الرئيسية / احدث التدوينات / من ذاكرة نصف نبي

من ذاكرة نصف نبي

عذرًا فتياتي الصغيرات.. أنا لا أذكر الأسماء التي تمنحني السعادة.. أذكر فقط تلك التي تهديني الألم والدموع بلا هوادة. فذاكرتي ذاكرة رجل يفكر جديًا في الانتحار..

وعما قريب.. سأكمل أعوامي العشرة كمدرس.. نصف نبي.. لأصبح حسب النظام الأساسي للمحاكم البريطانية لاغي الشهادة قانونًا.. نظرًا للوثة لا مناص عنها لكل من حمل الطبشور الأبيض.. ووقف ينزف أفكاره على السبورة السوداء.. خلال تلك الأعوام العشرة تجولت على جميع مراحل الطلاب التعليمية.. ابتداءً من البيان ككلية جامعية.. وانتهاءً بالمدارس البريطانية كمدرسة ابتدائية.. وتلك هي مربط الفرس.. فطوال سني خبرتي العشر.. لم أشعر باكتفاء ذاتي كرجل يدعي النبوة كما أحسست به بين جدران تلك المدرسة.. ولا.. لم يكن للإدارة “الحكيمة” دور في ذلك.. أو للزملاء على تعاونهم وطيب معشرهم يد فيما أحسست.. بل كان الفضل كل الفضل لفتياتي الصغيرات اللواتي لا أذكر لهن أسماءً.. هن بنظراتهن التواقة للجديد.. بأصواتهن تعانق السحب تكرر ما أقول.. بضحكاتهن على نكاتي السمجة.. بأياديهن الصغيرة تنظف بعض أطراف قميصي ببقايا الحلوى.. وتراب الحب واللعب.. هن بنقاء شقاوتهن.. بضفائرهن القصيرة التي تزينها الشرائط الملونة.. هن بفرحة إحداهن حينما أختارها كي تحضر لي كوب ماء من مكتب الأساتذة.. عذرًا.. محراب الأساتذة.. هن بحيائهن حينما حضرن تسابق إحداهن الأخرى وتدافع نفسها كي تصل إلى حيث طاولة مكتبي المتهالك.. ثم لا تستطيع أن تتحدث.. فتنظر إلى أختها.. تطلب منها أن تبتدر الطلب.. كن أربعة فتيات صغيرات فقط في ذلك الصباح القائظ من شهر أغسطس.. وكن يحملن فكرة صغيرة مليئة بالسذاجة والأمل.. أستاذ.. عايزين نقدم برنامج الصباح بالانجليزي..

قالتها ذات الجسد الأنحل.. والصوت الأعلى.. أما الأرواح فلا تفاوت بينها.. فجميعهن ملائكة بلا أجنحة.. أستاذ.. بس حنكتب نحن الكلام بالعربي. وانت ترجمو لينا بالانجليزي. .

لا أعلم من كانت أول طفلة نغمت حديثها بتلك السذاجة اللطيفة.. كقراءة أول آيات للمرة الأولى من سورة الفاتحة.. تتمايل تمامًا كمن تحمل لوح الخشب المقدس.. وتتنغم بما يناسب خشوع اللحظة..

ثم في اليوم المنشود.. في الصباح المشهود.. الصباح الذي شهد لأول مرة اجتراء طفلات الصف الخامس بالمدرسة على تقديم البرنامج الصباحي بالإنجليزية. . توقف مكبر الصوت عن العمل (بحمد الله) إذ أن نطقهن المرتجف.. وجملهن البدائية.. وأوراقهن المرتعشة لا تحتاج أذنًا صاغية.. بقدر ما تحتاج قلبًا بصيرًا.. قلن ما استطعن قوله.. وتكفلت بأخطائهن الصغيرة الرياح المتواطئة مع براءتهن.. إحداهن ألقت قصيدة لم تكتب بعد.. ولا ضير.. فالريح تعلم ما ينبغي فعله.. الأخرى غنت أغنية لديانا كينج حتى أوقفتها مدرسة لا تقتنع بحرية الموسيقى.. ولا ضير.. فالريح تعلم ما ينبغي فعله.. الثالثة أمرت بقية طالبات الفصل بإنشاد أهزوجة الدرس الثامن.. فانطلقن يتغنين بأنشودة الدرس السادس.. ولا ضير.. فالريح تعلم ما ينبغي فعله.. تشذيب أصواتهن الغضة من كل شائبة خطأ.. وتقديم فقط ما يستساغ.. أما أنا.. فكلما طالعتني عيونهن الخائفة تبحث عن إجابة للسؤال الذي لا يحتاج أن يقال: ها.. كيف كان أداؤنا حتى اﻵن؟

لا يجيبهن سوى إبهامي المرتفع.. وابتسامتي الفخورة.. حتى آخر مدارج إقلاع الطابور إلى الفصول.. حينما تذكرت أقصرهن قامة وأطولهن صبرًا أنهن نسين أن يسألنني: كيف تنطق جملة (نشيد العلم) باللغة الانجليزية؟

فانطلقت من فورها تطلبني بين صفوف المدرسين.. وتهمس بأذني سائلة عن اللفظ.الأجنبي.. حفظته عن ظهر قلب.. ثم عادت تعدو بذات السرعة الصاروخية تتقافز ضفائرها بين كتفيها.. تأمر صويحباتها.. زميلاتها.. أخواتها أن يغنين للوطن.. يقفن منتصبات شامخات وخيوط الشمس تأخذ طريقها بين جدران الفصول والمكاتب. حتى حمل الرمز عبء الحماية.. فلملمن أوراقهن الشعثة.. وابتسامتهن المتناثرة.. وعدون صوبي من جديد.. يسألنني بفرح خجول: اها يا أستاذ.. كنا كيف؟ كويسين وللا كعبين؟

والصفوف التي تعرف طرقها تتخذها مسلكًا صوب قاعات الدرس الضيقة بأحلام واسعة كعاملات النمل يتبعن ملكتهن.. أخبرتهن بذات إبهامي المرتفع: تمااااااااام.. مبروك..

وكعادتهن التي أدمن.. واشتهي.. ابتعن كذبتي الصادقة.

عن السموءل شمس الدين

mm
فتاة المخمل .. زفت إلي في ليل بلا ضجيج.. تزهو على قريناتها بيدين خاليتين من النقوش.. وجبين بالغ السمرة.. تيممت كفيها بلا استخارة.. وتقدمتها للصلاة بوضوء منقوض . كاتب من السودان