز “الواقعة في الطين” .. فأصدر الضابط أمرا بتخصيص ميزانية لشراء ورود و طباعة رسائل إعتذار، إنطلق فورا تاتشر من رئاسة جهاز الأمن بكامل عتاده من العساكر والأسلحة للبحث عن متجر للورود!، لم يجدوه طبعا فاضطروا لنهب ورود أحد البساتين الخاصة .. (إندهش صاحب الحديقة من هذا المنظر العجيب، ثم تجاوز إندهاشه وذهب فورا الى قسم الشرطة وفتح بلاغا متهما فيه جهاز الأمن بسرقة ورود حديقته، ضحك ضابط القسم وضحك العساكر وحتى مساجين القسم ضحكو .. المهم هذه قصة أخرى) .. رجع التاتشر بسرعة الى رئاسة جهاز الأمن، (كان منظرا مدهشا وصادما للمارة وهم يرون تاتشر جهاز أمن مليئ بالورود!!، سيد البقالة لم يصدق عينيه وصب الفول خارج الماعون، بينما زبونه أعاد تنظيف نظارته ليتأكد مما يراه .. المهم هذه قصة أخرى أيضا)، إستلم الأمنجي الطيب الورود والرسائل .. ثم في المظاهرة التالية وحين جيء بأول مجموعة من المعتقلين الى ميدان أبو جنزير .. أخرج وردة حمراء اختارها بعناية ثم رسالة اعتذار ومدها بابتسامة الى المعتقل الأول، الذي كان يتوجع من عشرين ضربة عصا على ظهره! .. إحتار المعتقل ونسي للحظة ألمه، ثم في لحظة غضب دفع الأمنجي بيديه ليسقطه أرضا هو ووردته، تدخل العساكر فورا وانهالوا ضربا على المعتقل، بينما قام الأمنجي الطيب “المجروحة مشاعره” وجرى فورا الى الحمام حيث صار يبكي بحرقة، وصل الخبر الى “الضابط الكبير” فاستشاط غضبا وقام فورا بإعلان قرار جديد؛ وهو أن يصير إستلام المعتقلين للورود إجباريا! .. وأن أي معتقل يمتنع عن استلام الوردة يجلد خمسين جلدة ويحبس إسبوعا على الأقل !! .. إنتشر القرار بين أمنجية الوحدة “ما عدا الأمنجي الطيب طبعا حتى لا تنجرح مشاعره!” .. وبدأ تنفيذه فورا منذ المظاهرة التالية، إذ وزع الأمنجي الطيب الورود ورسائل الإعتذار للمعتقلين فتقبلوها بصدر رحب، إندهش حينها من نجاح فكرته، وسعد جدا بتنفيذها لعدة مظاهرات متتالية، مما جلب القنوات والكاميرات له وانتشرت صورته وهو يمد الورود مبتسما الى المعتقلين، مما شجع الضابط الكبير على توسيع الفكرة بين كل وحدات الجهاز، فصار في كل تاتشر هناك “أمنجي طيب” .. بمعنى أن هناك ستة أمنجية يضربون المتظاهرين ويقمعوهم بقسوة ويعتقلوهم بينما الأمنجي السابع مهمته هي إعطاءهم الورود والإعتذار لهم!، والملاحظ أنه منذ أن بدأت حركة الورود هذه زادت معها حدة ضرب الأمنجية وقمعهم للمتظاهرين، سواء بالحقد عليهم من تعامل “الأمنجية الطيبين”، أو كنوع من الموازنة بين الطيبة والقسوة، إذ يقول الأمنجي الشرير لزميله: “إضرب هذا المتظاهر بشدة، فعندما نذهب به الى أبو جنزير سيعتذر له الأمنجي الطيب ويعطيه وردة!” ..

يقول المتظاهر للمتظاهر: “لا يؤلمني ضرب الأمنجية القاسي، لا تؤلمني عصيهم ولاصفعاتهم، لا يؤلمني البمبان ولا الشتائم ولا الإعتقال .. تؤلمني فقط تلك الوردة؛ .. لأنها تبرر ضمنيا كل ما قبلها .. فليسقط الأمنجية الطيبون أولا!” ..

***

المشكلة الأولى أنه “أمنجي كوز” ! .. المشكلة الثانية و”الأكبر” هي إعجابه الشديد بهتاف “أي كوز ندوسو دوس!” .. لدرجة أنه وجد نفسه أكثر من مرة يدندن به دون وعي، أول مرة كانت في كافتريا الجهاز، نظر له الطباخ بغرابة وقال: “قلت شنو؟!” .. فزع صاحبنا ثم قال: “قلت ليك أديني كوز عصير وساندوتشين طعمية”! .. المرة الثانية كانت في التاتشر أثناء ذهابهم إلى بري .. إذ التفت له زميله غاضبا وقال: “بتقول في شنو إنت؟!” .. فقال صاحبنا: “ولا حاجة”، فقال زميله: “ولا حاجة كيف! .. هو شنو البتدوسو دوس دا؟” .. فقال صاحبنا: “أكيد البنزين .. مفترض السواق يدوسو أكتر” ! .. المرة الثالثة “وهي الأخطر” كانت في “تمام” الساعة السابعة في ميدان أبو جنزير، إذ دخل القائد الطابور فجأة ليلقط صاحبنا وهو يدندن في هتافه أثناء مراقبته لحمامة تحاول أن تقف باتزان على الزنكي .. “أي كوز ندوسو دوس .. ما بنخاف ما بنخاف ما بنخاف!” .. كان يرددها بصوت أقرب للهامس، يحرك كتفيه أعلى وأسفل أثناء كلمتي “أي كوز” .. ثم يحرك كرشته أماما وخلفا أثناء كلمتي “ندوسو دوس” .. وحينما يكرر “ما بنخاف” ثلاث مرات يحرك معها مؤخرته .. جن جنون القائد، إذ أخرجه من الطابور وانهال عليه ضربا حتى فقد وعيه، نقل فورا الى المستشفى ومكث بها يومين، ثم حين استعاد صحته حول الى التحقيق .. سأله المحقق: “لماذا تردد شعار الأعداء هذا؟!” .. فبكى صاحبنا وأقسم أنه لا يقصده ولا يردده بإرادته أبدا؛ بل فجأة يقفز الى لسانه كأنه وسوسة شيطان! .. رفع المحقق تقريره الى الجهات المختصة قائلا بأنها ليست مشكلة فردية، وإنما صار ترديد هذا الشعار ظاهرة منتشرة بين الكثير من أفراد الأمن! .. فزع “الضابط الكبير” الذي اعتبر الأمر غزوا ثقافيا خطيرا من الثوار للأمنجية، إذ تعجب كيف يترك لسان الأمنجي نشيدا جميلا مثل “أنا المسلم .. أنا بالعدل والإحسان مأمور وأمار” .. ويردد بدله: “أي كوز ندوسو دوس!” .. فحاول المحقق شرح الموضوع له قائلا: “مشكلة هذا النشيد أصلا أنه جميل لغويا ومعنويا، إننا في عصر مختلف وسريع وغير متفرغ للجماليات الشكلية هذه، نشيد “أنا المسلم”، أو “في حماك ربنا” أو حتى “إماه لا تجزعي” .. فيها الكثير من الأبيات والكثير من المعاني والعاطفة، بينما هتاف “أي كوز ندوسو دوس”، هتاف مستعجل، فيه ثلاثة كلمات فقط، هتاف يخبرك سريعا وما عندو وقت يفسر ليك” .. فقال الضابط الكبير: “وماذا عن جلالة الجيش المشهورة مثلا: الراجل الحمش .. فوق الجمر بمش” .. فقال المحقق بحذر: “ربما انتهت أسطورة هذه الجلالة منذ أن ترك الأمنجي بنطلونه في بري”!

بعد شهر تم تجميع كافة الأمنجية المرضى بترديد هذا الهتاف ووضعوا في فرقة واحدة أطلق عليها إسم .. “الفرقة السرية” .. إذ تم تدريبهم على العمل التجسسي تأهبا لزرعهم في المواكب، فبما أنهم ما زالوا مرضى بهوس ترديد الهتاف فإن الأفضل الإستفادة من الأمر بتركهم داخل المظاهرات ليرددوه براحتهم أثناء تجسسهم على المتظاهرين، إنتشر أفراد الفرقة في الشارع والمواكب وبدأوا عملهم بنتائج جيدة، لكن المشكلة كانت إضهاد باقي الأمنجية لهم، فقد كانوا يرونهم مجرد مرضى عاجزين مهووسين بهتاف أحمق، البعض كان يراهم خونة، البعض كان يراهم مجانين و مرضى نفسيين .. وهكذا .. فمارسو عليهم اضهادا وتعاليا ومعاملة سيئة، بينما لم يكن لأفراد الفرقة أي حل سوى الصبر وتقبل الأمر ..

بعد أسابيع .. وأثناء إفطار جماعي للفرقة في كافتيريا الجهاز بدأت فجأة دندنة هامسة للهتاف ! .. ثم شيئا فشيئا علت واستشرت بين كل الحاضرين .. (أي كوز .. ندوسو دوس .. ما بنخاف ما بنخاف ما بنخاف!) .. نظر لهم الطباخ مندهشا .. ولم يستطع حينها أن يميز الشخص الذي يدندنها بلا وعي .. من الشخص الذي يعنيها !

***

لديها أسماء كثيرة في ملفات جهاز الأمن وتقارير القنوات العالمية، لكن هنا يسمونها “الزغرودة”، حين تنطلق في وسط السوق لا يعود الشخص راغبا في البنطلون الذي يحاجج على سعره الآن .. بل تغيير الحكومة .. الصف أمام الصراف الآلي ينتقل بنفس هيئته الى مكان آخر غير الصراف الآلي، الطراحين يعقدون اجتماعا عاجلا مع بعضهم ثم يبدلون هتاف “عربي عربي عربي” بهتاف”حرية سلام وعدالة”! .. ينبه العسكري الضابط النائم الى أن الزغرودة إنطلقت! ” كان الضابط يحلم بعالم من غير زغرودة!” .. ينقلب السوق الى مجموعة من العدائين المتسابقين نحو نقطة ما، وحين يصلونها يكونون جميعا فائزين، “الفطر والما فطر” يخرج من الكافتيريا ويمشي باتجاه الحشد، ركاب المواصلات في الشارع يغيرون وجهتهم قائلين للسائق: ” أنزلنا هنا، نحن مثلهم لا شيء يعجبنا” .. كل شارع إلى الساحة يأت عبره مائة شخص يبحثون عن الزغرودة، ثم مائة شخص آخرين يبحثون عن الباحثين عن الزغرودة، تخرج امرأة من حقيبتها علما فيه أربعة ألوان، يخرج شابا لافتة فيها ثلاث كلمات، تشغل عربات الكجر محركاتها .. في آخر اليوم العصيب يصيح الضابط الكبير غاضبا: الزغاريد مكانها الأعراس والمناسبات، ما الذي يجعل فتاة تزغرد في السوق، ما الذي يجعل فتاة تزغرد لأناس لا تعرفهم!!

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .