الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: سماع جريجور سامسا

ترجمات خاصة: سماع جريجور سامسا

 

لقراءة الموضوع الأصلي (هنا)

لحسن الحظ أو سوئه، حين يكون العمل الأدبي مسبوقا بصداه، فإن هذه المعرفة المسبقة تحجب العمل ذاته. على الأقل تميز تفاصيلا معينة بينما تسقط أخرى كثيرة. لذا في العام الماضي حين جلست لقراءة قصة فرانز كافكا الذائعة الصيت الانمساخ كاملة لأول مرة، عرفت أني سأجد ما يفوق توقعاتي.

 

لم تفاجئني بداية القصة. فالعبارة الافتتاحية هي على الأرجح الأكثر شهرة من بين كتابات كافكا على الإطلاق. في ترجمة ويلّا و إدوين موير التي قرأتها، ترجمت على هذا النحو: “بينما استيقظ جريجور سامسا في صباح ما من أحلام مزعجة وجد نفسه متحولا في فراشه إلى حشرة عملاقة.” مفاجأتي الأولى الحقيقية- و لحظتي الأولى المليئة بالافتتان الغير متوقع و البهجة- أتت بعد عدة صفحات لاحقة، في تقديم كافكا لصوت جريجور في محاولته للرد على تحية والدته الصباحية:

 

صعق جريجور و هو يسمع صوته يجيبها، حتما صوته، حقا، لكن بصرير متكرر مروع و مرتعش خلفه كصوت خفيض، و الذي حافظ على وضوح الكلمات مبدئيا فقط ثم ارتفع الصرير حول الكلمات متلفا الإدراك بها، حتى لا يعد الشخص متيقنا من سماعه لها على نحو ملائم.”

 

كان تحول صوت جريجور بالأحرى بدلا عن هيئته هو ما نبه عائلته ( و رئيس الموظفين من مكتبه، الذي أتى للاستفسار عن تأخر جريجور عن العمل) إلى حالته. و هو سبب إصرار والدته على أن تجلب أخته طبيبا. تسأل والدته: “هل سمعت كيف كان يتحدث؟”. “هذا” يقول رئيس الموظفين متوترا “لم يكن صوتا بشريا.”

 

حين أنهيت القصة، هذه البنية الصوتية المشوهة لجريجور هي ما انحفر بذاكرتي. اعتبار القصة لهذه القوة الصوتية التي “تنقض إدراك [الكلمات]” ذكرني باستخدام التحريف الصوتي في الموسيقى الشعبية المعاصرة، و التي تحوي إمكانية تأثير مشابهة: لنأخذ مثلا مبالغة كايني ويست في استخدام النبرة الذاتية لجعل صوته يتردد بين الوضوح و عدمه في المقطع الختامي لأغنية “اهربي”. بينما اطلعت على أعمال أكثر لكافكا، لاحظت اهتماما ملازما في صوت معين ذو طابع استفزازي. كما لاحظ كلا من جيل دولوز و فيلكس جوتاري في الفصل الأول من كتابهم عام 1975 كافكا: نحو أدب الأقلية (بترجمة دانا بولان)، كافكا غير مهتم “بالموسيقى المؤلفة و ذات الشكل السيميائي” كثيرا كما هو “بمادة صوتية نقية و شديدة الرنين تكون دائمة الاتصال بخاصية إلغائها– صوت موسيقي تالف، صرخة بلا مغزى، قطعة موسيقية، أغنية، كلمات- رنين يسعى للتمزق ليهرب من سلسلة لا تزال محملة بالدلالات.”

 

في رسالتها العلمية الآسرة الجديدة، كافكا و الصخب: اكتشاف الصوت السينمائي في الحداثة الأدبية تكتب كاتا جيلين “باعتبار مدى تأثير نظرية دولوز و جوتاري عن أدب الأقلية في ما أثبتته، من اللافت للنظر قلة الاهتمام بدور الصخب داخله.” ينطبق نفس الشيء على دراسة الصوت في أعمال كافكا بالتحديد. تقتبس جيلين بشكل مطيع زملائها و سابقيها في هذه المغامرة- التي يقود من بينهم العلماء الألمان وولف كيتلر، جيرهارد كيرز، جيرهارد نيومان، و بيتين مينك- لكنها توضح أنها تستكشف أرضا جديدة. “هذا الكتاب،” تكتب في الفصل الأول، “يحوي أول دراسة جادة عن الصوت في كتابات كافكا.”

 

جزء مما يجعل هذا المشروع مثيرا هو الطريقة التي يخطو بها دون تردد نحو أرض مجهولة بينما يحقق بذات الوقت افتراض أساسي مقترح بشكل متقطع بواسطة شخصيات رائدة في تاريخ ترجمة كافكا. تلفت جيلين الانتباه إلى ملاحظة تمت من قبل ثيودور أدورنو إلى والتر بينجامين في رسالة بعثت قبل أكثر من 40 عاما من كتاب دولوز و جوتاري. يكتب أدورنو (بترجمة نيكولاس وولكر):

 

روايات كافكا ليست سيناريوهات للمسرح التجريبي، نظرا لافتقادها جوهريا المُشاهد الذي قد يتدخل في هكذا تجارب. تقدم بالأحرى  النصوص الواصلة الأخيرة و المختفية للفيلم الصامت (و ليس مصادفة اختفاء الأخير بذات الوقت تقريبا الذي صادف وفاة كافكا)؛ يقبع غموض الإيماءة في مكان ما بين الغوص نحو الصمت (إفناء اللغة) و البزوغ من الأخيرة نحو الموسيقى.

 

تحليل أدورنو هو البشير لكتاب جيلين، الذي يضع في كوكبة ثلاث مفاهيم أساسية: كافكا، الصوت، و الفيلم. “لست الأولى التي تكتب عن الصوت في أعمال كافكا،” تكتب جيلين، “لكنني الأولى في فعل ذلك عن طريق إطار الأفلام التصوري.” هذا يجعل كتابها أول عمل يحوي تفصيلا كاملا للإطار العملي المقترح في تعليق أدورنو إلى بينجامين. من أرضية هذه الحكمة المقتضبة، تستدعي جيلين دراسة مفصلة و دقيقة جدا.

 

نظرا لأن مقاربتها تتعدى الحدود التقليدية للعلم الأدبي، تحدد جيلين بعناية منهجيتها. تستعرض طريقتين للجمع بين الأدب و الفيلم: استخدام “آلي”، التي تطلقها على مصطلحات و مفاهيم من نظرية و مزاولة الإنتاج السينمائي حين يساعدان في شرح ما يعجز الأدباء وحدهم عنه”، و استخدام قياسي، حيث ” المثيل الذي تم الإقرار عليه مسبقا بين الظاهرة السينمائية و الأدبية يساعدنا على إدراك أبعاد جديدة و نتائج لكليهما.” هذه التقنيات ترشد قراءات جيلين لمدى واسع من أعمال كافكا جنبا إلى جنب صف من الأفلام، من الغناء تحت المطر إلى الوردة الأرجوانية للقاهرة. إذن هي لا تهدف لطرح معنى الصوت في أعمال كافكا- أو كما تمدد تركيزها في الحداثة الأدبية- بل بالأحرى لتري ما يفعله الصوت.

 

بالنسبة لجيلين، ما يفعله الصوت هو حتى، كما اقترح دولوز و جوتاري، مضاد للمعنى بتعمد. تكتب جيلين أن “إفتراض كتابها الأساسي هو أن الصخب، ظاهرة بدون وظيفة جلية، أو معنى، أو قيمة، تقدم عقبة منتجة للسرد الأدبي الحداثي.” هذه المقاومة لاستخراج معنى من الصخب الكافكاوي يضع جيلين ضمنيا في محادثة مع قارئة مبكرة أخرى لكافكا، سوزان سونتاغ، التي يفرد كتابها “في مقابل التأويل” كافكا كشخص عمله “تعرض لسلب ضخم” بواسطة الإرادة النهمة للتأويل. (تستشهد سونتاغ بالتحديد بقراءات اجتماعية، تحليلية نفسية، و دينية و التي تجدها جميعا مختزِلة.) “مهمة الانتقاد” تكتب سونتاغ قريبا من خاتمة المقال المثيرة “هي أن يُري كيف يكون الشيء ما هو عليه، حتى أنه هو ما هو عليه، بدلا عن أن يري ما يعنيه.” يشارك مشروع جيلين هذه الروح، حتى إن كان تحفظها العلمي يصب بصورة أقل- في “إغراءات الفن” الذي نتوق لها عند سونتاغ- من تقنياتها ربما.

ماذا يفعل الصوت إذن عند كافكا، و لم ستساعد دراسة الفيلم في هذه الوظيفة؟ بالنسبة لجيلين، الإجابة على السؤال الأخير هي التنافر التوليدي المولد في تطبيق مفاهيم دراسة الفيلم بالقياس إلى النصوص الأدبية. المفاهيم المبنية لهدف وحيد لن تناسب حتما مواضيع وسط آخر، لكن كما تكتب جيلين “هو هذا التطبيق المخل و هذا التناسب الناقص ما يثبت مدى إنتاجيته و إفصاحه، بما أنه يولد نوعا من التوتر التفسيري.” تجادل أن الخلل التطبيقي “يولد احتكاك و بالتالي يفضح الافتراضات التي نشكلها عن الوسائل موضع التساؤل، حدودها و إمكاناتها.” يتزامن هذا التوتر مع “التوتر بين الصوت و الأدب” عامة، و حدود الأدب و إمكاناته- استقراءا من حدود أدب كافكا و الأدب الحداثي- التي تقبع في قلب كافكا و الصخب. “الصخب” تكتب جيلين “يصبح ظاهرة نتحرى من خلالها […] ما يستطيعه الأدب و ما يعجز عنه.” يقودنا كتاب جيلين لنسأل، هل الأدب وسط غير مناسب؟ و كيف لعدم التناسب هذا أن يصبح عاملا لاحتمال أدبي؟

 

القراءة التي تذهب بعيدا نحو تطوير هذه الأسئلة المحرضة هي تحليل جيلين، في الفصل الثاني لآخر قصة منشورة لكافكا، “المطربة جوزفين، أو وطن الفئران” كما تشير جيلين أن هذه القصة ينتشر فيها الصخب الذي يُنفى منه القارئ: أغنية جوزفين. و هذه حقيقة بسيطة للأدب أنه في الممارسة الحديثة وسط صامت؛ قد يبدو هذا عائقا لقدرته على تقديم الصوت و بالتالي كمشكلة لقصة مثل “جوزفين” لكن كما توضح جيلين لا تستطيع “جوزفين” التواجد إلا في هكذا وسط. يعود هذا لطبيعة أغنية الفأر المطرب و التي في أساسها غامضة. يظل السارد غير أكيد من كونها “تغني” بالمطلق، أو عوضا عن ذلك ربما “تصفر” كما هو السائد في وطن الفئران، ربما مع اختلاف طفيف لا يمكن تعقبه. هذا الشك المتعذر حله هو بذاته موضوع القصة. تكتب جيلين بحصافة أن “صمت الأدب العنيد هو الحالة الضرورية لتقديم نوع من الموسيقى الذي يكون تأثيرها الصوتي متضمنا نقيضها.” تقارن هنا الأدب بالفيلم الصامت، “وسط غير صوتي آخر” حيث الصمت لا يؤثر سلبا على تصوير الصوت نفسه، بل يفتح احتمالات جديدة لأنواع الصوت التي يمكن تصويرها. تجادل جيلين أن الصوت في “جوزفين” و قصص أخرى لكافكا مثار بطريقة مماثلة للفيلم الصامت بواسطة الإيماءات- “وصف الأجساد التي تشير لحضور الصوت”- و التي “لا تنقل المحتوى، الشكل، أو مشاعر الأصوات التي تمثلها؛ بالأحرى هي تقف مكان الصوت نفسه.”

 

المعنِي بالتحديد هو قراءة جيلين لقصة المسخ في فصلها الأول. تكشف هناك عن ما يمكن الحصول عليه بتطبيق مفاهيم صوتية أو فيلمية معينة مجلوبة من خارج الدراسات الأدبية. في قضية المسخ، المفهوم المعمول به هو “التقريب الصوتي” الذي طورته جيلين من الباحث السينمائي المبكر بيلا بالاز الذي اقترحه بدوره كطريقة لفهم كيفية أن الإضافة اللاحقة للصوت إلى الفيلم قد توفر فرصة للوسط ليلهم الانعكاس على “الأصوات الودية الناعمة” للحياة التي لا نعي لها غالبا، “بما أنها مُغرقة بالضوضاء اليومية كما لو بانهيار صوتي.” تقترح جيلين أن هذا محتمل أيضا في الفيلم الصامت بوسائل بصرية- على سبيل المثال بلقطة تقريبية لمصدر الصوت- و كذلك بوسائل مختلفة في الأدب. تقرأ افتتاحية المسخ “كتقريب صوتي لمختلف الأصوات التي تشكل ‘لحظة‘ جريجور لليقظة” و التي تسمح لكافكا “أن يلتقط و يمدد حالة خاطفة في الفاصل ما بين الوعي و اللاوعي، بالإضافة إلى الحالات الإدراكية التي تحكمها.” تسلط جيلين الضوء على الأصوات التطفلية التي قاطعت بين فترة و أخرى فترة يقظة جريجور الممتدة: صوت منبه الساعة، صوت والدته “الناعم”، صوته المشوه، و أخيرا “التكة الواضحة لقفل الباب” و أمه تدير مفتاح باب غرفته، الذي “أيقظ جريجور بشكل لا يقبل الجدل” مخرجا له من الحالة الانتقالية هذه. تجادل جيلين أنه بتمثيل مميزات الحساسية الصوتية للاستيقاظ،  يسرد كافكا ” مواجهة مباشرة غير مصفاة و مغالية مع العالم الخارجي.”

 

قد لا تحوي قراءات جيلين لأفلام متعددة على طول الكتاب نفس العمق الموجود بتحليلها الأدبي. أحيانا، تكون مشوقة في حد ذاتها. لكن نادرا ما تزودنا بفهم أكثر دقة في أعمال كافكا إلى ما وراء ما يتيحه التطبيق الأكثر عامية للمفاهيم من نظرية الفيلم أو مقارنات أوسع بين الفيلم و الأدب. تقترح فيض هذه التحليلات إنزعاجا محتملا مع موضوع الكتاب الأصلي، أو ريبة بشأن كم من المعالجة للفيلم تتخطى الهدف الرئيسي لتوضيح كافكا. يكون كتاب كافكا و الصخب في أفضل حال حين يلتزم بعمق بقراءات لكافكا؛ فهو حين ينحرف عن هذه المهمة سواء لاستكشاف تفاصيل أفلام معينة أو لصنع ادعاءات تاريخية غير محددة، يتعثر.

 

ليس هذا لنقول أن اهتمام جيلين في توسعة مجال الكتاب من قراءات معينة لكافكا غير مرحب به، حين يتم العمل به على وجه التحديد. تقترح جيلين في الخاتمة القصيرة فكرة “علم معرفي حداثي للصوت الأدبي”- أن “الصوت و الصخب […] يعكسان بوضوح طرق حداثية للتلقي و المعرفة”- و الذي يقترح طرقا مقنعة  تمكن من التوسع في بحثها لفهم الحداثة بشكل أفضل- و لاهتمام الحداثة المميز بضغط حدود الأدب- لفهم أفضل لماهية الأدب. تستنتج جيلين باحتمالات قليلة لمتابعة فكرة العلم المعرفي للصوت الأدبي خلال الحقل المنبثق للدراسات الصوتية و بالمقابل لإثراء هذ الدراسات الصوتية بتوسعة مداها ليتضمن اعتبارا للأدب الذي تجاهلته بصورة كبيرة.

 

بالفعل، التطبيق المحتمل ذو الأثر الأبعد لأعمال جيلين هو مجادلته لأهمية الوجود المحتمل- عن طريق الغياب- للصوت في الأدب، بإدراك منتج بوضوح. تكتب بقرب خاتمة الكتاب:

 

يبرهن [كافكا و الصخب] على أن الأدب لا يكتفي بتقديم وقائع تاريخية عن التجارب الصوتية […] بل هو وسط معقد بأدواته الخاصة و تقنياته للإمساك بالصوت و توسيع العوالم الصوتية. باختصار، علاقة الأدب بالصوت ليست مجرد ثانوية أو تقليدية.

 

لأي قارئ أُسِر بالمثابرة الفضولية للأصوات الغريبة في أعمال كافكا، فإن نتائج عمل جيلين لمجرد فهم أعمال كافكا مثيرة في حد ذاتها. تكتب جيلين بخصوص إسهام دولوز و جوتاري في نقاش الصوت عند كافكا “ليس الأمر أن كتابهما يقدم أول تفسير للأصوات الصعبة عند كافكا أكثر من تذكيرنا مرة أخرى كيف هي مستغلقة و مركزية هذه الأصوات، عقودا بعد تعليق أدورنو إلى بنجامين.” ينجح كافكا و الصخب كعودة لذلك الغموض و تعبير جديد دقيق له بطريقة تزيد من عمقه خياليا عوضا عن تبديده.

عن دعاء خليفة

mm
كاتبة و مترجمة من السودان