الرئيسية / احدث التدوينات / تلك التي تراقبني

تلك التي تراقبني

بقلم: تسنيم عصام

 

تلك التي تراقبني..

أمشي يميناً فترمقني.. أسير شمالاً فتلتفتُ إليّ..

تقفزُ من عينٍ إلى عين.. لكنها في كل الحالات تتابعني..

من تحت جفون محاوِرَتي.. من تنهيدة عابرةِ الطريق من الاتجاه المعاكس لي.. أو من خلف انعكاس نظارتي بالمرآة..

تلك المُتعَبة.. تكاثُفِ كل أرواح النساء منذ بدء الخليقة حتى انتهائها.. تحمل إرثها من التوقعات المسبَقة.. تتنفس بجُهدٍ داخل إطارها الخشبي من الإمكانات، محدودِ أبعادِ المقدرات وعمقِ الحدوث..

تلك المولَعة بالانتقاد.. دائماً تلومني.. كلما قفزتُ إلى استنتاجِ ما تريدُ محدِّثتي أو تشعر به.. تطلُّ عليَّ لتذكّرني لائمةً باختلافهن..

وحين أواجهها بالمرآة تبادرني: ماذا رأيتِ اليوم؟.. فأسهب قولاً عن التفاصيل التقنية ليومي المادي..

تلك التي لا تنسى، تسألني من جديد: ماذا اليوم رأيت؟.. فأتذكر..

أتذكر حديث إحدى الأمهات عن طفلها بجفاء.. وحلم الطالبة باختراع المحسّات.. أتذكر التي تماهت بكاءً لضياع قلمها.. ثم التي اقتنصت غصناً لتنهال ضرباً على القطة اللّحوح.. صورهن تتوالى عليّ.. صرامة قسمات الوجه، انفراج سريرة الضحك، الشفتان المتزمتتان، خصلات الشعر الثائرة، تجاعيد التقطيب، بؤبؤ العين الرمادي، الجفن دائم التذبذب..

واليوم، ماذا رأيت؟

قامات وهويّات وأهواء متمايزة.. تمور داخل البُعد الضيق للتعميم.. “المرأة هي الصبورة”.. “الوفية”.. “المناضلة”.. “المضحيّة”.. “المنساقة خلف العواطف”.. “لا تحتكم للمنطق”.. “الحساسة”.. “التي نحشرها في إطارٍ مسبق الإعداد لتصوراتنا عنها وما يجب عليها أن تكونه وتظنه وتعيشه.. كأنما هي استمرار لكيانٍ واحد أوحد يمتد منذ الأزل حتى حدود الذي لن يأتي من أبد”.. “المرأة هي الكيان المعمّم الذي لا ملامح له”..

تلك التي تتربصني.. كلما مررتُ بها تقتنصني للهالة الملوّنة لأرواحهن المفردة.. وتهمس لي أن: تناسي وجودي، وامحِ عن عينيك ملامحي، لعلك ترين حقيقتها هي، كلوحةٍ في تمام معناها، دون إطار.. فانصرفُ عن ذاتي المحسوسة، لأراهن.. أرى محدثتي كشخص منفرد، حي، موجود.. لها ما تريد من أحلام، وما تشاء من صفات.. لها جوهرها الداخلي ذاتيّ الإضاءة.. ولها مصدر قوتها الذي عليه ترتكز.. قدرتها على التحليل أو العطف أو الابتكار أو المسير.. قدرتها الخاصة التي تعرف وترعى.. لا التي يطمسها التعميم وتتوارى خلف المفترض وما يقتضيه المتيسر والمألوف..

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة