الرئيسية / احدث التدوينات / القومية البيضاء .. جذور سياسة الهُويَة

القومية البيضاء .. جذور سياسة الهُويَة

تُعد سياسة الهُوية واحدة من أكثر القضايا التي تُميز عصرنا، وتُثير الخلاف.

السياقُ السياسي الحالي، لظهورُ الهُوية البيضاء هو صعودُ الشعوبيّة، في الديمقراطيات الغربية.

مُعظم النقاش الدائر حول هذه التغيّيرات، ينظر إلى سياسات الهُوية، أولاً وتاريخياً، كسياساتٍ يساريّة، لكن، ومؤخراً يُنظر إلى «الهُوية البيضاء» على أنها في المشهد، وهي مُحاولة اليمين الأبيض لتكرارِ نجاحِ مجموعات الأقليات في تحقيق الإحيائية والصحوة القومية.

سأحاولُ، في الحقيقة، أن أقلبَ هذا التصوّر على رأسه.

أصولُ سياسة الهُوية، في واقعِ الأمر، لم تكمن في اليسار، بل في اليمين الرجعيّ.

لقد حاولت الأشكالُ الراديكالية أن تُعبر عن مظالم المُهمشين سياسياً، لفترةٍ طويلةٍ من النضال للحصول على الاعتراف، وهذا يُزعج اليمين، والآن، الهُوية البيضاء المُعاصرة، تستعيد تُراثها الرجعيّ الأصليّ.

لفهم هذا، أريدُ أن أسترجعَ تاريخ سياسة الهوية.

عندما وصلَ الأفارقةُ الأوائل إلى فرجينيا، عامَ 1619، لم يكُن ثمةَ بيضٌ هناك؛ ولا حتى، وفقاً للسجلاتِ الاستعمارية، هكذا كتبَ ثيودور ألين، في دراستهِ الرائدة، عامَ 1994بعُنوان:«اختراعُ العِرق الأبيض».

إن الأفارقة الذين وصلوا إلى فرجينيا، عام 1619، وصلوا، بالطبع، كعبيد، بعد أن تحملّوا أهوال النقلِ عبر المُحيط الأطلسي، ليشتريهم ويبيعهم الأوروبيون، والذين بدؤوا استعمارَ الأمريكتين.

لذا، بأي معنى لم يكُن هناك أشخاصٌ بيضٌ في فرجينيا؟

يلاحظُ ألن، أن الأوروبيّين في فرجينيا، لم يروا أنفسهم كبِيضْ، فالبياضُ باعتباره هُوية، كان لاُبد من بنائه. وقد شُيدَ حيث صِيغت فكرةُ «العِرق».

منذُ بدايةِ الحداثة، تم تطويرُ المفاهيمِ العلميّة واللغة السياسيّة الكامنة وراء مفهوم العِرق.

بين القرنيّن السادس عشر والثامن عشر، خضعت أوروبا لسلسلةٍ من التحوّلات الفِكريّة التي وضعت أسُس العالم الحديث.

في الفترةُ تلك، تطورت الفكرةُ الحديثة عن الذات، والفردُ كعاملٍ رشيد؛ حيثُ ضعفت سُلطة التقاليد، بينما توسع دورُ العقل؛ في شرحِ العالم الطبيعيّ والاجتماعي؛ حيثُ أضحت الطبيعةُ ليست فوضويةً، بل عقلانية وعلمية، وأصبحَ البشرُ جُزءاً من النظام الطبيعيّ، وأصبحت المعرفةُ عَلمانية.

يُنظر إلى البشرِ الآن، كجزءٍ من النظام الطبيعي.

إذن السؤالُ الذي يُطرح: كيف اِنسجم البشرُ مع هذا النظام؟

بدأ الفلاسفةُ الطبيعيّون في تصنيفِ الطبيعة كلياً.

العُلماء، من كارولوس لينيوس إلى يوهان فريدريش بلومنباخ، وما هو أبعد.. للإجابة عن هذا السؤال.

بدؤوا في تصنيفِ فئاتٍ مُختلفةٍ من البشر.

كان عالِمُ الأنثروبولوجيا الألماني بلومنباخ ”يعتبرُ مؤسس الأنثروبولوجيا“ هو الذي أسسَ التصنيف البشري الخماسيّ – القوقازيين والمنغوليون والإثيوبيون والملايو والأمريكيون – الذي لا يزالُ يُستخدم على نطاقٍ واسع حتى اليوم، على الرغم من الاختلاف الاِصطلاحيّ.

تميزَ القرنُ الثامن عشر، عصرُ التنوير، بشغفٍ بالتصنيف، ولتغييرِ الفوضى في العالم.

لكنهُ تميز أيضاً، باعتقاد آخر، باِعتبارهِ راسخاً: الإيمانُ بعالميةِ الطبيعة البشريّة، وبأهميةِ القيم العالمية وإمكانية وجود حضارةٍ مُشتركة.

يبدو أن هذين الجانبين الرئيسيّين في فكرِ التنوير، يتجهان في اِتجاهاتٍ مختلفة في النقاش حول طبيعة الاختلافات البشرية.

خلال القرن الثامن عشر، رغم أن معظم المُفكرين لم يروا تناقضاً؛ لأن الإيمان بالعالمّية، أدى بفلاسفةِ التنوير للنظر إلى المجموعات البشرية، على أنها طبقاتٌ طبيعيّة، أقل من كونها إبتداعاتٌ صناعيّة.

صحيحٌ أن عدداً من كبار الُمفكرين في القرن الثامن عشر – هيوم، كانط، فولتير، جيفرسون – اِختلطوا بأفكارِ الاختلافات الفطرية بين المجموعات البشرية.

بشكلٍ رئيسي، ظل مُفكرو القرن الثامن عشر مُقاومين بشدّة لفكرةِ العِرق، فالتعلقُ الفلسفيّ بأفكار العالميّة والوحدة الإنسانية، قيدّ مجال الحجج العِرقية.

لم يكُن الأمرُ حتى القرن التاسع عشر، هو الذي بدأ فيه التفكير العِرقي – فكرة أنه يمكن تقسيم البشر إلى عدد من المجموعات المُتميزة أساساً – وفُعل ذلك في سياقِ مُعارضة شمولية التنوير،

كتبَ جوزيف دي ميستر، الرجعيّ الفرنسي، في كتابهِ الجدليّ ضد مفهوم حقوق الإنسان، أنهُ ليس ثمةَ إنسان :”لقد رأيتُ الفرنسيّين والإيطاليّين والروس… أما بالنسبةِ للإنسان، فلم أُقابله مطلقاً في أي مكان”.

كان دي ميستر شخصيةً رئيسيةً في التنويرِ المُضاد: المعارضةُ الرجعيّة، لأفكارِ التنوير – المُساواة والديمقراطية والعالمية – .. بالنسبة للتنوير المُضاد، كانت التقاليدُ والسُلطة والدين،والتسلسل الهرميّ، وعدم المُساواة واللاعقلانية، من أسُس النظامِ والاستقرار.

قامَ الفيلسوفُ الألماني يوهان غوتفريد هيردر، أحد رموز الحركة الرومانسيّة، بتطويرِ نقدٍ أكثر تقدمية للأفكار الكونية، والذي أضحى مفهومُ ثقافتها شديدُ التأثير، وما زال يُشكل تأثيراً.

بالنسبة إلى هيردر، فإن ما جعل كل شعب أو أمة – volk – فريدةً، هو الثقافة (Kultur): لُغتها، والأدب، والتاريخ، وأساليبُ المعيشة.

لم يكُن هيردر رجعياً – كان مؤيداً قوياً للمُساواة. ومع ذلك، يحتلُ دوراً غامضاً في الفكرِ السياسيّ الحديث.

في القرن الثامن عشر، رأى هيردر نفسهُ كجُزءٍ من تقليدِ التنوير، ولكن أيضاً، كشخصٍ أُجبر على تحديّ بعض المبادئ الأساسيّة للفلاسفة؛ من أجلِ الدفاع عن مُثُلِ المُساواة.

في القرنِ التاسع عشر، كان تأثيرُ هيردر هو تشجيعُ، ولو عن غيرِ قصد، وجهةَ نظرٍ عُنصرية.

مع مرور الوقت، تحوّلت الروح الوطنية (volksgeist) في فكرِ هيردر إلى نوعٍ عُنصري.

تطورَ مفهومُ النوعِ العُنصريّ، خلال القرن التاسع عشر، كمجموعةٍ من البشر، توصفُ بمجموعةٍ من الخصائص الأساسية، وتختلفُ عن الأنواع الأخرى.

وشملت هذه الخصائصُ، ليس فقط السمّات العقلية والجسدية، ولكن أيضاً، الاحتياجات الاجتماعية والتطلُعات والقيم.

بقيّ كُل نوعٍ ثابتاً بمرورِ الوقت، وكان ثمةَ قيودٌ شديدة على مدى اِختلاف أي عضوٍ من نوع ما عن الخصائص الأساسية للنوع.

هُنا، كانت السياسةُ الأصلية للهُوية، بالنسبة لأنصارِ العلمِ العُنصريّ، أن النوع الأكثر تفوقاً هو العِرقُ الأبيض.

ومع ذلك، كانت معاني كُلٍ من العِرق والهُوية البيضاء، مختلفةً بشكلٍ كبير في القرن التاسع عشر عما هي عليه الآن.

اليوم، نميلُ إلى التفكير في العِرق كما هو مُحدد، عن طريق لونِ البشرة، أو قارة المنشأ الجغرافية.

في القرن التاسع عشر، تم تعريفهُ حسب الطبقة دون اللون، وهذا شكّل حتماً معنى الهُوية البيضاء.

في عام 1865، أُقيمت في ساوثهامبتون، في جنوبِ إنكلترا، مأدبة تكريماً للحاكم آير، حاكمُ جامايكا.

في أكتوبر من العام نفسه، كان آير قد خضعَ لأكبرِ انتفاضةٍ فلاحيّة محلية.

واِستجابةً لمأدبة آير، نظمتْ لجنةُ جامايكا الُمؤيدة للاستقلال اِجتماعاً مُضاداً، حيثُ ذكرت صحيفة ديلي تلغراف: الكثيرُ من الزنوج، في ساوثهامبتون، والذين تتوق قبيلتهم لأي اِضطراب، والذين ربما يكونوا مشبوهين بالاعتقاد القائل أنهُ من الجيدِ الصراخ والعويل على عددٍ من السادة الذين يذهبون إلى حفلة العشاء.

في الواقع، كما يُلاحظ المؤرخ دوغلاس لوريمر في كتابه “Color، Class and Victorian” : “الزنوج” في صحيفة ديلي تلغراف … و «الغوغاءُ في ساوثهامبتون» في واقع الأمر، هُم البيضُ الذين اِحتشدوا في الشوارع خارج قاعة الاحتفالات. بينما حضرَ زملائهم من الطبقة العاملة الأكثر احتراماً، أكبرَ لقاءٍ شعبي في تاريخ المدينة، للاحتجاج على الاستقبال الرسميِّ الذي أُعد للحاكم اير.

تساءل الاشتراكي الفرنسيّ المسيحيّ فيليب بوتشيز، الذي أجرى حديثاً مع جمعية الطب النفسيّ في باريس، عام 1857، كيف يُمكن أن يحدث ذلك “بين سكانٍ مثلنا، قد تتشكل أجناس بائسة للغاية، وأقل شأناً وقد يزعجهم الاشمئزاز من أنهم قد يُصنفون إلى أكثر الأجناس الوحشية المتدنية، لأن الدونية لديهم في بعض الأحيان لا يُمكن علاجها”. “والأجناس التي كان يتحدث عنها، لم تكن من إفريقيا أو آسيا، لكن الطبقة العاملة والفقراء والفلاحون في الريف الفرنسيّ”.

كان «العِرقُ» في القرن التاسع عشر يتعلقُ بالطبقة والوضع الاجتماعي، وكذلك حول لون البشرة.

كما يُلاحظ المؤرخُ كيرنان، فالسخطُ الأصليّ في المُستعمرات، والكثيرُ من الحديث عن الهمجية أو ظلام العالم الخارجي، والتي كانت مُهمة أوروبا هزيمتها، خوفاً منقولاً للجماهير في الداخل.

يبدأ البياضُ بالمعنى المُعاصر في الظهورِ مطلع القرن العشرين.                            

هناك تطوران حوّلا معنى الهُوية البيضاء: مجيءُ الديمقراطية، والإمبرياليّة الجديدة، التي يُجسدها «التدافعُ من أجل إفريقيا» منذُ ثمانينياتِ القرن التاسع عشر.

إن تمديد حق الاقتراع ليشمل قطاعاتٍ كبيرة من رجال الطبقة العاملة (وإن لم يكُن حتى وقتٍ لاحقٍ للنساء) يعدّلُ تطبيقُ لُغة الدونية العُنصرية على الطبقةِ العاملة.

في الديمقراطيةِ السياسيّة، هيمنت النظرةُ العُنصرية للطبقةِ العاملة، على وعيّ النُخب في القرن التاسع عشر، ثم أصبحت أكثرَ صعوبةً في التعبيرِ عنها صراحةً، وتلاشت ببطء من الرأي العام.

تزامن التوسعُ في الاقتراع مع توسعِ الحُكم الإمبراطوريّ.

في النصفِ الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت موجةُ اِستيلاءٍ على الأراضي من قِبل الدول الأوروبية، من إفريقيا إلى المُحيط الهادئ ..

وبين عامي 1874 و1902 أضافت بريطانيا وحدها، 12 مليون كيلومتر مربع و 90 مليون نسمة إلى إمبراطوريتها.

في مُصادفةِ الديمقراطية والإمبريالية، أصبحَ دعمُ الإمبريالية «ديمقراطياً» في سابقةٍ تُثير التساؤل..

ولم تعُد القوميّة والتفكيرُ العِرقي إيديولوجية النُخبة، كما الحال في معظم القرن التاسع عشر، وأصبحت جُزءاً من الثقافةِ الشعبيّة.

وتم الاحتفاءُ بالتفوقِ العِرقي للشعبِ البريطانيّ، في الصُحف ذات التوزيع الجماهيري، وفي الرواياتِ المليئة بالجنس، وفي الترفيه الشعبيّ.

كانت نتيجةُ دلك، أن لغةَ العِرق، أصبحت أكثر تركيزاً على لون البشرة، وعلى التميّيز بين أوروبا والإمبراطوريّة.

في التسعينيات من القرن التاسع عشر، والعقد الأول من القرن العشرين، تفشت الرقابةُ على الهِجرة.

من قانون «الإقصاء الصينيّ» في أمريكا، والترويج لـ«الذُعر الأصفر» إلى سياسة «أستراليا البيضاء» إلى «قانون الأجانب» البريطانيّ، المُصمم أولاً لمنعِ اليهود الفاريّن مذابحِ أوروبا الشرقيّة من دخول البلاد .. أصبحت قوانينُ الهِجرة وسيلةَ إضفاء الطابع المؤسسيّ على الفرق العُنصري والهُوية.

بحلولِ العقود الأولى من القرن العشرين، تحوّل مفهومُ العِرق.

في حِين كان الإيمانُ سَابقاً، بدونيةِ الشُعوب غير الأوروبية، اِمتداداً للإيمان بدونيةِ الطبقات الدُنيا، فقد أصبحَ الآن قالبُ التفكيرِ عُنصرياً.

أصبحَ العِرقُ قضيةَ أبيضٍ وأسود، والهُوية البيضاء أخذت على مُلابساتُها المُعاصرة مكامنَ وجُذور الهُوية البيضاء .. منذُ فترةٍ طويلة تم تجاهلُ تاريخ المُناقشات المُعاصرة لسياسةِ الهُوية.

طيلةَ المائتي عام الماضية، قام المُتطرفون الذين يتحدّون عدم المُساواة والقمع، بالقيام بذلك باسم اليسار، وليس باسم هُوياتٍ معينة، ولكن لحقوقٍ عالمية.

وأصرّوا على أن الحُقوق المُتساوية ملكٌ للجميع، وأن الإنسانية تلتقي في ذات القيم والمؤسسات، والتي اِزدهرَ في ظّلها جميعُ البشر.. وغذت الحركات الراديكالية العظيمة التي شكّلت العالم الحديث – من النضال ضد الاستعمار، إلى الحركاتِ من أجل حق المرأة في الاقتراع إلى معارك الـحُقوق الفردية والأقليات .

ربما تم التعبيرُ عن تلك العالمية على أفضلِ وجهٍ في الثورة الهايتية عام 1791.

إنها ثورةُ نسيناها اليوم تقريباً، ومع ذلك كان عليها أن تصوغ التاريخ بعُمق، مثل ثورتين من القرن الثامن عشر أصبحنا أكثر درايةً بهما – ثورةُ 1776 في أمريكا و1789 في فرنسا. كانت المرةُ الأولى التي يتمُ فيها رؤية المنطق التحرُّري لإعلان حُقوقِ الإنسان حتى نهايته الثورية.

كان زعيمُ التمرُد هو توسان لوفيرتور، المُتحرر من العبودية، يقرأ بعُمق ويُسيس بشدّة، ويمتلك فكراً عبقرياً في التكتيكات والإستراتيجية العسكرية.

ولعل أعظم مواهبه تكمنُ في قُدرته على رؤية أنه بينما كانت أوروبا مسؤولة عن اِستعباد السُود، إلا أنهُ ضمن الثقافة الأوروبية، ثمةَ أفكارٌ سياسية وأخلاقية يمكن بها تحديّ هذا الاستعباد.

ورغم أن البُرجوازية الفرنسيّة قد حاولت أن تحرمَ الجماهير البشرية المُثل العُليا المُجسدة في إعلان حقوق الإنسان.

فجّر عبيدُ سان دومينغو التمرد في 24 أغسطس 1791. وفي اثني عشر عاماً من الحرب الضارية، هُزموا، في المقابل، هُزم البيض المحليون وجنود الملكية الفرنسية، بغزوٍ إسباني، وترحيل حامية بريطانية لنحو 60.000 رجل، وأخيراً قوة فرنسية ثانية.

في عام 1803، أعطت ثورةُ العبيد الناجحة الوحيدة في التاريخ، هايتي اِستقلالها.

ومع ذلك، فإن العلاقةَ بين مُناهضة الاستعمار وعالميةِ التنوير، سُرعان ما بدت موضعَ تساؤل، طرحَ ترسيخُ التفكير العُنصري وتوسع الإمبريالية أسئلةً صعبة لأولئك الذين يتحدوّن القوة الأوروبية.

إذا كانت أوروبا مسؤولة عن اِستعباد أكثر من نصف العالم، فمَا قيمةُ ما يُمكن أن يكون في أفكارها السياسية والأخلاقية؟

والتي في أحسن الأحوال، فشلت في منعِ هذا الاستعباد، في أسوأ الأحوال، قد وفرت أُسسه الفكرية؟ ألم يحتاج أولئك الذين يتحدوّن الإمبريالية الأوروبية، إلى تحديّ أفكارها؟

بمرورِ الوقت أصبحت المُعارضة للحُكم الأوروبي تعني بشكلٍ مُتزايد مُعارضة الأفكار الأوروبية أيضاً.

وكما لاحظ فرانتس فانون، المُتمرد الجزائري، المولود في جزر المارتينيغ، انه باِسم روح أوروبا التنويرية؛ بررت جرائمها، وأضفت الشرعية على العُبودية التي تحمّل بها أربعة أخماس البشرية.

من هذا المنظور، نشأت المُثل العليا التي اِنبثقت من عصر التنوير من ثقافة وتاريخ وتقاليد معينة، وتحدثت إلى مجموعة معينة من الاحتياجات والرغبات والتصرفات.

كان على غير الأوروبيين تطويرُ أفكارهم ومُعتقداتهم وقيمهم التي نشأت عن ثقافاتهم وتقاليدهم وتاريخهم واِحتياجاتهم النفسية وتصرفاتهم الُمميزة. وكانت النتيجة اِزدهارُ مجموعة من الحركات الاِنفصالية: القومية الأفريقية، القومية السوداء، ..

كانت هذه هي خلفية ظهور سياسات الهُوية الراديكالية بعد الحرب.

تغيرّت العلاقةُ بين اليسار واليمين والهُوية في العُقود التي تلت الحرب العالمية الثانية.

في أعقابِ النازية ومحرقة الهولوكوست، أصبحت العنصرية العلنيّة أقلُ قُبولاً. لم تختفِ تلك العُنصرية.

لكن حيثُ كانت أفكار التفوق العِرقيّ، والتفوق الأبيض، في عالم ما قبل الحرب، غير مقبولة اجتماعياً، ولكنها غير مُتناقضة إلى حدٍ كبير داخل دوائر النُخب، أصبحت الآن أفكار المُساواة العِرقيّة تحتلُ المكانة الأخلاقية العالية.

وبحلولِ الستينيات، كان هذا التحوّلُ قد تفجّر.

بدأ الرفض الجذريّ للعالمية، واِحتضانُ الأفكار الانفصالية الأكثر خُصوصية، في اِتخاذ شكلٍ جديد.

كان أحدُ الأسئلة التي طرحَها المُتطرفون في فترةِ ما بعد الحرب لأنفسهم، ما السببُ وراء وجوب استسلام ألمانيا، وهي دولةٌ ذات جذور عميقة في عصر التنوير، للنازيين تماماً.

بالنسبة للكثيرين، يبدو الجواب، هو أن منطق عقلانية التنوير نفسهُ هو الذي أدى إلى مثل هذه الهمجية الإجرامية.

بالاعتماد على عمل المفكرين المُناهضين للاستعمار مثل فرانتس فانون، وكذلك أفكار مدرسة فرانكفورت، وغيرها من حركاتِ النظرية النقدية، أصبح الكثيرون يرون الشمولية باعتبارها مركزية أوروبية، وحتى عُنصرية، لأنها تسعى إلى فرض الأفكار الأوروبية-الأمريكية العقلانية والموضوعية، والداروينية الاجتماعية على الشعوبِ الأخرى.

على المستوى السياسيّ، بدأت هذه الأفكارُ تتطورُ في الستينيات من خلال اليسارِ الجديد والحركات الاجتماعية الجديدة.

كان النضالُ من أجل حُقوق السُود في أمريكا، على وجه الخصوص، ذا تأثير كبير في تطوير أفكارٍ جديدة لكل من الهوية والتنظيم الذاتي.

بعد الضغط على مجتمع عُنصريّ شديد، من ناحية، ومن جهة أخرى، اليسارُ غير مُبالٍ إلى حد كبيرٍ بمأساتهم، تنازل الكثيرُ من الناشطين السُود عن مُنظماتِ حُقوقٍ مدنية متكاملة، وأنشأوا مجموعاتٍ سوداء مُنفصلة.

بدأ الكثيرون يُجادلون بأن الأميركيّين الأفارقة اضطروا إلى التنظيمِ بشكلٍ مُنفصل، ليس فقط كاستراتيجيه سياسية ولكن أيضاً كضرورةٍ ثقافية. كتبَ ناشطُ القِوى السوداء، يوليوس ليستر:«إنهُ الاِعترافُ بتلكَ الأشياء الفريدة، التي تفصلُنا عن البيض».

قدمَ التطرفُ الأسود، نموذجاً للعديد من المجموعات الأخرى، من النساء إلى الأمريكيّين الأصليّين، ومن المُسلمين إلى المثليّين، للنظرِ في التغيّير الاجتماعي من خلالِ عدسة ثقافاتهم وأهدافهم ومُثلهم العُليا.

صاغَ مصطلحُ «سياسة الهوية» في عام 1977 من قِبل جمعيةِ نهر كومباهي الأمريكية، وهي مجموعة من السحاقيات السُود، في «بيان نسائي أسود».

وجادلوا بأن السياسةَ الأكثر تطرُفاً جاءت من وضع تجاربهم في قلبِ نضالاتهم. وكتبوا بالتركيزِ على اِضطهادنا، يتجسدُ مفهوم «الهُوية السياسيّة».

بالنسبة لجمعيةِ نهر كومباهي، كما هو الحال بالنسبة للكثيرين داخل حركات الهُوية هذه في الستينيات والسبعينيات، كان صراعُهم الخاص مرتبطا بشكلٍ لا ينفصمُ بحملاتٍ أوسع من أجل التغيّير.

قدمت سياساتُ الهُوية في ذلك الوقت، وسيلةً لتحديّ الاِضطهاد، وعمى الكثيرُ من اليساريّين لمثل هذا الاِضطهاد، كجزءٍ مُحدد من مشروعٍ أوسع للتحوّل الاجتماعي.

كان التحوّل الرئيسيّ خلال نصف القرن الماضي تفككُ تلك الحركات الاجتماعية الأوسع، والصراعات الراديكالية.

ضعفت منظمات الحركة العمالية، وتفكّكت الحركاتُ الاجتماعية الجديدة، وكذلك اليسار.

عندما فقدت الحركات الاجتماعية القديمة والصراعات المُتطرفة تأثيرها، أصبح الاعتراف بالهُوية ليس وسيلةً لتحقيقِ غاية، بل غاية في حد ذاته.

كما قال الفيلسوفُ السياسيّ ويندي براون:”ما توصلنا إليه لسياسة الهوية يعتمدُ جزئياً على زوال نقد الرأسمالية”.

لم تختف مفاهيم الهُوية البيضاء (العُنصرية) في فترة ما بعد الحرب، لكن تعرضوا للتهميش بشكلٍ متزايد، وعندما عبروا عن أنفسهم – كما هو الحال في المُعارضة الجنوبية لحركة الحقوق المدنيّة في أمريكا أو من خلال Powellism في بريطانيا – اعتبرها المُعلقون بشكلٍ مباشر تعبيراً عن العُنصرية.

بحلولِ سبعينيات القرن العشرين، لم تكُن الفكرة تدورُ حول الحدود القُصوى لليمين المُتطرف.

ولكن داخل أجزاء من أقصى اليمين، تمت إعادةُ صياغة مفهوم الهُوية البيضاء.

بدلاً من تأصيلها في أفكار التفوق البيولوجي والدونية، بدأ المُفكرين اليمينيّين المُتطرفين في تخصيصِ الحجج الثقافية، والأفكار حول الاختلاف، لتضمين مفاهيم الهوية العُنصرية.

كان اليمينُ المُتطرف الفرنسي شديد الجديّة في اِستغلال أفكار التعددية لتعزيزِ حجة رجعية ضد الهجرة.

استخدمَ الفيلسوف آلان دو بينويست، أحد مؤسسيّ الحق الجديد (Nouvelle Droite)، مفهوم الاختلاف (حق الاختلاف) للدفاع عن الثقافة الوطنية الفرنسية ضد تأثير الهجرة، لحمايتها من الغرق..

وقال إن خَلط الثقافات سيُضر بالهُوية الثقافية لكُلٍ من المُجتمعات المُضيفة والأقليات.

وتساءل “هل ستختزل الأرض إلى شَيءٍ متجانس بسبب اِتجاهات إلغاء الطابع الثقافيّ، وإضفاء الطابع الشخصيّ على الإمبريالية الأمريكية التي أصبحت الآن أكثر عجرفة؟ أم أن الناس سيجدون الوسائل اللازمة للمُقاومة اللازمة في معتقداتهم وتقاليدهم وطُرق رؤيتهم للعالم؟

كانت الحجة الراديكالية للتعدُدية المُخصصة للغايات الرجعية.

يجادل السياسيون والمعلقون الليبراليون وما بعد الليبراليين، وحتى الأكاديميين، بأنه يَجِبُ أن يكون البيض قادرين على التأكيدِ، وهو ما يعرفه عالم السياسة إريك كوفمان بأنه مصلحتهم الذاتية العنُصرية، مثل أي مجموعة عرقية أخرى.

ذات الاتجاهات التي حوّلت الحركات الاجتماعية في الستينيات إلى سياسات الهُوية المعاصرة دفعت أيضًا إلى إعادة تأهيل الهوية البيضاء.

من أهم الأمور في هذه القصة هي ثروات الطبقة العاملة المُتغيرة.

في جميعِ أنحاء أوروبا، تشعرُ قطاعات كثيرة من الطبقة العاملة بأنها مهمشة اقتصادياً وسياسياً.

التغيرات الاقتصادية والاجتماعية – تدهور الصناعة التحويلية، وانهيار دولة الرفاهة، وظهور التقشف، واِنحلالُ المجتمع، ونمو اللامُساواة – تقترنُ بالتحوّلات السياسية، مثل تآكل القوى النقابية والتحوّل من الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، إلى اليمين والقومية .. لقد اِختفت أشكالُ التنظيم الاجتماعي التي منحت حياة الطبقةِ العَاملة الهُوية والتضامن والكرامة.

تهميشُها، هو إلى حدٍ كبير نتاجُ التغيُّرات الاقتصادية والاجتماعية.

لكنهم أصبحوا ينظرون إلى تهميشهم في المقام الأول باعتبارهِ خسارةً ثقافية.

وقد ساعد تدهورُها على حجبِ جُذور المشكلات الاجتماعية.

لقد تحوّلوا إلى لُغة الهُوية للتعبيرِ عن سَخطهم.

وبعبارةٍ أُخرى، فإن لغةَ السياسة والطبقة قد مهدت للُغة الثقافة.. أو أصبحت الطبقة نفسها لا تُرى كسياسةٍ بل كسمّة ثقافية وحتى عُنصرية.

يتحدثُ عُلماء الاجتماع والصحافيون في كثيرٍ من الأحيان، اليوم عن «الطبقة العاملة البيضاء» ولكن نادراً ما يتحدثون عن الطبقة العاملة السوداء أو الطبقة العاملة المُسلمة.

السُود والمُسلمون ينتمون إلى مجتمعاتٍ لا طبقية تقريبًا.

أصبحت الطبقة العاملة تُرى بشكل أساسي على أنها بيضاء، وأصبح اللَونُ الأبيض صفةً ضرورية يُمكن من خلالَها تعريفُ الطبقةِ العاملة.

بمجردِ أن يتم اعتبارُ هوية الطبقة على أنها سمة ثقافية أو عنصرية، فإن أولئك الذين يعتبرون مختلفين ثقافياً أو عنصريًا يُعتبرون في الغالب تهديدات. وبالتالي العداء المتزايد للهجرة.

أصبحت الهجرة الوسيلة التي يرى من خلالها الكثيرين في الطبقة العاملة شُعورهم بفقدان المكانة الاجتماعية.

وقد تفاقم هذا بسبب العلاقة المتغيرة بين الطبقة العاملة واليسار واليمين المُتطرف.

لقد ابتعدت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا عن دوائرها العاملة القديمة.

ووجدت العديد من قطاعات الطبقة العاملة نفسها، بلا صوت سياسياً، في الوقت الذي أصبحت فيه حياتهم أكثر هشاشة، حيث تقلصت الوظائف، وتراجعت الخدمات العامة، وفُرض التقشف، وزاد التفاوت.

هذه القضايا تناولتها حركات هُوية اليمين.

غالباً ما تربط مثل هذه الحركات سياسة الهوية الرجعية، التي تكمنُ جذورها في العداء للمهاجرين والمسلمين، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت ذات يوم المطلب الأساسيّ لليسار: الدفاعُ عن الحقوق والوظائف، ودعم دولة الرفاه، ومعارضة التقشف.

والنتيجةُ هي نوعٌ جديد من السياسة الجماهيرية، وإعادة تشكيل سياسات الهُوية الرجعيّة الأصلية لعصر العولمة والرقمية.

من خلال تطبيع الهُوية البيضاء، اكتسبت العُنصرية، شرعيةً ديمقراطية جديدة.

لا يمكن للسياسة الرجعيّة للهُوية البيضاء أن تدافع عن مصالح الطبقة العاملة – “البيضاء” أم لا؟ – وسياسات الهُوية الراديكالية المزعومة التي يمكنُ أن تدافع عن مصالح الأقليات.

كلاهما يحوّلان التضامن، من الإحساس المشترك مع أولئك الذين يشاركونيّ قيميّ وتطلعاتيّ، ولكن ليس بالضرورة لون بشرتي أو ثقافتي .. إلى هُوية مع أولئك الذين لا يشاركونني آمالي السياسية، وقد يقوضوّن اهتماماتي، واحتياجاتي، لكن لونُ بشرتهم أو ثقافتهم الخلفية متشابهة.

لا توجدُ أي مصالح منطقية مشتركة بين جميع البيض.

المسؤولون عن تهميش الطبقة العاملة هُم من البيض إلى حدٍ كبير – السياسيون والبيروقراطيون ورؤساء الشركات.

إن فكرة «الهُوية البيضاء» تحجبُ المشاكل الحقيقية التي تواجه الغرب والعالم، مما يجعلُ من الصعب تحديها.

الهُوية البيضاء تكشفُ عن الجذور الرجعيّة لسياسة الهوية.

إن تحديّ اللامُساواة والظلم، والدفاع عن الحُرية، يتطلبُ منا أن نتحدى أيضاً سياسات الهُوية، وتحت مسمياتها المتباينة.

 

 

عن محمد سالم

mm
كاتب من العراق