الرئيسية / احدث التدوينات / ياني: فيلسوف الموسيقى.

ياني: فيلسوف الموسيقى.

بقلم:  أمجد صفوت

لا ادري إن كان هنالك اله/آلهة للموسيقى في أساطير الإغريق، لكن المؤكد أن ياني استمد عبقريته من روح تلك الآلهة وعبق أرض أجداده، حضارة الفلسفة والفنون.

يكمن تفرد ياني – كموسيقار- في إنتاجه قطعًا موسيقية مزج فيها موسيقى الجاز، والموسيقى الكلاسيكية، وموسيقى الروك الناعمة والموسيقى العالمية، مزجها كما ألوان قوس المطر، لينتج موسيقى ذات نزعة عالمية ترضخ لسحرها كل الحضارات.

و كما الأنبياء والعظماء ولد ياني لأسرة من الطبقة المتوسطة، في مدينة كالاماتا باليونان، لأبوان استشفا موهبته وشجّعاه على احتراف عزف البيانو منذ السادسة من عمره، وبدأ حينها تأليف الموسيقى، ولم يخضع لأي تدريب منهجي على العزف أو التأليف، وربما كان هذا هو السبب خلف روحه الحرة التي كفرت بكل التصنيفات وأنتجت موسيقى مبنية فقط على الحس والذائقة الفريدة.

ياني المراهق كان سباحًا، حاز ميدالية ذهبية في اليونان مما ساعده على إيجاد فرصة لدراسة علم النفس في جامعة مينسوتا بالولايات المتحدة. بعدما تخرج كرّس ياني حياته للموسيقى (حسب وصفه) في بداية متواضعة إذ بدأ العزف لفرقة روك محلية تدعى “كاميليون” واستمر عامًا كاملًا وصفه أنه اسعد أعوامه حتى ذلك الحين. كما عمل مع مصممي الرقص يمدهم بالموسيقى المؤلفة خصيصًا لتتماشى مع إيقاع الرقصات. ثم انتقل إلى “لوس أنجلوس” ليعمل على تأليف موسيقى تصويرية للإنتاج السينمائي الذي ازدهر آن ذاك.

سجل ياني ألبومه الأول Optimystique، مع شركة اتلانتيك وما أن تمكّن من جني الأرباح حتى كوّن فرقته التي كان قوامها عازف جيتار وعازف إيقاع بالإضافة لشخصه كعازف بيانو ومؤلف ليروّج لألبوماته اللاحقة (keys to imagination/out of silence/chameleon days) في رحلة عبر الولايات المتحدة، أبرزها حفلته بالتشارك مع اوركسترا “سيمفونية دالاس” والتي أكسبته شعبية, إذ لفتت نظر المنتجين والنقاد إليه على حد سواء لموهبته في ابتداع موسيقى جديدة كلياً غير مستندة على إيقاعات تقليدية، وفي ذات الوقت واصل العمل لدى السينمائيين في الموسيقى التصويرية. اكتسب ياني مزيداً من الشهرة عند ظهوره في مجلة بيبول “الناس ” وبرنامج أوبرا وينفري الحواري مع الممثلة الشهيرة “ليندا ايفانتس” التي ارتبط بها منذ ذلك الحين. في ألبومه Dare to dream  تحصل ياني على أول ترشيح لجائزة “غرامي” وكانت سيمفونية “آريا “Aria هي الأبرز في الألبوم، ثم ترشح ألبومه اللاحق “In my time” لذات الجائزة بعد عام واحد فقط.

كان ياني الشاب يطمح للعالمية ويحلم بأن يؤدي على كبرى المسارح ، ينقل موسيقاه لكل الناس فهي -كما ذكرت سابقا- ذات صبغة متفردة تناسب جميع الثقافات، ولكن رغم كل هذه النجاحات المحلية، تعامل معه النقاد بتحفظ تام، إذ تعاطوا مع فنه بمدخل معرفيّ لا حسيّ، فانهالت مقالات النقد اللاذع التي رفضت فكرة الدمج الموسيقي ورأت فيه نوعًا من العبث والضوضاء, نتج عن كل ذلك تخوف المنتجين من تمويل جولته العالمية التي خطط لها. 

جمع ياني كل ثروته البالغة -آن ذاك- مليونا دولار لتمويل حفله الشهير live at the acropolis في أثينا مسرح “هيرودس أتيكس” العتيق، كما جمع أوركسترا كاملة مكونة من 60 عازف في مختلف الأدوات الكلاسيكية منها والمعاصرة، وكان أول حفل له يذاع في بث حي، والذي أصبح أحد أشهر الفيديوهات في العالم وتم عرضه في 65 دولة وشاهده 500 مليون مشاهد ليحقق ثاني أكبر حدث موسيقي بعد رائعة مايكل جاكسون حفل Thriller”، وبعدها بعامين أدّى ياني حفله الأنيق في قاعة Royal albert بلندن والذي أيضا أذيع ببث حي. ولم تمض عدة أعوام حتى تمت دعوة ياني لإقامة حفل في تاج محل بالهند، ثم تتابعت سلسلة ياني بإقامة حفلاته في أهم وأبرز معالم الحضارة بالعالم مستصحباً فلسفته الموسيقية التي راعى فيها أن يمثل كل الحضارات عبر أوركسترا متنوعة، تحوي موسيقيين من مختلف الأجناس وفي طيّات موسيقاه إيقاعات استمدها من أوربا وأمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا والشرق الأوسط . توالت الحفلات لتصل إلى المدينة المحرمة بالصين ويصبح ياني أول مؤدي غربي يسمح له بإقامة حفل فيها.

 بعد توالي النجاحات والضغوطات المصاحبة وانفصاله عن محبوبته ليندا، أعلن ياني أنه سيوقف مسيرته الموسيقية إلى حين وعاد لمسقط رأسه ليقيم مع والديه مبدئياً رغبته في الانعزال عن الشاشة والصحف.

بعد عامان من العزلة عاد ياني بقوة ليسجل ألبومه الشهير If I could tell you الذي كسر سبع سنوات من توقف إصداره البومات مسجلة، والذي بيعت منه أكثر من 55,000 نسخة في أسبوعه الأول، وصف ياني الألبوم بأنه أقل درامية من أعماله السابقة تماشيًا مع حالته النفسية. أما الألبوم اللاحق ethnicity والذي عمد فيه أن يمثل جميع الثقافات ليعكس الجمال في المجتمعات متعددة العرقيات والسحنات، وينشر التقدير والتقبل للتنوع، فقد كان الأول من نوعه في ضم المؤدين الصوتيين إذ أضاف الصوت البشري للأوركسترا كأداة جديدة تناغمت وامتزجت تمامًا مع الأدوات الموسيقية الأخرى، وسط ذهول كل المستمعين وتصدر الألبوم أعمدة الصحف والمجلات الفنية بين التحفظ والإطراء.

ثم أنتج ياني ألبوم Mexicanismio هدية للمكسيك الذي أعاد فيه إنتاج إيقاعاتهم الشعبية وبالتعاون مع بعض المغنين المكسيكيين، عرفاناً منه بدور الموسيقى المكسيكية في إلهامه وإنعاش أفكاره للتأليف.

شخصية ياني التقدمية لم تكتفي بدمج موسيقى الآلات الكلاسيكية مع تطريب الصوت البشري، بل أدخل الآلات الالكترونية والموسيقى المعاصرة ذات اللمسة السينمائية في عمله الحديث  Truth of touchتماشيا مع التطور السماعي لجيل الألفية.

ثم توالت الألبومات بمعدل متزن، أدى ياني حفل في بورتوريكو, في منطقة “El morro” الأثرية كمواصلة لحملته في حفلات حضارات العالم، ثم عاد للصين مرة أخرى ليشارك بحفل في مهرجان الربيع الذي أذيع في شبكة CCTV التي ولأول مرة تنقل حفلا أجنبياً ليس مخالفة لأعراف القناة الصينية الشعبية وإنما عرفانًا بأن ياني وفرقته ليسوا أجانب عن أي دولة، فهم -كوحدة واحدة – ينتمون لكل العالم. بعد عامان انتح ياني البوم Inspirato بمفهوم إعادة إنتاج سيمفونياته السابقة مع أداء غنائي باللغات الايطالية والانجليزية والاسبانية.

ثم عاود ياني يواصل مشروعه الحضاري ليؤدي حفلين في مصر أحداهما في الأهرامات والأخر بالقرب من أبو الهول بالجيزا، والذي صوّرته محطة فضاء عالمية بتقنية 4K لأول مرة. وبعدهما بعام أنتج ألبومه الثامن عشر Sensou chill، وتلخيصًا لهذا السرد فقد أقام ياني حفلات متنوعة في ثلاثين دولة مختلفة موزعة على خمس قارات وذلك حتى العام 2010.

“إن الاستماع لموسيقى ياني ليست تجربة سماعية بحتة، إنها تجربة فريدة، تستثير معقداً من الأحاسيس والأخيلة، كأن تجعلك إحدى السيمفونيات تتجول في غابة ماطرة تقطنها قبائل بدائية، وتجعلك أخرى تعيش عالماً رقمياً كما فيلم ماتركس” هكذا وصفت صديقتي تجربتها، فيما يعبر عن حال المستمعين وتلخيصًا فريداً لعشرات الأسطر من مراجعات النقاد المحترفين. وفي المقابل يرى البعض أن ازدحام المسرح بالآلات أخلّ بالمنتوج الموسيقي ولم يضف له غير الضوضاء والعبثية.

و في خصوص دمج الأصوات البشرية مع عزف الآلات يتفق أكثر المستمعين والنقاد أن هذا الدمج لم يخل بالتوازن، بل بدا متسقًا متناغمًا أضاف بعداً جديداً وإحساساً عميقاً، تتجلّى فيه فلسفة وعبقرية ياني. أما الغناء على أنغام السيمفونيات، لم يقابله كثيراً من المستمعين بالاستحسان، إذ يرون فيه تعدياً على القطع الموسيقية الخالدة، كما أن الغناء بالكلمات يحد من حرية السيمفونية في إحيائها لأحاسيس تتغير ومزاج المستمع، فيتقيد الإحساس فيما تبعثه الكلمات فقط.

عن أجمل مقطوعات ياني ” لا أدري إن كانت لي مقطوعة مفضلة ولكن في العادة لا تخذلني أي من مقطوعاته” كانت هذه المقدمة التي اتفق عليها الجميع ثم بدؤوا يسمون المقطوعات مثل Within attraction, Nightingale, the rain must fall, the rain maker, November sky, the end of August والكثير الكثير.

كم هو عظيم أن يستلهم أحد أعظم الموسيقيين بعضًا من تراث الشعوب ويعيد تقديمه في أحد معالمهم الحضارية؟ و بمعية موسيقيين و مؤدين صوتيين ينتمون لكل بقاع العالم, في لوحة ساحرة فريدة تتوقف فيها كل الحروب وتتلاشى الكراهية و يتشقق جدار العنصرية لبرهة من الزمن, ليعيش الجميع بوجدانهم وضميرهم الإنساني الموحد. أترى هل سيعزف ياني في البجراوية يومًا؟ وهل ستلهمه طبيعة جبل مرة بعض النوتات؟ وهل سيشاركه عاصم قرشي في إحدى السمفونيات؟ ويقود ود الأمين فريق الوتريات؟ ربما Live at Marra mountains – Sudan هي كل ما نحتاج لترميم روح مثقلة بالهموم وممزقة بسؤال الهوية والآخر, ففي جلال الموسيقى لا همّ ولا هوية ولا آخر.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة