نساء طروادة

الحياة تبدو كمسرح كبير، بدأ الممثلون فيه بتأدية أدوارهم دون موعد مسبق، عقارب الساعة تشير إلى السادسة مساءً حين بثت المحطة الإذاعية أغنية( سلينديون ):New day has come، وبالرغم من أن الزمن داخل المحطة كان يشير إلى السادسة مساءً إلا أنه كان يجري بأرقام ودلالات مختلفة على ممثلي الأدوار المتواجدين في مدى انتشار الصوت، هناك . . على مسرح الحياة تسلل صوت الأغنية في ( الوقت المناسب ) من المشهد إلى مسامعهن ليكتب حكاياتهن . . حكايات ( نساء طروادة ) وطروادة هنا موقع يعلو على حدود الزمان والمكان تشكله المآسي والأحلام . . .

الحكايا :

١ – ما أحلى هذه الأغنية التي لم أفهم منها سوى new day . . لكنها تشعرني بشيء من . . من ماذا ؟ لا أفهم . . ولكني أحب ممارستي لحرية عدم الفهم بين يدي هذه المغنية دون محاسبة منها ، سأترجم معانيها لاحقاً . لاحقاً ؟ ! لا ، ماذا لو كانت ذات الكلمات التي ترجمتها من قبل ولم أتمكن من حفظها ؟ يا الله . . كم تتعبني يا ( إياد )، لماذا لا تفهم بأني لا أستطيع تعلم هذه اللغة ؟ أكرهها . ثم لماذا يدرس الناس الترجمة ؟ أليس لمساعدة أمثالي ممن لا يستطيع فهم تعلم اللغة ؟ ما الذي سيخسره العالم لو قام بتوظيف المترجمين بدلاً من مطالبة الجميع بإتقان نفس اللغة ؟ كيف تتمكنين من الغناء بها كيف ؟ ! سأحاول ترجمتها لاحقاً . .

٢ – ما ذنبي أنا إن حملت كروموسوماتي جينات الشعر الخشن ؟ هل علي أن أسافر بالزمن إلى الماضي لمنع ذلك الزواج الكارثي الذي كانت نتيجته وضع هذا المحرك المزعج على رأسي لساعات ليبدو شعري أملس ؟ لماذا لا أبدو مستمتعة بتصفيف الشعر مثلهن ؟ مثلهن ؟ ! لم نكن يوماً مثل بعضنا أبداً . . أبداً . . . ما أحلى الأغنية

٣ – واحد ، اثنان ، ثلاثة ، أربعة، أربعة . . كلما وصل عدد مرات تكرار التمرين عند الرقم أربعة اشعر بأن قلبي أصدر دقة عالية تعلو على صوت الأغنية من مكبر الصوت في الصالة الرياضية، رحمة الله عليك يا ( ريّا ) لطالما توقفت عند هذا الرقم من تمرين ال ( اسكوات ) وتركتني أكمله وحدي، فقط لو أكملته . . لو أكملته . . لكنت قد نجوت الآن من الموت في الحاجز العسكري بفضل ( مؤخرتك ) . . الكثيرات هنا نجون بفضلها . .

٤ – ما الذي يجبرني على سماع توجيهاتهم عن وزني ؟ أي كارثة ستحل على العالم لو تتبعت رائحة الشواء وجلست في المطعم لأستمتع بالأكل والأغنية وازداد محيط خصري ٢ سم ؟ أليس أهون من زيادة منسوب الاحتباس الحراري ؟ ما الذي سيخسره المصمم بزيادة ٢ سم على قطعة القماش، ثم أي امرأة تلك التي تتعذب برائحة الشواء من أجل ٢سم ؟ أي امرأة ؟ ! ! ! ! . تأخرت عن موعد بدء العرض التجريبي في صالة الأزياء عليّ أن أركض بسرعة حتى لا تطاردني الرائحة وذلك السؤال اللعين : أي امرأة ؟ ! . .

٥ – أخبرتني ( سهى ) بأن استماعي لهذه الأغنية سيمنح قلبي القوة على النهوض مجدداً، كيف سينهض قلبي وجسدي لا يزال لا يقوى على الحراك منذ الأمس . . الأمس ؟ ! لا، أظن قبل الأمس بيوم أو بأيام . . لا أعرف شيئاً منذ مدة طويلة، منذ أن بدأت بتغيير مظهري لأجله، أردت أن أشبه الفتيات اللاتي يدرسن معه. صوت الأغنية لا يصل إلى قلبي يا ( سهى ) فصوتك الذي أخبرتني به يومها بأن لا مانع في خلع حجابي لأشبههن كان أعلى من كل صوت، واستمر مرتفعاً حتى تلك اللحظة التي أخبرني فيها بأن كل شيء بيننا قد انتهى، حينها انبعث صوتك وكأنه خلفية للمشهد وكأنه السبب الوحيد لانتهاء ما بيننا أنا وأحمد . . لا أعرف ما الذي جرى ولربما كانت تلك خطيئتي الحقيقية وليس خلعي الحجاب لأجله، خطيئتي يا سهى بأني لا أعرف، هل ستكفر هذه الأغنية خطيئتي ؟

٦ – هل سيعاقبني الرب يا ترى على سماعي لهذه الأغنية خلسة ؟ أشعر بأني أرتفع عالياً عند سماعها بذات الطريقة التي تظهر بها ( سلين ديون ) وسط السحاب بفستانها الأسود، أسود ؟ ! ! ! ! كالذي أضعه على وجهي بأمر منه، والذي استطاع أن يغطي كل ما بداخلي سوى ذلك الحلم الذي يراودني بأن أرتفع وسط السحاب بذات الطريقة، أما هذا المكان فلا شيء يربطني به لذا من الأفضل أن استمر بوضع الغطاء فأنا الحقيقية موجودة هناك في مكان لا سبيل لي للوصول إليه إلا عن طريق الأغنية. حسناً إذاً سأكتفي بالحلم من خلف القناع على الأقل لن يستطيع شخص ما مشاهدة أحلامي . .

٧ – تؤلمني قدماي بشدة وأنا أحاول جاهدة تخطي هذا الطريق الوعر لأصل إلى بيت المعلمة في الطرف الآخر من القرية وأكتب ما تعلمته من أحرف، الأغنية التي استمع إليها دون أن أفهمها تبدو كسيارة حديثة يمكنها اجتياز هذه المرتفعات . المرتفعات ؟ !! لا، ليست مرتفعات الطريق وحدها هي ما تجعل طريقي صعباً بل تلك التي أحاول جاهدة اجتيازها والابتعاد عنها ما استطعت : صراخ والدي وتهديدات السيدة ( ليلى ) بإنقاص أجري بسبب الكوبين اللذين كسرتهما . هناك . . حين أصل إلى بيت المعلمة أشعر بأني اجتزت كل تلك المرتفعات وأن الطريق بات سهلاً سلساً بسلاسة الخط الذي أكتب به، يوم ما سأفهم كلمات هذه الأغنية وسأكتبها، سأجتاز كل تلك المرتفعات دون الحاجة لسيارة حديثة . . يوم ما . .

٨ – أي عاطفة تلك التي تجمعني بك يا ( سمية ) ؟ لا أستطيع أن أتقبلك ولكني أفعل، قلبي هذا الذي لا يتقبلك يشبه هذا المخيّم الذي يسعنا جميعاً رغم ضيقه. أكره المخيم والحرب وأنتِ ولكن لا سبيل أخر أمامي للاستمرار في العيش، إما أن نتقاسم الحياة معاً أو نحرم منها جميعاً، قاسمتني فتات الطعام والخيمة و زوجي . . لماذا علينا أن نتقبل النصف دائماً ؟ قلبي يضيق عن احتمالي وما من متسع لي سوى النافذة المطلة على مكتب الإغاثة أسترق منها النظر على من باستطاعتهم الحصول على حياة كاملة، هل هم من سرقوا النصف الخاص بنا ؟ يشبهون سمية كثيراً. ما أحلى الأغنية . . .

٩ – ما بي ؟ هل تدركين كم مرة كررتِ نفس الأغنية ؟ سأحاول الاعتياد على أغاني غيرها حتى لا تقتلني أكوام الغسيل التي لا تنتهي، لماذا ينبغي أن أثوم بذلك طيلة الوقت، أيعقل أن هذا العالم المتقدم لم يصل حتى الآن إلى طريقة متوفرة للجميع لتخفيف الأعمال المنزلية ؟ مثلاً أن تخص الدولة وزارة ومرتب شهري على الأعمال المنزلية حينها سيكون بإمكاني شراء غسالة ملابس أوتوماتيكية من المرتب الأول، والثاني سأشتري به دراجة نارية ل ( غسان ) حتى يكف عن التغني ببطولاته عن المسافة الطويلة التي يقطعها للعمل والتي يتسكع في منتصفها ليمر بمنزل ( نهى ) وترغمني جدتي على غسيل ملابسه لأنه متعب، والمرتب الثالث سأسافر به إلى . . . . . يا إلهي ! احترق القدر . . .

١٠ – الحرية . . الحرية . . ما أغباها من فتاة تريدني أن أترك العمل في الحقل ونذهب إلى المدينة لأصاب بارتفاع الضغط والسكري والكساح المبكر؟ أي حرية تلك التي سأجنيها في تلك القلاع المسورة التي تشبه السجون ؟ ما حوجتي لنقاش مطوّل عن الحرية إذا كنت أتنفسها هنا في الطريق الذي أجتازه صباحاً مع ( أم جوزيف ) لجلب حاجيات المطبخ وفي الساعات التي أخترع فيها طبقاً جديداً وفي الرسائل التي أكتبها ل ( سمعان ) إلى حين عودته من الخدمة العسكرية و . . . . ما هذه الأغنية الغبية التي تبثها المحطة ؟ . . . . .

وبعد . . هذه الحكايا هي محاولة لكشف الستار عن ما ندعيه من تقدم في مجال حقوق المرأة ، حقوق المرأة التي نتخيل بأنها تقتصر على إرسالها للدراسة وقيادتها للسيارة وتوفير فرص عمل في سوق التجارة بالجسد وتوفير العديد من البدائل لمستحضرات التجميل والمنتجات النسائية تمهيداً لإصابتها بسرطان الثدي ومن ثم إقامة يوم عالمي للتوعية بسرطان الثدي ، حقوق المرأة اليوم تشبه ما كانت عليه أيام الجاهلية حين انتشر ( وأد البنات ) لأن ما يجري الآن من سلب حقها في الحياة التي تشبهها ودفن أحلامها لا يختلف كثيراً عن دفنها حية ، حقوق المرأة تلك التي تختلف باختلاف الأديان والثقافات يمكن أن يجمعها حق واحد فقط حين نطبقه تزول كل تلك التعقيدات والصراعات حول صياغة حقوقها ذلك الحق هو حقها في أن تكون ( هي ) التي تريدها وخلقت لأجلها دون أن نمارس عليها دور المخلِّص ، دون أن نستهين بما تألفه روحها ويألفه عقلها وجسدها وإن بدا لنا جنونياً أو سطحياً ، دون أن نسعى لجعل نساء الأرض باختلافاتهن يبدون مثل أولئك النحيلات الجميلات اللاتي يتم نحتهن بذات المقاس لتلبية متطلبات سوق العمل . . في خضم تلك الأصوات الكثيرة التي تعلو في مجال حقوق المرأة يختلط صوت النداء بالحرية مع صوت فرض ما يراه الآخر نوع من الحرية حينها يبدو العالم باتساع فضائه ضيقاً عن استيعاب أصوات أمنياتنا القادمة من أصدق ما فينا ( أرواحنا ) ، أروحنا التي تظل دائماً عصية على الخضوع إلى ما يراه المجتمع معياراً للوعي والتقدم إن هو لم يشابه ما وجدنا لأجله ، وإن من أخطر مظاهر عصيان تلك الروح هو صوت التعاسة والكآبة والملل الذي يعلو بداخل المرأة كلما انجرفت في طرقات لم تُعد لها ولا تشبهها . .

أثناء كتابة هذه الأحرف التقيت بالعديد من النساء اللاتي حسب معايير اليوم فإنهن في أعلى مستويات التعاسة وعدم الوعي لأنهن لا يمتلكن وظيفة لدى شركة مرموقة ولا شهادات تُختصر بثلاثة أحرف ولا يمتلكن قوام مثالي من بينهن ( ن ) ، وهي سيدة في منصف الأربعينيات مرت بتجربة زواج فاشل بعدها دعاها من حولها إلى الانضمام ل ( المسيرة الجمعية ) ومحاولة إكمال دراستها الجامعية والبحث عن وظيفة لكن صوت في داخلها كان يناديها إلى مكان آخر ، حيث نجلس أنا وهي وتحكي كيف أنها وجدت سعادتها مع زوج جديد والتحقت بمؤسسة لتعليم القرآن وصارت تعطي دروس في منزلها لأطفال الحي ، الأطفال الذين لم تعطيها الحياة فرصة لأن تكون أم لأحدهم ، ذلك الضوء الذي يشع من عينيها وهي تحكي عن تعاستها حين كانت تتخبط وتبحث وتستمع إلى قصص من حولها عما يجب أن تفعله ازداد سطوعه بقولها أن تلك الأربعين سنة التي عاشتها من قبل لا تمثل لها حياة حقيقية وأن حياتها تحسب منذ ذلك الوقت الذي سارت فيه في طريقها . . طريقها الذي يشبهها . . . .

احترام الطريق الذي تختاره كل واحدة منا ، ومنح الجميع ذات القيمة أياً كان ما يوصل إليه ذاك الطريق هو ما ننشده .

للنساء أقول لا تضيعن الكثير من الوقت في محاولات التشبه بما يراه الآخرون مقياس للتقدم والوعي ، أحزن كثيراً على أولئك المراهقات اللاتي يخضعن لعمليات جراحية تتم فيها إزالة بعض الأضلاع ليبدو الخصر نحيفاً ، أحزن على تلك المعارك التي تستنزف وقتاً وجهداً وأموالاً وتعرضنا للكثير من المخاطر الصحية فقط لنغير من طبيعة شعرنا الأفريقي ، أحزن على فتاة تضيع أجمل سنوات عمرها وتصاب بالاكتئاب فقط لأنها لم تحصل على الوظيفة التي ( يفترض ) أن تتوظف فيها بعد تخرجها من الجامعة ، أحزن على لقب ( العانس ) الذي يأخذنا الخوف منه إلى طرق مجهولة وغير مدروسة ، أحزن حين يواجهنا المجتمع بنوع من ( التنمر ) ويطلق أحكامه علينا حين نختلف عنه ، احزن على عالم يدعي التقدم وهو غير قادر على تقبل الاختلاف . .

امنحونا الحق في الاختلاف، لا تتاجروا بقضايانا كما تتاجرون بأجسادنا في إعلانات محركات السيارات . .

 

 

 

عن ولاء الصديق سليمان

mm