الرئيسية / احدث التدوينات / الثورة السودانية: ملامح على الطريق2

الثورة السودانية: ملامح على الطريق2

     “لقد تعبنا يا صديقي ولكن لا أحد يستطيع الإستلقاء أثناء المعركة”

    مقولة بعدها أصبح كلٌ منّا ذلك الصديق الذي يخاطبه الشهيد عبد العظيم أبوبكر، صاحب الكلمات أعلاه، والتي سطرها على حسابه في الفيسبوك بتاريخ السادس عشر من يناير 2019، وأستشهد برصاصة غادرة في الصدر في الرابع والعشرين من نفس الشهر، رحمه الله وكل شهداء الثورة السودانية، الذين أوهجوا بأرواحهم شمس الحرية التي ننشدها. كنت وما زلت كلما شعرت بإنهاك أو تراخٍ في العزيمة، تخيلت الشهيد عبد العظيم واقفاً ملوحاً باتجاه الغادرين من مليشيات الحكم الساقط في بلادنا فاستحيت من نفسي واستنهضت عزيمتي.

    ها أنا أكتب الآن بتاريخ التاسع والعشرين من أبريل، في لحظة تاريخية فارقة في مستقبل السودان، بين احتمالات المستقبل البعيد، وطن أو لا وطن، بين أن نكون أو لا نكون، لحظة ننشد فيها بصدق الوحدة الوطنية التي نراها بين سندان الشتات السياسي ومطرقة العسكر الغاشمة. ظل السودان يرزح سنوات طويلة تحت حكم العسكريين، ما يزيد عن الخمسين عاماً من عمر استقلال السودان، ظللنا نعاني من الديكتاتورية والسذاجة السياسية، ولكننا اليوم أمام لحظة ميلاد جديدة لأمتنا، هذه الثورة الضاربة في أعماق النسيج القائم حالياً ستحول ركام ما كنا نعتقده دولة إلى دولة حديثة حقيقية، فكل المعطيات تشير إلى شيء فريد تخلق وينمو بين أيدينا. قد نصاب أحياناً بشيء من القلق نتيجة لموجات الإستقطاب التي تعصف كل حين وآخر بالساحة، ولكنني أعود وأقول لعلنا في الحقيقة نحتاج هذه العواصف لقفل تلك الصفحات البائسة من تاريخنا. أن نواجه عبث دعاة الأيديولوجية الذين أهدروا بصلفهم وتكبرهم الكثير من فرص التقدم للسودان. هذه اللحظات التي تواجهنا نستقوي عليها بذاكرة الثورة المتقدة. بكلمات الشهداء وابتساماتهم ومواقفهم التي عرفناها بعد أن باتوا بيننا أرواحاً تدفعنا إلى الأمام. هذه الأوقات تحتاج منّا أن نذاكر روعة المشاهد في صناعة “المتاريس،” في تعالي الهتاف، في دقة وانضباط ساعة الثورة. يسوقني كل ذلك وأكثر إلى ساحة الاعتصام الكائن الآن أمام القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية. هذا الاعتصام الذي بدأ في السادس من أبريل فغير ملامح الطريق حتى اللحظة.

السادس من أبريل “أنا واحدة من مليون”

    انتشر هاشتاق “مليونية 6أبريل” على الفيسبوك كدعوة للتظاهرة الحاشدة بمناسبة ذكرى ثورة أبريل. ظن البعض أن الحشد المكثف قد يعقبه إحباط إن لمن ينجح الموكب، فالتزموا بالدعوة على هاشتاق “موكب 6 أبريل” ولكن الإصرار جعل الدعوة تتحول إلى شكل آخر “أنا واحد/ واحدة من مليون”. جرت الأيام متسارعة، وفي التاسع والعشرون من مارس وقفت أمام لوح الكتابة الأبيض خاصتي، وهو معلق على الحائط الغربي لغرفتي، حيث أقوم عادة بكتابة بعض العبارات عليه، أو التنبيهات لبعض الأشياء وهكذا. سطرت عليه جدولاً صغيراً لأول أسبوع في شهر أبريل، كتبت بعض النقاط حتى جئت عند السادس من أبريل، لم أكتب شيئاً سوى “الموكب”. ظللت بعدها كلما وقعت عيني على الجدول أردد بيني ونفسي “واحدة من مليون” حتى أنني أفردت لها مساحة على اللوح، وكتبتها بخط واضح كبير، كنت كلما قرأتها قلت لنفسي هذه أدوارنا الفردية التي كلما التزمنا بها وقدرناهت بقدرها سيكون لنا ما نريد مهما رأيناه عصياً.

    كان السادس من أبريل كما اشتهيناه أن يكون، كُنا من بين أوائل المواكب التي استطاعت الوصول إلى القيادة، لم تكن الفكرة حينها اعتصاماً، ولكن المشهد حوالي الثالثة عصراً بدى واضحاً، لقد توافد الملايين حقاً، لقد التزموا بأن نكون فكنا، وكان الجمع أكبر من تصورنا. هذا الوجود الكثيف المليوني تحول إلى اعتصام مشهود حول معه مجرى الأحداث. فكلما تذكرنا السادس من أبريل تذكرنا أن إرادتنا الفردية هي التي صنعت الإرادة الجماعية، ومسؤولياتنا تجاه صناعة الحدث كُل منا كفرد قائم بذاته هي التي كتبت لمليونية السادس من أبريل أن تصبح نقطة ضوئية في تاريخ ثورة ديسمبر.

    لا زال الطريق أمامنا طويلاً لتحقيق أهداف الثورة، وما دمنا قادرين على استشعار مسؤوليتنا الفردية تجاه الوصول إلى هذه الأهداف سنصل طال الدرب أم قصر. فالثورة شعارات نرددها إيماناً ونصدقها بالعمل.

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .