الرئيسية / احدث التدوينات / ألم يعِدْنا الجليل ؟!

ألم يعِدْنا الجليل ؟!

بقلم: مؤيد محجوب عثمان

لهذا العنوان شأن خاص في نفسي، لأن الله ألهمنيه في أشد أوقاتي ضراوة، وصعوبة على نفسي . سأكتب بصدق وشيء من الإسهاب معاً .

في وقتٍ ما، تمُّر بالجميع المصاعب .. فنظل منهمكين في أمر عصيب ، عسير ، وتمر أيامه ثقيلة ، وربما نشعر -أحيانا- بأن من يحيطون بنا لا يُساعدون . الحياة مليئة بهكذا أمور ..

وفجأة تتسلل روح السلبية إلينا، فتُهَيمن علينا، على أحاديثنا، وعلى خطوات المرء مِنا وهو يجول شارد الذهن، وقلق البال ..

لطالما عهِدتُ كتابة الملاحظات، ولكن خلال تلك المِحنة؛ كلها كانت تدور عن فشلي في التقدم، في السيطرة على ما يحدث، وعلى إحداث التوازن المطلوب. كانت أسطر حزينة، تائهة، لكنني كنت اختمُها دوماً بعبارة جميلة عن ظني الجميل بالله .

وفي وقت ما، ألهمني الله بعبارة، فجّرت بداخلي المشاعر كل ما لمحتها، وأعادت لي الروح كلما فقدتها .. لقد كانت عبارة : ( لقد وعدني الجليل ) .

وحين كانت تخمُد وتيرة نفسي، كنتُ أحمل الهاتف من الضجر، فمَا إن تعمَل شاشته حتى تظهر تلك العبارة الخلّابة … وحين أسجد كانت تخطر لي، فأختُمُ الصلاة بروح جديدة .

وحين تَبعَثُ في داخلك الأمل، الأمل المُستَجدى من الله، لا من نوابع نفسك .. إن هذا الأمل هو في حقيقته تعريف الإيمان . فالرسول دأَب على قوله : “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين” .

حين تشتد صروف الحياة بالإنسان، وتضربه بلا هوادة، تنبثق داخله تلك الشعلة الموقدة، فتُدفئ داخله، وتُهَدهِده بأن الأمور ستغدو أفضل حالاً، وليس كذلك فحسب بل : (ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ..الآية.. إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)

لطالما كنت أَستمعُ إلى أهل العلم وهم يقولون إنَّ جناحَي المؤمن هما : الخوف والرجاء .

نعرف جيداً بعض الأمور الدينية، لكن معرفتنا لا تتجاوز أذهاننا ، وتطبيقي لفرع الرجاء في حياتي كان بعيداً حتى هذه اللحظة ، حين كنت أرجوه أن ينجدني من هذا المأزق ، باسم يسُرُ النفسَ سماعه وهو”الجليل” .

إن الحرب التي نواجهها، جزء كبير منها نفسي، الذين بوسعهم تحمل الأضرار نفسياً هم جاهزون لخوضها واقعياً بإذن الله .

حين داهمت القبائل المتحالفة مدينة رسول الله ﷺ ، دبّ الخوف في قلوب الناس ،(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) .

يقول الله : (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) ربما يظن القارئ بأن الآية تصف شدة المعركة ، والقتال .. ولكن لا ، فهذه المعركة لم يسقط بها أي قتلى، ولكن ماذا تقصد الآية بزلزلة المؤمنين ؟

إنما تقصدُ الخوف والقلق والجوع نتيجة الحصار !! .. ورغم أن الخوف هو رد فعل طبيعي، لا يمكن تجنّبه، ولكنه يتحول بسرعة لحرب نفسية داخلية، فتتحالف مخاوفنا مع ما نخافه فعلياً في قتلنا وهزيمتنا، وطمس إيماننا بالله الذي تُوكل له الأمور ..

حينها يهوي اليأس ببعض القلوب : (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .

وتتمسك بعض القلوب برجائها برب العباد ، بأن يأتِ بفرحهم وفرجهم الذي ينتظرونه ، وهذا فعل رسول الله والمؤمنون :(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .

يقول ابن كثير رحمه الله : (هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ؛ وَلِهَذَا أُمِرَ النَّاسُ بِالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ، فِي صَبْرِهِ وَمُصَابَرَتِهِ وَمُرَابَطَتِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ وَانْتِظَارِهِ الْفَرَجَ مِنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) …

ثم يتمم رحمه الله قوله :

( وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لِلَّذِينِ تَقَلَّقُوا وَتَضْجَّرُوا وَتَزَلْزَلُوا وَاضْطَرَبُوا فِي أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أَيْ: هَلَّا اقْتَدَيْتُمْ بِهِ وَتَأَسَّيْتُمْ بِشَمَائِلِهِ؟ ) .

ثم مثل كل المشاكل التي تنحني، ومثل كل الغيوم التي تنجلي في نهاية الأمر، يأتِ بشير الله ليُرضي المؤمنين المحاصرين : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)

إن سورة الأحزاب قد وصفت كل الكيد والتخطيط الذي هم خطّطوه لمهاجمة مدينة رسول الله ﷺ ، وتحالفهم مع يهود -بني قريضة- من داخلها لتسهيل القضاء على المسلمين فيها.. لكن ما لم يكن في حسبانهم ، هو الله .

وما كان في حسبان ثلة المؤمنين هو ربُّهم ، فهلّا كنا منهم ؟!

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة